المغرب على صفيح حراك اجتماعي ساخن.
إنه العنوان أو "مانشيت" الذي يتصدر المشهد السياسي ببلادنا اليوم، بعد إعلان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تنظيم مسيرات جهوية احتجاجية يوم الأحد 17 ماي 2026 ودعت الشغيلة المغربية وعموم المواطنين إلى التعبئة الشاملة والانخراط الجماعي في تظاهراتها احتجاجا على تردي الأوضاع الاجتماعية المتفاقمة التي تعيش على وقع تداعياتها الطبقة العاملة وعموم الأجراء وفئات عريضة من الشعب المغربي.
القرار، أعلن عنه الكاتب العام للمنظمة خليد هوير العلمي في الندوة الصحفية التي نظمتها الكونفدرالية يوم الأربعاء 29 أبريل 2026 لتقديم "البارومتر الاجتماعي 2025" كجواب من المركزية على فشل الحوار في عز التحضير لتخليد الطبقة العاملة المغربية لتظاهرات فاتح ماي لهذه السنة التي دعت المنظمة إلى جعلها ــ وكان الأمر كذلك ــ محطة غضب عمالي وجماهيري جسدت بامتياز، التذمر والاستياء العام من السياسية الاجتماعية للحكومة بما انتجته من تدمير للقدرة الشرائية جراء الارتفاع المهول والمستمر في سلة الأسعار، وتوطين الفساد، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية وتفشي مظاهرها بشكل بات يهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي، قد يزج بالبلاد بفعل إصرار الحكومة على اتباع ذات السياسة المنتجة للأزمات، نحو منحدرٍ غير محسوب العواقب والنتائج السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
سياق الاعلان عن المسيرات الاحتجاجية الجهوية
يمكن قراءة السياق انطلاقا من ثلاثة مداخل استراتيجية نحدد اطاراتها في:
أولا، فشل جولة أبريل 2026 للحوار الاجتماعي المنعقدة يوم الجمعة 17 أبريل بمقر رئاسة الحكومة، حيث لم تقدم الحكومة خلالها، كما جاء في تصريحات الكاتب العام للكونفدرالية وبلاغات المنظمة وكلمة المكتب التنفيذي في فاتح ماي 2026، وتقاطعت في جزء منها كـ"خطاب"ـ بعض المنظمات النقابية، (لم تقدم) أجوبة ملموسة وعاجلة على الأوضاع الاجتماعية المأزومة للطبقة العاملة المغربية وعموم المواطنين، والتي حددت المركزية العمالية عناوينها الرئيسة في الزيادة العامة في الأجور والتعويضات في القطاعين العام والخاص، والزيادة في المعاشات، والمراجعة المنصفة للضريبة على الدخل، والتنفيذ الكامل لجميع الالتزامات الحكومية سواء ذات الطابع المركزي أو القطاعي المضمنة في الاتفاق الاجتماعي لـ 30 أبريل 2022 والمذكرة التنفيذية/ اتفاق 30 أبريل 2024.
ثانياً، غياب الإرادة السياسية للحكومة في مأسسة حوار جدي مسؤول ومنتج، يرقى في نتائجه إلى الحد الأدنى من الانتظارات الاجتماعية، يتصدر مطلبها الرئيس، تحسين الدخل والمعاشات. ولعل ما يعكس هذا التصدع في طبيعة العلاقة بين الفرقاء الاجتماعيين والحكومة وتحديدا مع أحد مكوناتها الكبرى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، يتمثل في إقدام رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال هذا "اللقاء"، على تقديم الكلفة الاجمالية لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي لـ 30 أبريل 2022 (+49 مليار درهم). إنه إجراء تقليدي في سياسة العمومية. إلا أن رئيس الحكومة كانت له تقديرات لا تتقاطع في جوهرها مع انتظارات الحركة النقابية، حيث جعل نصب عينيه ثلاثة أهداف لهذه الجولة من الحوار الاجتماعي المركزي:
أـ تعويم جولة أبريل 2026 للحوار الاجتماعي وتخصيب مطالبها في الكلفة الاجمالية لاتفاق 30 أبريل 2022. والعمل على تحويله كآلية أساسية لتطوير علاقات التعاون بين الحكومة وشركائها الاقتصاديين والاجتماعيين على قاعدة تفاوض جدي مسؤول ومنتج، إلى مجرد "محطة شكلية" أو "واجهة للتواصل السياسي"، أو محطة لـ"الاستهلاك الاعلامي".
