لم تكن تلك المقذوفات الغادرة التي طاشت فوق سماء سمارة الولي الصالح "الشيخ ماء العينين" مجرد مفرقعات سياسية لكيانٍ يلفظ أنفاسه في خريف العمر بل كانت في تقديري "انتحاراً جغرافياً" كاملاً
فإذا كان المغرب قد نزع في خريف 2020 "حصى" الگركرات التي كانت تعيق حذاء التنمية الإفريقية فإن حماقة السمارة اليوم تضعنا أمام ضرورة "كيِّ الجرح" لا مداواته بإغلاق ذلك القوس العبثي الذي ظل جرحاً موارباً منذ 1991 تحت مسمى "المنطقة العازلة
إن ما شهدناه من زخم تضامني دولي وشعبي واسع مع سمارة المجاهدة لم يكن مجرد تعاطف عابر بل هو استفتاء عالمي متجدد على مغربية الصحراء.
لقد أدرك العالم أننا أمام منطقين لا يلتقيان:
منطق الدولة التي تبني في الداخلة قطباً أطلسياً جديداً يفتح ذراعيه للمستقبل ووهم "العصابة" التي تقتات على الغدر.
هي المفارقة التي لخصها السفير الأمريكي من قلب الداخلة ببرودة أعصاب قاتلة: (هناك من يعالج المدنيين وهناك من يقصفهم) جملةٌ سقطت كالمقصلة لتنزع عن "قصر المرادية" آخر ورقة تينٍ كان يداري بها عورة كيانه الوظيفى
واليوم ونحن هذا الهدوء الحكيم لعاهل البلاد
وصبرَ جيشنا العظيم ندرك أن "ضبط النفس" لم يكن يوماً ضعفاً بل كان "فخاً استراتيجياً" ابتلع أوهام الخصوم فحين يخرج قادة عسكرنا ليتحدثوا بلسانٍ فصيح فإنهم لا يرسلون تحذيرات عادية بل يعلنون عن فجر عقيدة عسكرية جديدة عقيدة لخصها قائدنا العسكري بعبارة زلزلت أركان الخصوم:
"نحن قادرون على ردع العدو في العمق"
لم تعد هذه الجملة مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي بل هي حقيقة ميدانية يراها المغربُ ويسمعها كل من تسول له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء
فالمغربٌ لم يعد يكتفي بحراسة "الجدار" بل امتلك "العين" التي تخترق الحجب.. واليد الطولى التي تقصُّ أظافر الخطر في عقر دياره قبل أن تتحرك
رسالةٌ قصيرة وحازمة تقول إن اللعب قد انتهى وأن الجغرافيا العازلة لم تعد تحمي أحداً من سخط السيادة المغربية إذا ما تجرأ على تهديد أمنها
وإذا استحضرنا في هذا السياق المؤشرات القادمة من نيويورك والتي تتحدث عن تقليص دور بعثة "المينورسو" تمهيداً لمواكبة تنزيل "الحكم الذاتي" تؤكد أن "المنطقة العازلة" قاب قوسين أو أدنى من تحويلها إلى أرشيفات النسيان.. بل نزداد يقينا مع اقتراب عيدنا الوطني الأول للوحدة والذي لاشك فيه اننا سنكون مع الهدية الكبرى بطيُّ ملف تلك الجيوب بصفة نهائية وتطهيرها من دنس الرعاع ليبقى الوطن واحداً، ممتداً من طنجة الكبرى إلى الكويرة العالية بلا "عوازل" ولا خطوط وهميّة
وفاءً لعهد قطعناه منذ المسيرة الخضراء
وتكريما لأرواح كل الشهداء الأبرار الذين سقت دماؤهم الزكية هذه الأرض الطيبة
فهي تستحق اليوم أن تنام قريرة العين لأن دمائهم لم تذهب سدى بل كانت الوتد الذي ثبّت خريطة الوطن
بمغرب واحد وشعب واحد وراء ملك يقود خطى التاريخ بيقين المنتصرين.
يوسف غريب، كاتب صحفي