نور محمد رضا، أستاذ التعليم العالي والرئيس المؤسس للمركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة
يرى محمد رضا، أستاذ التعليم العالي والرئيس المؤسس للمركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة، أن تناسل اعترافات دول العالم بمخطط الحكم الذاتي في الصحراء المغربية بما في ذلك دول إفريقية كانت تعترف بأطروحة الإنفصاليين، لا يمكن قراءته كحدث معزول أو كمجرد تراكم عددي في المواقف الدبلوماسية، بل ينبغي فهمه بوصفه تحولًا بنيويًا في طريقة تعامل جزء مهم من المجتمع الدولي مع نزاع الصحراء المغربية. وأضاف محمد رضا بأن أهمية التحولات الأخيرة تكمن في أن بعضها صادر عن دول لم تكن تاريخيًا ضمن الدائرة التقليدية الداعمة للموقف المغربي، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في قابلية الأطروحة الانفصالية للتسويق دوليًا، مبرزا بأن المرحلة تتطلب نصا قانونيا واضحا يحدد اختصاصات المؤسسات الجهوية، وطبيعة العلاقة مع الدولة المركزية، وآليات الرقابة، والموارد المالية، والضمانات السياسية والمؤسساتية.
كيف تقرأ تناسل اعترافات دول العالم بمخطط الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، بما في ذلك دول إفريقية كانت تعترف بأطروحة الجزائر والبوليساريو؟
هذا التحول لا يمكن قراءته كحدث معزول أو كمجرد تراكم عددي في المواقف الدبلوماسية، بل ينبغي فهمه بوصفه تحولًا بنيويًا في طريقة تعامل جزء مهم من المجتمع الدولي مع نزاع الصحراء المغربية. لسنوات طويلة، ظل الملف محكومًا بمنطق ثنائي جامد: إما استمرار النزاع، أو التمسك بأطروحات لم تعد قابلة للتنزيل في السياق الإقليمي والدولي الراهن. أما اليوم، فإن عددًا متزايدًا من الدول أصبح يتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الصيغة الأكثر واقعية لإنتاج حل سياسي قابل للحياة.
أهمية التحولات الأخيرة تكمن في أن بعضها صادر عن دول لم تكن تاريخيًا ضمن الدائرة التقليدية الداعمة للموقف المغربي. فموقف مالي، التي سحبت اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية“ وأعلنت دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي، يمثل إشارة سياسية قوية من دولة مركزية في الساحل. كما أن كينيا أعلنت دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في حين اتجهت الهندوراس إلى تعليق اعترافها بالكيان الانفصالي، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في قابلية الأطروحة الانفصالية للتسويق دوليًا.
في إفريقيا، يرتبط هذا التحول بعدة اعتبارات: عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، تنامي التحديات الأمنية في الساحل، حاجة الدول إلى شركاء مستقرين، ثم توسع الدبلوماسية المغربية في مجالات الأمن الغذائي، التكوين الديني، الاستثمار، البنيات التحتية والتعاون الأمني. كثير من الدول الإفريقية التي تعيش تحديات انفصالية أو أمنية داخلية لم تعد ترى مصلحة في تشجيع نموذج كيان غير دولتي جديد في منطقة هشة.
أما في أمريكا اللاتينية، فهناك تراجع واضح للخطابات الإيديولوجية القديمة التي كانت مرتبطة بمنطق الحرب الباردة. دول مثل الهندوراس وغيرها، أصبحت تقرأ الملف من زاوية المصالح والشراكات جنوب-جنوب، لا من زاوية الاصطفافات القديمة. وهنا نجح المغرب في تقديم نفسه كشريك تنموي، وليس فقط كطرف يدافع عن موقف ترابي.
ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين: ليست كل المواقف الدولية في الدرجة نفسها. هناك دول تعترف صراحة بسيادة المغرب على صحرائه، وهناك دول تدعم الحكم الذاتي باعتباره الحل الأكثر جدية وواقعية، وهناك دول تكتفي بدعم المسار الأممي. لكن الاتجاه العام واضح: مركز الثقل الدولي يتحرك تدريجيًا نحو الحل السياسي الواقعي داخل السيادة المغربية
ما هي أسباب هذه الفورة الدبلوماسية المغربية في نظرك؟
لا أعتقد أن ما نعيشه اليوم يمكن اختزاله في مجرد “فورة دبلوماسية” ظرفية، أو في حملة علاقات عامة ناجحة. الأمر أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نتيجة مباشرة لتحول استثنائي في السياسة الخارجية المغربية في عهد الملك محمد السادس، وهو تحول لا يتعلق فقط بتكثيف المبادرات الدبلوماسية، بل بتغيير طريقة إنتاج النفوذ المغربي في افريقيا والعالم.
