mardi 12 mai 2026
منبر أنفاس

سعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب

سعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب سعيد الكحل

تحل الذكرى 23 لتفجيرات 16 ماي الإرهابية بالدار البيضاء ويتجدد معها إصرار المغرب على مواصلة الحرب على الإرهاب. ذلك أن المغرب لم يكتف بمعالجة آثار الصدمة التي أحدثتها تلك التفجيرات في وجدان المغاربة، بل حولها إلى استراتيجية متكاملة جعلته اليوم شريكاً محورياً في الأمن الإقليمي والدولي، بشهادة تقارير أممية ودولية.

مقاربة شاملة وتوجه استباقي.

إن المقاربة المغربية في مواجهة الإرهاب تُعد نموذجا في المنطقة، ليس فقط لنجاعتها الميدانية، بل لأنها لم تقتصر على الحل الأمني الوحيد. ذلك أن المغرب اعتمد استراتيجية مركبة، تزاوج بين تطبيق القانون وبين التصدي للجذور الفكرية والاجتماعية التي يتغذى عليها التطرف. وتتأسس هذه الإستراتيجية على المرتكزات التالية:

 1 ـ الاستباقية الأمنية التي تقوم على مبدأ "المبادرة لا الانتظار". وقد شكلت، مع تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، نقلة نوعية في عمل الأجهزة الأمنية التي انتقلت مهمتها من مطاردة الخلايا إلى تفكيكها وهي لا تزال في طور النوايا أو التخطيط الأولي قبل أن تنتقل إلى التنفيذ.

فما راكمته الأجهزة الأمنية من خبرات فنية وميدانية في مجال محاربة الإرهاب مكنها من تفكيك أزيد من 215 خلية إرهابية، وتوقيف حوالي 4300 عنصر مشتبه به وإجهاض أزيد من 500 مشروع تخريبي منذ 2002.

2 ـ هيكلة الحقل الديني بهدف حماية "الأمن الروحي للمغاربة" وذلك بتأميم المساجد والقضاء على حالة التسيب في الخطاب والإفتاء عبر تكريس مرجعية إمارة المؤمنين كصمام تحمي من التطرف والاختراق الإيديولوجي، مع ما تقتضيه من تكوين للأئمة والمرشدات والمرشدين وفق مناهج وبرامج محددة ومنسجمة مع ثوابت الشعب المغربي وهويته الثقافية، وكذا تفعيل دور المجلس العلمي الأعلى في تأطير الفتاوى ونشر قيم التسامح؛ فضلا عن مراجعة المقررات الدراسية وتنقيتها من خطاب الكراهية والتكفير.

3 ـ التنمية السوسيو-اقتصادية لمحاربة الفقر والتهميش من خلال إطلاق عدة برامج ومبادرات مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وإعادة هيكلة الأحياء الهامشية التي قد يستغلها المتطرفون لاستقطاب الشباب، ودعم المقاولين الشباب.

4 ـ المقاربة القانونية التي ترتكز على مبدأ "الملاءمة المستمرة"، بحيث يعمل المشرع المغربي على تطوير الترسانة القانونية لتواكب التحولات السريعة في طرق عمل التنظيمات الإرهابية، خاصة مع ظهور "الإرهاب الرقمي" وظاهرة "المقاتلين الأجانب" (تعديل القانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب بقانون رقم 14.13 الذي يجرّم مجرد الالتحاق أو محاولة الالتحاق بجماعات إرهابية خارج المملكة، أو تلقي تدريبات عسكرية أو تقنية داخل أو خارج المغرب بقصد ارتكاب أفعال إرهابية).

5 ـ التعاون الدولي: إدراكا من المغرب بأن الجماعات المتطرفة عابرة للحدود وتعتمد على شبكات دولية في التمويل والتجنيد والتخطيط، مما يجعل مواجهتها بشكل منفرد أمرا صعبا، جعل من التعاون الدولي ركيزة أساسية في إستراتيجيته لمحاربة الإرهاب. وفي هذا السياق، عزز المغرب شراكاته الأمنية مع عدد من الدول الأوروبية، خصوصا فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، إضافة إلى الولايات المتحدة. وقد ساهمت المعلومات الاستخباراتية التي وفرتها الأجهزة الأمنية المغربية في إحباط هجمات إرهابية خطيرة داخل أوروبا، الأمر الذي جعل العديد من المسؤولين الأمنيين الغربيين يشيدون بفعالية التعاون الأمني مع المغرب. ولعل الزيارات التي يقوم بها السيد عبد اللطيف الحموشي إلى العواصم الغربية بدعوة من مسؤوليها قصد التعاون وتبادل الخبرات دليل على كون المغرب شريك أساسي في الجهود الدولية لمحاربة التطرف والإرهاب والجريمة المنظمة.

المغرب في المؤشرات الدولية.