ب ـ إغلاق قوس (مطلب) الزيادة العامة في الأجور والمعاشات وتنفيذ ما تبقى من الالتزامات وتعزيز مطلب الحقوق والحريات. ومنح مساحة واسعة بتوظيف الأذرع الاعلامية للسردية الحكومية في الوقوف على أبرز منجزات الحوار الاجتماعي، والالتزامات المتبادلة بين كافة الشركاء، التي تدعي أنها مكنت من وجهة نظرها، من الرفع من دخل الشغيلة وتحسين قدرتها الشرائية وتعزيز حمايتهم الاجتماعية،
ج ـ تنفيذ مخطط اضعاف الحركة النقابية، ومحاولة تبييض وتبخيس دورها لدى المجتمع في الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية للشغيلة المغربية، إرضاء لجماعات المضاربين ولوبيات الاحتكار المتغولين في المشهد السياسي والاقتصادي.
ثالثا، استحضار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في قرار تنظيم المسيرات الاحتجاجية الجهوية ليوم 17 ماي تحديات المرحلة بحزمة تقاطعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسياقاتها الجيو سياسية وربطها جدليا بمبادئ التأسيس ومسؤوليتها التاريخية كبديل تاريخي في الدفاع عن حق العمال والكادحين، واستدماج مظاهرها في الدعوة إلى تعاقد اجتماعي جديد كحاجة وطنية لمواجهة تحديات المستقبل، الوحدة والديمقراطية، الحقوق والحريات والمكتسبات، العدالة الاجتماعية والمجالية، ومأسسة الحوار الاجتماعي.
البارومتر الاجتماعي 2025
يتبين من متابعة حثيثة في تطور المواقف المصاحبة لقرار الإعلان عن تنظيم مسيرات احتجاجية جهوية، أن الدينامية التنظيمية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل أرست قواعد وآليات جد متقدمة خلخلت في إجراءاتها العمليانية، البنية التنظيمية للعمل النقابي بالمغرب والكونفدرالي على وجه الخصوص، أسس لأطروحته المؤتمر الوطني السابع للمنظمة المنعقد نهاية شهر نونبر 2025، والقائمة في فلسفتها على تجديد التعاقد والالتزام بمبادئ التأسيس ومواصلة النضال الاجتماعي والديمقراطي.
في هذا السياق، "ركبت" المنظمة تحديا غير مسبوق في المشهد الاجتماعي كلاعب أساس في معادلة إعداد وصياغة الموقف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقرار النضالي دفاعا عن الحقوق والمطالب العادلة والمشروعة لعموم الشغيلة المغربية وانتظارات الفئات الواسعة من الشعب المغربي، وذلك بإقدامها في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الحركة النقابية المغربية، على انجاز "البارومتر الاجتماعي 2025" أرادت لها أن تكون كما جاء في كلمة تقديم الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل لهذا المنجز، أن تكون "تقليدا سنويا يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية ببلادنا" ويمنح بحسبه، النقاش العمومي، أداة منظمة للقراءة والتقييم والمساءلة.
يتبين مما سبق، أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل باتباعها أسلوبا آخر أكثر دقة وشفافية وتمحيصا وافتحاصا يقوم في متنه على قراءة تحليلية نقدية في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وأوضاع الطبقة العاملة بالمغرب، تروم إلى تفكيك بنية الخطاب السياسي والاجتماعي للحكومة والدولة في تعاطيه مع الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، والوقوف استنادا إلى نتائج خلاصاتها، عند مظاهر الأعطاب المستدامة المؤسسة لـ"مغرب السرعتين" الذي ترجع المنظمة أسبابه الموضوعية إلى الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة المغربية وحكوماتها المتداولة على تدبير الشأن العام والشأن العام المحلي.
كما أن المنظمة تسعى من وراء "البارومتر الاجتماعي 2025"، العمل موازاة بذلك، إلى إعطاء الكثير من المصداقية والوضوح على الدينامية النضالية المتواصلة منذ التأسيس (26 نونبر 1978) ويتصدر مشهدها السياسي والاجتماعي اليوم، تنظيم مسيرات جهوية احتجاجية يوم 17 ماي 2026 احتجاجا من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على "تحقير" الحكومة للطبقة العاملة المغربية، و"استخفافا" بكرامة المواطنين، واحتجاجا على كل مظاهر الغلاء وتآكل القدرة الشرائية والهشاشة والبطالة وغياب الإرادة السياسية للحكومة في تنزيل الالتزامات والاستجابة للمطالب العادلة والمشروعة للطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية الكادحة.
يتبع