وهذا بالضبط ما حاولنا أن نبيّنه في مؤلفنا الأخير حول السياسة الخارجية للمغرب في عهد الملك محمد السادس، حيث ذهبنا إلى أن الدبلوماسية المغربية لا تمثل قطيعة كاملة مع الإرث السابق، ولا مجرد استمرار تقليدي له، بل تمثل إعادة تشكيل عميقة لأدوات القوة والتأثير. فالثوابت الكبرى بقيت كما هي، وفي مقدمتها الوحدة الترابية، والاستقرار، والانفتاح على الشراكات الدولية، لكن أدوات تحقيق هذه الثوابت تغيرت بصورة لافتة. فالتحول الحقيقي لا يكمن فقط فيما يريد المغرب تحقيقه، بل في الطريقة التي أصبح يحقق بها أهدافه. وقد أبرزنا في هذا العمل أن الدبلوماسية المغربية في عهد محمد السادس انتقلت من منطق الحفاظ والدفاع إلى منطق بناء شبكات الاعتماد المتبادل، عبر إفريقيا، والجيو-اقتصاد، والدبلوماسية الدينية، واستعمال القانون الدولي كأداة استراتيجية.
بمعنى آخر، لم يعد المغرب يراهن فقط على الإقناع السياسي أو القانوني، بل أصبح ينتج واقعًا من المصالح المتشابكة. فالدولة التي تستثمر في المغرب، أو تعتمد على الموانئ المغربية، أو تستفيد من التعاون الأمني، أو تنخرط في برامج التكوين الديني، أو تجد في الأقاليم الجنوبية بوابة نحو إفريقيا الأطلسية، تصبح أقل قابلية لتبني مواقف معاكسة للمصالح الحيوية للمغرب. هنا تتحول الدبلوماسية من خطاب إلى بنية مصالح.
من هذا المنظور، يمكن فهم أسباب الزخم الحالي.
أولًا، هناك التحول الإفريقي. عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن مجرد عودة مؤسساتية، بل كانت جزءًا من رؤية أشمل لتحويل إفريقيا إلى مجال لتراكم النفوذ المغربي. المغرب لم يرجع إلى إفريقيا بخطاب سياسي فقط، بل عاد بالاستثمار، والأبناك، والأسمدة، والتكوين الديني، والأمن الغذائي، والتعاون الأمني، ومشاريع البنية التحتية. لذلك، بدأت دول كثيرة تنظر إلى المغرب باعتباره شريكًا في التنمية والاستقرار، لا مجرد طرف في نزاع إقليمي.
ثانيًا، هناك القوة الجيو-اقتصادية. مشاريع مثل ميناء الداخلة الأطلسي، والمبادرة الأطلسية تجاه دول الساحل، والطاقات المتجددة، والربط اللوجستي مع العمق الإفريقي، جعلت الأقاليم الجنوبية تتحول من موضوع نزاع إلى منصة استراتيجية. وهذا التحول مهم جدًا؛ لأنه يجعل دعم الحكم الذاتي ليس فقط موقفًا سياسيًا، بل اختيارًا مرتبطًا بالمصالح الاقتصادية، والممرات التجارية، والأمن الإقليمي.
ثالثًا، هناك الدبلوماسية الدينية والأمنية. رآكم المغرب، خصوصًا في إفريقيا الغربية والساحل، صورة شريك موثوق في محاربة التطرف، وتكوين الأئمة، وترسيخ نموذج ديني معتدل. هذه الدبلوماسية الناعمة لا تظهر دائمًا في البيانات الرسمية، لكنها تشتغل في العمق، وتخلق ثقة طويلة الأمد مع دول تحتاج إلى الاستقرار الديني والأمني.
