سنحاول تفكيك "المعجزة الإحصائية"المرتبطة بالشغل لا بوصفها رقما، بل بوصفها خطابا سياسيا كاملا: خطابا يعيد تشكيل الواقع بدل أن يصفه، ويعيد تعريف البطالة بدل أن يحلها، ويتقن لعبة تحويل الألم الاجتماعي إلى منحنى صاعد في عرض إحصائي بهي.
لن نكتب هنا تقريرا كلاسيكيا عن البطالة، بل سنفتح مختبرا لغويا/سياسيا نكشف فيه كيف تصنع “الحقيقة الرسمية”، وكيف يعاد إنتاجها في نشرات الأخبار، وكيف تنكسر عند أول مقهى مكتظ بالشباب العالق بين شهادة لا توفر شغلا وحلم لا تلاشى منذ سنوات.
مختبر الإحصاء: صناعة الواقع بدل قياسه
في التقارير الرسمية، يبدو العالم مرتبا بشكل مدهش: خطوط بيانية صاعدة وهابطة، نسب مئوية مطمئنة، ومصطلحات تشبه لغة الهندسة أكثر مما تشبه لغة الإنسان.
يعلن أن البطالة "تراجعت" إلى حدود معينة، وأن "سوق الشغل يتحسن تدريجيا"، وكأننا أمام عملية جراحية ناجحة في غرفة معقمة، لا أمام مجتمع يغلي في الشارع.
لكن خلف هذا الهدوء البصري، هناك سؤال بسيط لكنه مربك: من يحسب داخل هذا الرقم؟ ومن يتم إقصاؤه منه بصمت؟
حسب منهجية المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، يعتبر الشخص "عاطلًا" إذا كان: لا يشتغل أو يبحث بنشاط عن عمل وقادر على العمل....لكن ماذا عن ذلك الشاب الذي تعب من إرسال السير الذاتية حتى صار البريد الإلكتروني يشبه مقبرة رقمية؟
وماذا عن من توقف عن البحث لأنه أدرك أن "البحث" نفسه أصبح وظيفة غير مدفوعة الأجر؟
هؤلاء لا يختفون اجتماعيا… بل إحصائيا فقط.
وهنا تبدأ أول عملية “التدليس الإحصائي الشرعي”: تحويل الإنسان العاطل خارج تعريف البطالة.
البطالة كفاصلة عشرية: هندسة اللغة بدل إصلاح الواقع
في الخطاب الرسمي، البطالة ليست أزمة، بل "مؤشر" . والمؤشر، بطبيعته، بريء: لا يصرخ، لا ينام في الشارع، لا يهاجر على قارب مطاطي...
إنه رقم...
وهكذا، يتحول العاطل من إنسان يحمل تاريخا وقلقا وأسرة وأحلاما، إلى مجرد .
10.8% (قابلة للتعديل حسب الظرفية).....يا له من اختزال أنيق، يصلح لأن يعرض في مؤتمر دولي بعيدا عن صخب الشوارع، وهدير محركات قوارب الموت.
ف الاقتصاد الحقيقي لا يعيش في خوارزمات بنموسى، بل في الأزقة... وخوارزمات لاسنيس...
فوفق تقارير البنك الدولي، تعتبر البطالة بين الشباب في منطقة شمال إفريقيا من الأعلى نسبيا مقارنة بالمعدل العالمي، مع تفاوت حاد بين التعليم وسوق الشغل.
لكن المفارقة الساخرة هنا ليست في الأرقام نفسها، بل في المسافة بين الرقم وصاحبه.
الرقم مطمئن.
والشاب غضبان.
فالعاطل الذي تم حذفه ضمن هندسة “الاختفاء الطوعي”... ضحية تقنية غير معلنة لكنها فعّالة:
فإذا لم يبحث الإنسان عن عمل "بنشاط"، فهو لا يعتبر عاطلا...
وهكذا، وببساطة بيروقراطية مدهشة، يتم حذف عشرات الأولوف من خانة البطالة دون أن يحصل معهم أي شيء… سوى الإقصاء الإحصائي.
إنه أشبه بعملية "تنظيف صامت" للواقع:
لا احتجاج
لا قرار سياسي
فقط تغيير تعريف....يكفينا شر الشارع
علما أنه في تقارير منظمة العمل الدولية (ILO)، يتم التحذير باستمرار من هذه المنطقة الرمادية: الأشخاص "خارج التعليم، خارج العمل، وخارج التكوين" (NEET).
هؤلاء ليسوا عاطلين رسميا… لكنهم أيضا ليسوا أحياء اقتصاديا.
إنهم حضور اجتماعي بلا اعتراف رسمي...
الوظيفة الوهمية: عندما يصبح العمل ساعة واحدة كافية للنجاة الإحصائية
من أكثر المفارقات سخرية في هذا التعريف البنموسوي: إذا اشتغلت ساعة واحدة في الأسبوع، فأنت لست عاطلا.
