mardi 12 mai 2026
كتاب الرأي

عبد الرحيم بوعيدة: حين يتحول الغش إلى وطنٍ صغير..

عبد الرحيم بوعيدة: حين يتحول الغش إلى وطنٍ صغير.. عبد الرحيم بوعيدة

يبدو أننا ظلمنا وزير التربية الوطنية..  
الرجل الذي جاء إلى التعليم كما يدخل غريبٌ بيتاً امتلأت جدرانه بالتشققات، ثم قرر أن يعلّق على الباب قفلاً جديداً ويعتقد أن البيت قد صار آمناً..  
خرج علينا اليوم، في البرلمان، بوصفته السحرية للقضاء على الغش..  
ألفا جهازٍ متطور لكشف الغشاشين..  
يا لبساطة الحلول حين يعجز الفكر عن ملامسة الجرح..

لم يسأل أحد لماذا صار الغش، في هذا البلد، أقلَّ إثارةً للعار من الفشل..  
لماذا صار التلميذ يخاف من الرسوب أكثر مما يخاف من خسارة نفسه..  
كيف تسلّل الغش إلى البيوت، وجلس معنا إلى مائدة العشاء، حتى صار بعض الآباء والأمهات يلقنون أبناءهم الأجوبة عبر الهاتف، كأنهم يورثونهم وصفةً عائلية للنجاة..

الأمهات اللواتي كنّ يوصين أبناءهن قديماً بالصدق، أصبحن اليوم يوصينهم بألا يُمسك بهم أحد..  
ما أقسى أن يتحول الخوف من الفضيحة إلى بديلٍ عن الضمير..

وفي الخارج، قرب المدارس والجامعات، تنمو مجموعات صغيرة للغش..  
شباب يحملون الأجوبة كما يحمل باعة الورد باقاتهم، يعرضون النجاح بالتقسيط، ويوزعون الوهم على المتعبين من الدراسة، كأن المعرفة لم تعد طريقاً، بل صفقةً عابرة..

لكن الوزير، المسكين ربما، لم يرَ كل هذا..  
رأى فقط التلميذ وهو يخبئ هاتفاً في كمِّ قميصه..  
فقرر أن يشتري آلاتٍ تكشف المعادن، ناسياً أن أخطر ما في الغش ليس الهاتف، بل الفكرة التي تسكن الرأس..

نحن لا نعيش أزمة امتحانات..  
نحن نعيش أزمة معنى..

لأن الغش، في النهاية، ليس سلوكاً معزولاً..  
إنه ابنٌ شرعي لمجتمعٍ كامل يتصالح مع الكذب أكثر مما يتصالح مع الحقيقة..  
مجتمعٌ يغش في البيع والشراء، في الوعود، في المشاعر، في السياسة، وحتى في الحب..  
فكيف نطلب من تلميذٍ صغير أن يكون نزيهاً، بينما يرى الكبار يصلون بالغش إلى كل شيء؟

هنا، لم يعد الأمر يثير الدهشة..  
أن يغش طالبٌ ليصبح طبيباً، أو محامياً، أو أستاذاً، فذلك لم يعد حادثاً معزولاً، بل صورةً مصغرة عن خرابٍ أكبر..  
كارثة تبدأ بورقة امتحان، وتنتهي بمواطنٍ يرى الوصولية شطارة، والانتهازية ذكاء، والسمسرة مهارة اجتماعية..

ذلك الطالب الذي يغش اليوم في امتحان القانون، سيقنعك غداً أن العدالة وجهة نظر..  
والذي يغش في الطب، قد يترك مريضاً بين الحياة والموت لأنه لم يتعلم سوى كيف ينجح، لا كيف يفهم..  
أما الذي يغش في التربية، فسيُخرّج جيلاً جديداً يشبهه، وتدور الدائرة كأننا محكومون بلعنةٍ تتوارث نفسها..

الوزير معذور، إلى حدٍّ ما..  
فهو رجل أعمال..  
ينظر إلى المدرسة بعين التاجر: مشكلةٌ هنا، نشتري لها جهازاً..  
خللٌ هناك، نستورد له حلاً جاهزاً..  
بينما التربية ليست شركة، والتعليم ليس مخزناً تُرمم أبوابه بكاميرات المراقبة..

نسي الرجل أن المدرسة لا تسقط وحدها..  
حين تسقط المدرسة، يسقط معها شيء خفيّ من روح الوطن..  
يسقط احترام الجهد، وهيبة المعرفة، وإيمان الناس بأن التعب يمكن أن يقود إلى مكانٍ نظيف..

لهذا، أعتقد أن اقتراح الوزير يجب ألا يتوقف عند المدارس..  
علينا أن نستورد ملايين الأجهزة..  
أجهزة تكشف الغش في الأسواق، في الإدارات، في الصفقات، في المطاعم، في نشرات الأخبار، وفي التصريحات السياسية..  

والأجمل من ذلك كله:  
أن نعلّق لكل سياسي جهازاً صغيراً فوق عنقه، يضيء كلما وعد الناس بما لا ينوي فعله..  
خصوصاً أننا مقبلون على موسمٍ انتخابي، ذلك الفصل من السنة الذي تتكاثر فيه الكلمات الجميلة كما تتكاثر الحشرات بعد المطر، ويصبح الكذب فيه فناً خطابياً لا يُعاقَب عليه أحد..

ألم أقل لكم إن الوزير جاء بالوصفة السهلة؟  
لقد قرر أن يحاصر الغشاشين بالأجهزة، بدل أن يسأل السؤال الأكثر إيلاماً:  
كيف تحوّل الغش، في هذا البلد، من سلوكٍ نخجل منه.. إلى ثقافةٍ نتعايش معها…