رابعًا، هناك استعمال ذكي للقانون الدولي والمسار الأممي. فالمغرب لم يخرج من الشرعية الدولية، بل أعاد تموقعه داخلها. مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 مكّنت المغرب من الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الاقتراح. فهو لا يكتفي برفض الطرح الانفصالي، بل يقدم بديلًا سياسيًا قابلًا للتفاوض والتنزيل، وهو ما جعل قرارات مجلس الأمن تميل تدريجيًا إلى لغة الواقعية والتوافق والحل العملي.
خامسًا، هناك تراجع جاذبية الطرح الانفصالي. فالبوليساريو لم ينجح في تقديم نموذج سياسي أو اقتصادي قابل للحياة، بينما نجح المغرب في تقديم نموذج دولة مستقرة، ذات امتداد إفريقي، ومشاريع تنموية ملموسة، وشبكة علاقات دولية واسعة. الدول لا تغيّر مواقفها بدافع العاطفة، بل عندما تقتنع بأن كلفة الاستمرار في موقف قديم أصبحت أعلى من كلفة مراجعة هذا الموقف.
لذلك، فهذه الدينامية ليست حادثًا معزولًا، وليست فقط نتيجة اعتراف أمريكي أو قرار أممي، رغم أهمية العاملين معًا. إنها ثمرة تحول استراتيجي طويل في عهد الملك محمد السادس: من دبلوماسية حماية الموقف إلى دبلوماسية صناعة الاعتماد المتبادل؛ ومن الدفاع عن الصحراء بوصفها قضية وطنية فقط، إلى تقديمها بوصفها رافعة للاستقرار والتنمية والربط الأطلسي الإفريقي.
وهنا تكمن قوة المغرب اليوم: لم يعد يطلب من الدول أن تدعمه فقط لأنها تتفهم موقفه، بل لأنه أصبح يقدم لها مصلحة واضحة في دعم هذا الموقف. هذه هي النقلة النوعية التي تفسر الزخم الدبلوماسي الحالي.
هناك من يرى أن اصطفاف هذه الدول وراء مخطط الحكم الذاتي يعود إلى قرار مجلس الأمن الأخير، بالإضافة الى الدعم الذي حظي به مخطط الحكم الذاتي منذ 2020 بفضل الاعتراف الأمريكي، ما رأيك؟
أعتقد أن وضع المسألة في شكل مفاضلة بين الاعتراف الأمريكي وقرارات مجلس الأمن فيه قدر من التبسيط. الواقع أكثر تركيبًا. نحن أمام تفاعل بين ثلاثة مستويات: الاعتراف الأمريكي سنة 2020، تطور لغة مجلس الأمن، والتحولات الجيوسياسية العميقة في مصالح الدول.
الاعتراف الأمريكي سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء شكّل بلا شك لحظة تسريع كبرى. أهميته لا تكمن فقط في كونه صدر عن قوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن، بل لأنه كسر حاجزًا سياسيًا لدى عدد من الدول التي كانت تتردد في تبني موقف أكثر وضوحًا. هذا الاعتراف لم يلزم الدول الأخرى قانونيًا، لكنه خفّض كلفة التحول الدبلوماسي، وأعطى إشارة بأن دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد خيارًا هامشيًا.
لكن قرارات مجلس الأمن لا تقل أهمية. فمنذ سنوات، بات المجلس يركز على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي، عملي، دائم، وقائم على التوافق. وفي أكتوبر 2025، تبنى مجلس الأمن القرار 2797، الذي جدد ولاية بعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، ووضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في موقع أكثر مركزية داخل جهود التسوية، دون أن يعني ذلك أن مجلس الأمن حسم الوضع النهائي للإقليم أو خرج عن المسار الأممي.
بعبارة أخرى، الاعتراف الأمريكي كان محفزًا، وقرارات مجلس الأمن منحت غطاءً سياسيًا أمميًا متزايدًا، لكن السبب الأعمق هو أن مصالح الدول تغيرت. في عالم مضطرب، حيث تتداخل قضايا الأمن، الطاقة، الهجرة، الإرهاب، التجارة والممرات البحرية، يبدو مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار من خيار الانفصال.
وهنا يجب التأكيد على نقطة أساسية: المكسب المغربي لا ينبغي أن يُقرأ كبديل عن المسار الأممي، بل كتعزيز لموقع المغرب داخله. فكلما اتسعت دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، أصبح المغرب أكثر قدرة على تحويل هذه المبادرة من مقترح تفاوضي إلى قاعدة عملية للحل، ولكن داخل الشرعية الدولية لا خارجها.
لذلك، لا تصطف الدول فقط خلف نص قانوني أو موقف أمريكي، بل خلف رؤية جيوسياسية تعتبر أن المغرب يقدم صيغة حل تحفظ الاستقرار الإقليمي، وتحول الأقاليم الجنوبية إلى مجال للتنمية والربط الأطلسي، بدل أن تبقى ساحة نزاع مفتوح.
ماذا عن الشروط المطلوبة لتنزيل الجهوية في الأقاليم الجنوبية، وما السقف الزمني الذي تتوقعه لذلك؟
تنزيل الحكم الذاتي أو تعميق الجهوية المتقدمة في الأقاليم الجنوبية لا يمكن أن يتم بمجرد إعلان سياسي. نحن أمام ورش مؤسساتي وقانوني يحتاج إلى دقة، وتدرج، وتوافق داخلي، ومواكبة دولية. فنجاح المشروع لن يقاس فقط بصدور نصوص قانونية، بل بقدرة السكان المحليين على تدبير شؤونهم، وبمدى تحول التنمية إلى واقع يومي.
أول شرط هو الإطار الدستوري والقانوني. دستور 2011 وضع أساس الجهوية المتقدمة، لكنه لا يكفي وحده لتنزيل حكم ذاتي ذي خصوصية واسعة. المطلوب هو نص قانوني واضح يحدد اختصاصات المؤسسات الجهوية، وطبيعة العلاقة مع الدولة المركزية، وآليات الرقابة، والموارد المالية، والضمانات السياسية والمؤسساتية.
ثاني شرط هو تحديد الاختصاصات بدقة. يمكن للمؤسسات الجهوية أن تتولى مجالات التنمية المحلية، الثقافة، التعليم الجهوي، الاستثمار، التخطيط الترابي، وتدبير بعض الموارد، بينما تبقى السيادة، الدفاع، العلاقات الخارجية، العملة، الأمن الاستراتيجي، والرموز السيادية من اختصاص الدولة المغربية. هذا هو جوهر الحكم الذاتي تحت السيادة: توسيع التدبير المحلي دون المساس بوحدة الدولة.
ثالث شرط هو التمثيلية الديمقراطية الحقيقية. لا يمكن أن يكون الحكم الذاتي مقنعًا دوليًا إذا لم تكن مؤسساته منبثقة عن إرادة السكان، وإذا لم تكن النخب المحلية قادرة على التدبير والمحاسبة. لذلك، يجب الاستثمار في تكوين نخب محلية، إشراك الشباب والنساء، تقوية الأحزاب محليًا، ودعم المجتمع المدني المسؤول.
رابع شرط هو اللامركزية المالية والإدارية. الجهوية من دون موارد حقيقية تبقى شكلية. لذلك يجب تمكين المؤسسات الجهوية من آليات مالية واضحة، وقدرة فعلية على التخطيط والتنفيذ، مع رقابة تضمن الشفافية وحسن التدبير.
خامس شرط هو البعد التنموي والثقافي. الحكم الذاتي يجب أن يكون مرتبطًا بالعدالة المجالية، التشغيل، التعليم، الصحة، المقاولة، وتثمين الخصوصية الحسانية. فالبعد الثقافي ليس تفصيلًا رمزيًا، بل عنصر من عناصر الشرعية المحلية للنموذج.
سادس شرط هو بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي. فالحكم الذاتي ليس فقط توزيعًا للاختصاصات، بل هو تعاقد سياسي ومؤسساتي يقتضي وضوحًا، مشاركة، وشفافية. وكلما شعر السكان بأنهم شركاء في القرار، لا مجرد موضوع للسياسات العمومية، ازدادت قوة النموذج المغربي في الداخل والخارج.
أما السقف الزمني، فمن غير المهني تقديم تاريخ قطعي. المسار مرتبط بثلاثة شروط: تطور العملية الأممية، اتساع الدعم الدولي للمبادرة المغربية، وجاهزية البنية القانونية والمؤسساتية داخليًا. يمكن الحديث عن أفق أولي من ثلاث إلى سبع سنوات لتعميق الجهوية المتقدمة وتوسيع اختصاصاتها، وأفق أطول لترسيخ نموذج حكم ذاتي كامل وفعال. فالعملية تدريجية، ولا يمكن اختزالها في قرار إداري سريع.