ليست «كان يا ما كان» مجرد أغنية تنشد ثم تمضي، بل حكاية خرجت من وجع قديم في جامع الفنا بمراكش، حين بلغ مسمع عبد الوهاب الدكالي بوح شيخ أنهكته السنون، فالتقط منه جمرة الشجن قبل أن تنطفئ في زحام الساحة. وبلمسته المبدعة، حول ذلك الأنين العابر إلى ملحمة غنائية عن الحب حين يصطدم بالقهر، وعن الحلم حين ينتهي حجرا، وقبرا، وشجرة.
هنا لا يكون اللحن زينة للكلمة، ولا تكون الكلمة ظلا للحن؛ بل يمضيان معا كعاشقين إلى مصيرهما. لذلك نقف عند هذه الحكاية كلمة كلمة، ونصغي إلى نغمها كما نصغي إلى ذاكرة تبكي، قبل أن يبدأ الراوي كلامه الأزلي:
كان يا ما كان.
هكذا كانت العجائز يبدأن الكلام إذا مال الليل على البيوت، وسكتت الطرق، ونامت المواقد تحت رمادها. يجلس الصبيان قريبا من الركب، وتخفض النساء أصواتهن، ثم يخرج الراوي من صمته كأنه يفتح بابا قديما في وجه الزمان.
كان يا ما كان؛ حكاية ترويها العجائز للصبيان قبل المنام. يغنيها راو لا يرى، كأنه واقف أمام الزمان نفسه، يبدأ الكلام بما بدأت به كل حكاية بقيت بعد موت أصحابها: كان يا ما كان.
كان يا ما كان، كنت أنا وحبيبي عاشقين اثنين.
كنا نرعى الغنم، عايشين هانيين فوق المرج الأخضر. وكان المرج واسعا كصدر أم، رطبا بندى الصباح، ساكنا كأنه يعرف سرنا ولا يبوح به. تمضي الغنم أمامنا بطيئة، ويمضي النهار مثل خيط من نور، ونحن نمشي متعانقين أحيانا، صامتين أحيانا، لكن القلبين كانا يتكلمان بغير كلام.
بالليل نبات ساهرين؛ نغني ونحلم.
لم يكن ليلنا وحشة، بل كان غطاء من نجوم. نرفع أصواتنا بالغناء، فيرد الوادي صداه، ونحلم حتى تضيق الأرض بما نحمله في صدورنا. كنا نقول: حين يأتي موسم الحصاد، ندير عرسا، ونرزق أولادا. وكان الحلم يكبر بيننا كما تكبر النار إذا وجدت حطبا، وكما تكبر الشجرة إذا وجدت ماء.
هكذا كان حلمنا يكبر.
وكان يا ما كان.
وفي يوم من الأيام، جاء ولد شيخ البلاد على جواده، وكان هوادا لا يرده طريق ولا يوقفه نداء. رأى غزالي في الوادي، فخطفها وزاد. لم يلتفت إلى بكائي، ولم يسمع قلبي وهو ينكسر. ترك دمعي عليها هادرا، وما قدرت عليها نصبر.
وفي ليلة الفرح، تألم قلبي، وسال الجرح، وكان ما كان.
تغير الليل في عيني. لم يعد سترا للحلم، بل صار شاهدا على الفقد. لم تعد النجوم قريبة، ولا الغناء قادرا على حمل الوجع. وكل ما كان في القلب من رجاء صار مثل ماء انسكب على الرمل.
وقبل أن يطلع الصبح ويبان ضوء الفجر، تسللت إلى القصر.
مشيت كما يمشي الخائف الذي لا يخاف إلا أن يتأخر. كانت الحيطان صامتة، والأبواب ثقيلة، والريح وحدها تعرف ما في صدري. دخلت وخطفت البدر. كان وجهها هو البدر، وكان خلاصها هو الفجر الذي جئت أفتحه بيدي. كنت ناويا بغزالي نهرب؛ نهرب من القصر، ومن الناس، ومن الحكم، ومن كل عين ترى الحب ذنبا.
لكن السور كان عاليا.
ولما قفز جوادي عثر. عثر الجواد، وعثرت معه الحيلة، وانكشف الليل عما أخفاه. رآنا الأهالي، وافتضح السر.
في تلك الليلة، تجمعت القبيلة.
لم يجتمعوا للفرح، ولا للسمر، ولا لسماع أغنية. اجتمعوا كالحجارة إذا تكدست فوق صدر إنسان. في تلك الليلة حكمت القبيلة. قالوا كلمتهم، وكانت الكلمة أقسى من السيف: أنا والخليلة نرجم بالحجر.
بين يوم وليلة، نفذ الأمر.
ومات العاشقان متعانقين.
لم يستطع الناس أن يفرقوا بين جسدينا في آخر لحظة، كما لم يستطيعوا أن يفرقوا بين قلبينا في الحياة. من أجل الحب ضحيا بالعمر. وبكت عين كل العاشقين، لأن كل عاشق رأى في موتنا شيئا من خوفه، وكل قلب عرف الحب سمع في الحجارة صوته.
دفنونا نحن الاثنين في قبر واحد بجنب النهر.
وكان النهر يمر قريبا منا، لا يرفع صوته ولا يبطئ جريانه، لكنه كان يعرف. كان الماء يعرف أن تحت التراب حكاية لم تنته، وأن في القبر عناقا أقوى من الموت.
وبعد يومين، على جنبنا نبتت شجرة.
خرجت من التراب هادئة، كأنها لم تنبت من الأرض، بل من الحكاية. أغصانها متشابكة، كما كانت أيدينا متشابكة. أرخت ظلها وظللت القبر، فصار القبر أقل وحشة، وصار الموت تحتها كأنه نوم طويل في حضن أخضر.
ونبتت وردتان اثنتان، متعانقتين.
كان لونهما أحمر، كأنهما خرجتا من دم القلب لا من طين الأرض. وكانتا باكيتين بالعين، لا تذبلان إلا لتعودا، ولا تفترقان إلا في نظر من لا يعرف سرهما.
ثم جاء عصفور أخضر.
كان يجيء في كل فجر ليزورنا. يقف على الغصن، يغني حكايتنا، ويدعو الله أن يغفر لنا. ولم يكن غناؤه كغناء الطير؛ كان كصوت راو صغير، يحفظ ما نسيه الناس، ويرده إلى الصباح كل يوم.
ومع الأيام، صار العشاق يزورون الشجرة كل جمعة.
كانوا يأتون فرادى وجماعات. يرشون المكان ماء وحناء وزهرا. يشعلون شمعة، ويذرفون دمعة. ومنهم من يضع يده على الجذع ويسكت، كأنه يسمع نبضين من تحت التراب. ثم يغطوننا بثوب حرير لونه أخضر؛ لون الرجاء، ولون العشب، ولون الحياة التي خرجت من قلب الفناء.
ومع الأيام، صارت حكايتنا ترويها العجائز للصبيان.
قبل أن يناموا، يغنيها راو أمام الزمان. يقولها بصوت خافت أولا، ثم يعلو صوته قليلا حين يصل إلى العناق، وينكسر حين يذكر الحجر، ثم يهدأ حين تظهر الشجرة.
وبادئ الكلام، كما كان دائما، وكما سيظل ما دام في الدنيا عاشقون وحكايات:
كان يا ما كان.