على ضوء إطلاق المندوبية السامية للتخطيط أول بحث من الجيل الجديد حول سوق الشغل بالمغرب، بهدف تطوير أدوات قياس وتحليل تعتمد منهجية أكثر شمولية تتماشى مع أحدث المعايير الدولية.
حاورت "أنفاس بريس"، يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير .
ما أهمية تحيين البحث الوطني حول التشغيل في الظرفية الاقتصادية الحالية بالمغرب؟
يعتبر تحيين البحث الوطني حول التشغيل في الوضع الراهن، لبنة إضافية لتعزيز قراءة وفهم المؤشرات السوسيواقتصادية للبلاد على هامش نهاية ولاية حكومة السيد عزيز أخنوش. حيث ركز البحث الجديد حول القوى العاملة على عدد من التغييرات المنهجية والمفاهيمية لإعادة تعريف الشغل وقياس البطالة، وفي ظرفية سياسية دقيقة متسمة بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية. وبالتالي، فإن البحث المذكور يأتي في سياق سياسي خاص.
هل تعكس الأرقام الرسمية حقيقة سوق الشغل أم أن هناك مؤشرات أخرى؟
من المنظور الجديد، تعتبر المقاربة المعتمدة من لدن المندوبية السامية للتخطيط منهجية تقنية بامتياز. أولا، تمت زيادة حجم العينة من 90.000 إلى 135.000 أسرة مع تحيين لقاعدة المعاينة استنادا إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وبعدها، تم اعتماد منطق العطالة بالمفهوم الضيق الذي يحدد ثلاثة شروط لاعتبار شخص في هذه الفئة وهم أن تكون عاطلا ومستعد للعمل وفي وضعية بحث عن الشغل. وبالتالي، من هذا المنظور فالأرقام منطقية ولكن غير شاملة لأنها تقلص من رقم البطالة شكلا، 10.8 بالمائة استنادا لهاته المنهجية، وتبقى غير قريبة من واقع سوق الشغل لاسيما انطباع المواطنات والمواطنين والذي لا يأتي من العدم.
ما أبرز المؤشرات الجديدة التي يُنتظر أن يوفرها هذا البحث مقارنة بالنسخ السابقة؟
سأبدأ من حيث انتهيت، نسبة البطالة السابقة، أي قبل تغيير المنهجية، كانت تناهز 13 بالمائة. واليوم نتحدث عن مؤشر جديد ألا وهو المفهوم الضيق للبطالة الذي هو في حدود 10.8 بالمائة. مع العلم أننا فقدنا سنة 2025 أكثر من 107.000 منصب شغل غير مؤدى عنها والتي تهم أساسا القطاع الفلاحي، وكل سنة لدينا أكثر من 400.000 شخص، مؤهل للعمل أو متخرج من جامعة أو مدرسة عليا، في وضعية بحث عن العمل. وهو ما يضعنا أمام سؤال نجاعة الطريقة الجديدة للاحتساب ومدى واقعيتها.
كيف يمكن لنتائج البحث للمندوبية السامية للتخطيط أن توجه الحكومة في صياغة سياسات أكثر نجاعة للتشغيل؟ لاسيما ان إحصائيات المندوبية، خاصة خلال الولاية السابقة لأحمد الحليمي شهدت "جدل الأرقام" مع الحكومات المتعاقبة؟
المعطيات الدقيقة والشاملة لسوق الشغل هي أساسية لتنوير الحكومات المتعاقبة حول وضعية الساكنة بدون شغل أو في سن النشاط. وبالتالي، فإن الاعتماد على المعطيات التي تغطي مفهوم الشغل في شموليته سيساعد على إعادة بلورة السياسات المتعلقة بالتشغيل قصد تحسين واقع سوق الشغل. حيث يتعين في المقاربة الجديدة الاعتماد أكثر على معدل مشاركة القوى العاملة في سوق الشغل والذين أحصاهم البحث الوطني الجديد في عدد 11.617.000 شخص. فهم يمثلون 41.8 بالمائة من مجموع الأشخاص في سن النشاط والبالغ عددهم 27.775.000 شخص. كما يختلف مفهوم «القوى العاملة»، عن «المشتغلون مقابل دخل» الذين يبلغ عددهم 10.364.000 شخص أي 37.3 بالمائة من مجموع الأشخاص في سن النشاط.
مارأيك بخصوص معدل البطالة اليوم؟ هل باتت البطالة في المغرب مرتبطة أكثر بإشكالية التكوين أم بضعف خلق فرص الشغل؟ أم بنوعية ونموذج النمو الاقتصادي في المغرب؟
البطالة اليوم في المغرب مرتبطة بضعف الإنتاجية غير الفلاحية أي الصناعية والخدماتية، وخصوصا ضعف مردودية الاستثمارات التي لا تخلق بما يكفي فرص الشغل. نحتاج إلى مستويات نمو مرتفعة لخلق دينامية حقيقية جديدة في سوق الشغل، تناهز 7 بالمائة من الناتج الداخلي الخام لتحقيق التوازن بين الطلب والعرض. ومن جهة أخرى، يتعين أيضا تأهيل الكفاءات وتطوين الأطر في المهن الحديثة لتسهيل ولوجهم لسوق الشغل. حيث أن الطلب في أغلب الأحيان لا تتوفر فيه شروط الجودة المطلوبة، إذ يضطر صاحب عرض العمل إلى إعادة تكوين الشخص المقبول لتأهيله مهنيا أو رفض توظيفه في حالات أخرى.
ما القطاعات الاقتصادية الأكثر قدرة اليوم على امتصاص البطالة بالمغرب؟
أعتبر المهن الصناعية من أبرز القطاعات الإنتاجية القادرة على امتصاص البطالة. وأذكر على وجه الخصوص الصناعة الغذائية، والطاقات المتجددة، وصناعة المعدات والأجهزة الالكترونية، وصناعة أجزاء الطائرات، وصناعة السيارات، والرقمنة والذكاء الاصطناعي. كما يتعين النهوض بالقطاعين الخدماتي والسياحي، فهما قعرين انتاجيين للتوظيف بامتياز. مع مواصلة تطوير القطاع الفلاحي، لاسيما الصناعة التقليدية المغربية.
ما العلاقة بين الاستثمار العمومي والخاص وخلق مناصب الشغل المستدامة؟
الاستثمار العمومي الناجع، في البنيات التحتية وحتى الصناعية، يتعين أن يشجع الاستثمار الخصوصي المنتج لفرص الشغل المستدامة. من جهة أخرى، تلزمنا ديناميات حقيقية عبارة عن شراكات بين القطاعين العام والخاص وفي قطاعات إنتاجية حيوية. الهدف من هذا التقارب هو خلق مناصب شغل مستدامة، حيث يلعب القطاع العام دور المسهل والمواكب لإطلاق وإنجاح المشاريع الاستثمارية.
ما هي أبرز التوصيات التي ترونها ضرورية لتحسين مؤشرات التشغيل خلال السنوات المقبلة؟
من أبرز التوصيات، أذكر تسهيل مساطر التراخيص للاستثمارات الأجنبية والوطنية، سواء تعلق الأمر ببناء المجمعات الصناعية أو الاستغلال والإنتاج، خصوصا تلك التي تستهدف خلق مناصب الشغل المستدامة. كما يتعين دعم المبادرات الخصوصية وحاملي المشاريع من حيث التمويل والمواكبة. ثم تأهيل الموارد البشرية الضرورية للرفع من تنافسية سوق الشغل المغربي. وأيضا، توجيه الاستثمارات الخصوصية وشبه العمومية نحو الإنتاجية وخلق مناصب الشغل.