ساعة واحدة فقط… تكفي لتغيير الهوية الاقتصادية بالكامل....
يمكنك إذن:
بيع علبة مناديل
مساعدة أحدهم
أو عمل مؤقت هش
ثم تصبح رسميا نشطا اقتصاديا.
هكذا يتحول سوق الشغل إلى مسرح عبثي: حيث الوجود الجزئي يُحتسب ك ”اندماج كامل”.
ما أعمق فكركم وقدرتكم على إعادة تعريف فلسفية للوجود: "أنت تعمل، إذن أنت موجود اقتصاديا”.
أما بقية الأسبوع؟
فهو تفصيل غير مهم في السيرة الذاتية.
المدينة التي تعمل بالأمل: جيل المقهى والانتظار
أما في الواقع الميداني، لا تحتاج إلى تقارير لتفهم الصورة. يكفي أن تجلس في أي مقهى شعبي:
شباب يحملون شهادات
حواسيب مفتوحة على مواقع الشغل
وأعين تراقب إشعارا لا يأتي
إنها ليست بطالة فقط… إنها "اقتصاد الانتظار".
انتظار الوظيفة
انتظار التأشيرة
انتظار الفرصة
انتظار أن يحدث شيء ما خارج كل القواعد
وفي هذا السياق، يتحول الوقت نفسه إلى عبء نفسي.
التشغيل الهش: حين يعمل الإنسان دون أن يعيش
هناك فئة أخرى لا تظهر كثيرا في النقاش العمومي: "العاملون الفقراء"
هؤلاء يعملون… لكنهم لا يخرجون من دائرة الهشاشة:
عقود قصيرة
أجور ضعيفة
غياب حماية اجتماعية
فوفق تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، تعد هشاشة التشغيل أحد أبرز تحديات أسواق العمل الحديثة في الدول النامية، حيث لا يضمن العمل دائما الخروج من الفقر. وهنا تكمن المفارقة القاسية: العمل لم يعد وعدا بالخروج من الهشاشة… بل أحيانا شكلا منها.
الدولة كمهندس لغوي: إعادة تعريف الأزمة بدل حلها
الخطاب الرسمي لا ينكر الواقع، بل يعيد تشكيله لغويا. فبدل: "بطالة مرتفعة" نقول: "تحسن تدريجي في الإدماج"..
بدل: "شباب بلا عمل" نقول: "فئة خارج سوق الشغل النشط"...
إنها ليست لغة كذب، بل لغة إعادة تأطير.
لغة تشبه التجميل السياسي: تخفي التجاعيد دون أن تعالج السبب.
الهجرة: من خيار اقتصادي إلى خلاص نفسي
حين يصبح الداخل غير قابل للعيش الرمزي، يصبح الخارج حلا نفسيًا قبل أن يكون اقتصاديًا....الهجرة لم تعد حلما… بل استراتيجية نجاة.
فوفق دراسات الهجرة الإقليمية، تتحول الرغبة في المغادرة إلى "طلب اجتماعي" متزايد لدى الشباب في ظل انسداد الأفق المحلي. لكن المفارقة المؤلمة: لم يعد السؤال "كيف نجد عملا هنا؟” بل "كيف نغادر بسرعة؟".
وهنا تصبح التأشيرة أهم من الشهادة، والجواز أهم من المسار الأكاديمي.
السخرية كاقتصاد بديل
أمام هذا الانسداد، لا يبقى سوى شيء واحد: السخرية....ليست سخرية للضحك فقط… بل سخرية كآلية بقاء..
حين يقول الشباب: "عندنا البطالة تقاس بالأرقام، وعندهم تقاس بالواقع" فهو لا يمزح فقط… بل يلخص فلسفة كاملة...السخرية هنا ليست فائض عيش، بل مقاومة ناعمة ضد خطاب ثقيل...إنها طريقة لإبقاء العقل حيا داخل واقع يعاد تعريفه باستمرار.
الأرقام لا تطعم خبزا
لا أحد يهاجم الأرقام لأنها خاطئة دائمًا....بل لأنها أحيانا صحيحة بطريقة لا تشبه الحياة...الرقم يقول: البطالة تنخفض
لكن الشارع يقول: الانتظار يطول
الرقم يقول: التحسن مستمر
لكن الجيل يقول: الأفق مغلق
وهنا بالضبط تنشأ الفجوة الحقيقية: بين اقتصاد يقاس
وواقع يعاش
كما يقول أحد التقارير النقدية في أدبيات التنمية: الاقتصاد ليس فقط نموا، بل أيضا إدماجا وكرامة.
لكن الكرامة، للأسف، لا تدخل في جداول فوبيا- رقم.
ربما المشكلة ليست في أن الحكومة تملك أرقاما…بل في أن الواقع لم يعد يعترف بها...وفي مكان ما بين حاسوب بنموسى والمقهى الشعبي، تسقط الحقيقة دون ضجيج: الوظائف لا تتساقط مثل المطر… والأمل لا يقاس بفاصلة عشرية.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي