وجهت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، سؤالا كتابيا إلى رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، حول ما وصفته بمحاولة خوصصة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCA، والضغط على ميزانيته.
وساءلت النائبة البرلمانية الوزير، حول المعطيات المتعلقة بمضمون اجتماع المجلس الإداري بتاريخ 24 أبريل 2026، وخاصة ما يخص ربط ميزانية المعهد بتنفيذ إصلاحات معينة، كما طالبت بتوضيح التصور الرسمي للوزارة بخصوص مستقبل المعهد، وما إذا كانت تتجه فعلا نحو خصخصة المؤسسة أو تحويلها إلى نموذج شبه خاص قائم على رسوم التسجيل.
في هذا السياق، أفاد، الدكتور أحمد أزيرار، مؤسس النادي المغربي لاقتصاد المقاولة "سيريم Cerem"، أستاذ ومدير الدراسات سابقا بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، "أنفاس بريس"، بالورقة التالية:
كان المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، الذي أنشأه المرحوم الحسن الثاني سنة 1971 وسماه ابنه الروحي، كان ذي أهداف وطنية سامية. أول معهد تسيير من نوعه، كان ينتظر منه تكوين مقاولين ومسيرين للإدارات والمقاولات، الذين كان يفتقر اليهم المغرب، إلى جانب غاية أسمى تتمثل في خلق الثروة عبر المقاولات الخاصة وتشجيع المبادرة والخلق والتجديد.
وكان المعهد العالي في السنوات العشرين الأولى في مستوى عالٍ أكاديمياً وتطبيقياً، إذ تخرجت منه أعداد كبيرة من الأطر والمسيرين رفيعي المستوى، من بينهم وزراء ومقاولون كبار داخل المغرب وخارجه. كما سعى إلى تكوين أساتذة وباحثين في مجال التسيير، وهو تخصص لم يكن موجود قبل إنشاء المعهد، اذ كان التكوين خارج البلاد هو الحل الوحيد.
ولم يقتصر دور المعهد على التكوين فقط، بل ساهم أيضاً في خلق شبكة من جمعيات المقاولين الشباب والنساء، وكذا مجموعة من المدارس العليا، سواء كانت خصوصية أو عمومية. إذ على الخصوص انطلقت المدرسة العليا للتسيير من رحم المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، قبل أن تتوسع لاحقاً على الصعيد الوطني وتصبح موجودة عبر تراب المملكة.
كما كانت للمعهد طموحات أكبر، حيث كان من أوائل المؤسسات المغربية التي توجهت نحو إفريقيا، بامر من المرحوم الحسن الثاني، إذ تمكن من إنشاء مدرسة عليا متكاملة في غينيا كوناكري، بمناهجها وأساتذتها وروح التسيير الخاصة بها، ولا تزال شاهدة إلى اليوم على تلك المرحلة التي وُصفت بالزمن الجميل للمعهد. مع الاسف لم تستانف هته التجربة لقصر نضر بعض السياسيين انذاك.
اضف الى ذلك مجموعة من الدراسات والمؤلفات وكذا مجلة علمية كانت الوحيدة في المشهد التخصصي المغربي. لا ننسى كذلك ان المعهد كان يلعب في ميدان الكبار اذ كان عضوا في جمعية المدارس العليا العالمية للتسيير بجوار HEC، ومدارس الريادة في كندا، وسويسرا وبلجيكا. ناهيك ان تونس أنشأت مدرسة للتسيير سمتها كذلك ISCAE.
لكن، ومع الأسف، ارتكب المعهد العالي للتجارة والمقاولات ما اعتُبر “خطأ استراتيجياً” مع بداية الألفية، حين أطلق إصلاحاً تبين لاحقاً أنه لم يكن موفقاً، بسبب اعتماد مقاربة أحادية لم تأخذ بعين الاعتبار رأي الأساتذة والمهتمين بالشأن الأكاديمي والمقاولاتي. اراد مسيروا هته المرحلة ان يصبح المعهد مجموعة وان يفتح لتخصصات بعيدة عن فلسفته ومناهجه. إذ اصبح يستقبل طلبة من درجات اضعف بالمقارنة مع الماضي، وهذا امر مهم.
أضف الى ذلك اشتدت المنافسة سواء من طرف الجامعات الكبرى الجديدة أو المدارس الخاصة الوطنية والأجنبية التي استقرت محليا ، وهو ما لم ينتبه إليه المعهد بجدية، ظانا بأن سمعته الماضية كافية. كلها امور أدت إلى تراجع مكانة المعهد في التصنيفات الوطنية والدولية، بعدما كان عضوا فاعلا في شبكة المعاهد العليا للتسيير كما اسلفت.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يُطرح اليوم موضوع خوصصة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، وهي فكرة تُعتبر فكرة تستحق التحليل، على اعتبار أن الدولة لم يعد من الضروري أن تستمر في قطاع أصبح فيه حضور القطاع الخاص قوياً. الخصخة أمر وارد.
غير أن استمرار المعهد يبقى ممكناً إذا حدد استراتيجية جديدة مقنعة، تقوم على التمركز في موطنه الأصلي، إذ لا داعي للذهاب لمدن أخرى، وكذا على الارتقاء إلى مستوى أعلى في تكوين الأساتذة والدكتوراه، ومجالات مستقبلية تسود في التسيير الجديد. إلى جانب هذا بناء شبكة دولية للتكوين والتشبيك خارج المغرب وجر كفاءات دولية خصوصا من جنوب افريقيا وذلك لدعم السياسة المتبعة من طرف الدولة.
ختاما، فإن خوصصة المعهد قد تكون خياراً مناسباً، شريطة أن تتم وفق دفتر تحملات واضح وصارم، يضمن إعادة الارتقاء بالمؤسسة إلى مستوى عالٍ في التعليم والتكوين واحتضان المقاولات الناشئة والابتكارية. من أراد الاستثمار في التعليم فله ذلك. أما المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات فيجب أن يبقى ، سواء عمومي أم مخصخص، أداة فعالة وخلاقة لصالح تنمية النسيج الاقتصادي واشعاع المغرب على العالم ومعهد ذكاء استراتيجي على اعلى مستوى.
لا ننسى أن المعهد شهد كذلك نجاحات في إصلاحات وطنية كبرى منها مجال المحاسبة الذي صمم ونفذ انطلاق من المعهد، وكذا خلق أول سلك للخبراء المحاسبيين، ومنها كذلك مجال التجارة الخارجية والتصدير، والمالية...