إن الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب مكنت من تصنيف المغرب كواحد من أكثر البلدان أمانا واستقرارا في العالم. فقد أكد مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 (Global Terrorism Index)  حصول المغرب على درجة "صفر" (0) واحتلاله المرتبة 100 من أصل 163 دولة شملها التصنيف. وهذه مرتبة جد مشرفة للمغرب ولأجهزته الأمنية في سياق إقليمي يعرف تمدد النشاط الإرهابي وتزايد خطره، خصوصا في منطقة الساحل والصحراء التي تشهد أعلى معدلات العمليات الإرهابية في العالم (51%)، مما جعل دولها تحتل المراتب الأولى في مؤشر الإرهاب ((بوركينافاسو الرتبة 2 حيث تسيطر التنظيمات الإرهابية على 70 % من مساحة الدولة، النيجر:3، نيجيريا:4، مالي:5). 

لقد راكمت الأجهزة الأمنية المغربية خبرات واسعة وتجارب غنية جعلت المغرب لا يكتفي بحماية حدوده وضمان استقرار مواطنيه، بل أصبح فاعلاً في حماية شركائه. الأمر الذي جعل من التجربة المغربية نموذجا تشيد به عدة تقارير دولية (تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة..)، كما ترغب كثير من الدول في الاستفادة منه.

واعترافا بنجاح إستراتيجية المغرب في محاربة التطرف والإرهاب، قررت الأمم المتحدة افتتاح مكتبها لمكافحة الإرهاب والتدريب في إفريقيا بالرباط، وهو الأول من نوعه في القارة الإفريقية. وتكريسا للشراكة الدولية في مجال محاربة التطرف والإرهاب، احتضن المغرب عدة مؤتمرات دولية (مبادرة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب حول التربية للوقاية ومكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب، المؤتمر الوزاري السابع للتحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" لأول مرة في بلد إفريقي بمشاركة 85 دولة، الدورة 93 للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) بمراكش، أول مؤتمر دولي مخصص لضحايا الإرهاب في إفريقيا دجنبر 2025 بالرباط، مؤتمر حول مكافحة الإرهاب والأمن البحري على طول السواحل الإفريقية الأطلسية..).

هل تتكرر مقدمات 16 ماي في المغرب؟

لقد أثبتت التجربة أن الإرهاب لا ينشأ فجأة داخل الكهوف السرية أو الأحياء الهامشية، بل يسبقه غالبا انتشار خطاب يقوم على التحريض والكراهية ضد فئة من المواطنين والمسؤولين. من هنا يمكن القول بأن اللحظة التي يعيشها المغرب اليوم شبيهة بمرحلة ما قبل 16 ماي ، ليس من حيث وجود تنظيمات إرهابية بنفس الشكل القديم، ولكن من حيث تشابه المناخ النفسي والثقافي الذي ينتج عادة خطاب التطرف والكراهية ويحرض على العنف. فقبل 16 ماي 2003 انتشرت خطابات التكفير التي تقسم المجتمع إلى "مؤمنين" و "ملحدين وكفار وفاسقين"؛ مما مهّد للتحريض على العنف وشرعنته. واليوم، يُعاد إنتاج الآلية نفسها ولكن بلغة سياسية وإيديولوجية جديدة تنعت فئة من المواطنين والمسؤولين "بالمتصهينين"؛ بل بلغت الوقاحة بالمحرضين إلى اتهام الدولة والنظام بتشجيع "الاستيطان" و “حماية الصهاينة”. خطاب الكراهية هذا لم يصدر عن أفراد عاديين وإنما من هيئات سياسية ودعوية مثلما كان عليه الحال قبل 16 ماي 2003. الأمر الذي يشكل تهديدا حقيقيا ليس فقط للسلم الاجتماعي، بل يفتح المجال أمام الأفراد الذين يعانون الهشاشة النفسية للانتقال من الكراهية الافتراضية إلى الفعل العدواني الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، فإن النجاح الكبير الذي حققه المغرب على المستوى الأمني في مواجهة التنظيمات المتطرفة وإحباط المخططات الإرهابية ينبغي أن توازيه مواجهة جريئة لمناخ الكراهية والتخوين عبر التصدي لكل خطاب يسعى لتحويل القضايا الخارجية إلى وقود لصراعات داخلية تهدد وحدة المغاربة وسلمهم المجتمعي. ذلك أن التحدي الذي يواجهه المغرب اليوم لا يتعلق بمنع التضامن مع فلسطين أو الحد من حرية التعبير، بل بكيفية حماية النقاش العمومي من الانزلاق نحو الكراهية والتحريض الجماعي. فالديمقراطية لا تعني تحويل الفضاء العام إلى ساحة للتشهير والتخوين، كما أن دعم القضايا العادلة لا يبرر التحريض ضد المواطنين أو المؤسسات. من هنا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى يقظة جماعية تشارك فيها الدولة، والأحزاب، والنخب الثقافية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، من أجل ترسيخ ثقافة الاختلاف السلمي، وتجريم التحريض على الكراهية، وحماية المغاربة من الانزلاق نحو استقطاب خطير قد يهدد تماسك المجتمع.