قوة الفنان حسن الفد لا تكمن فقط في الأداء، بل في قدرته النادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة للحياة المغربية وتحويلها إلى كوميديا قريبة من الناس
يكفي أن تُذكر “الشعيبية” أو “كبور” حتى تستحضر أجيال كاملة طريقته في الكلام، ونظرته الساخرة للأشياء، وقدرته على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة للضحك الجماعي.
لكن النقاش الذي أثاره أخيرا باستعماله كلمة “هركاوة” فتح بابا آخر للتفكير، ليس فقط حول الكلمة نفسها، بل حول العلاقة المعقدة بين الفنان وقناعاته، بين ما يقوله في الندوات وما يقدمه فوق الخشبة وأمام الكاميرا.
شخصيا، لا ريد ان أتوقف كثيرا عند المصطلحات. واضح أن المقصود لم يكن تقديم تعريف سوسيولوجي أو لغوي دقيق، بل الإشارة إلى سلوكات أصبحت تتسرب إلى الحياة اليومية: توتر، عنف لفظي، ضعف الذوق المدني، صعوبة العيش المشترك، وتحول الفضاء العام إلى مساحة للاحتكاك الدائم. وهي مواضيع سبق أن كتبت عنها شخصيا في ما يقارب عشرين مقالا خلال السنتين الأخيرتين، سواء تعلق الأمر بما يقع داخل العمارات، أو في المقاهي، أو في الإدارة، أو حتى في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي. لأن المجتمع لا يُقاس فقط بما يبنيه من طرق ومشاريع، بل أيضا بطريقة عيش الناس معا.
لكن السؤال الحقيقي ليس هنا.
السؤال هو: ماذا ننتظر من الفنان؟
هل ننتظر منه أن يتحول إلى جامعي يشرح لنا السلوك المدني؟ بالتأكيد لا.
الفنان ليس محاضرا أكاديميا، والجمهور لا يشتري تذكرة ليتابع درسا في علم الاجتماع. ما ننتظره من الفنان هو شيء آخر: أن يحول هذا القلق الاجتماعي إلى فن، إلى شخصيات، إلى سخرية ذكية، إلى كوميديا تجعل الناس يضحكون ثم يكتشفون، بعد قليل، أنهم كانوا يضحكون على أنفسهم.
وهنا تبدأ المفارقة الجميلة والمؤلمة في الآن نفسه عند حسن الفد.
فالرجل، عندما نستمع إليه في الحوارات واللقاءات، يبدو واعيا بتحولات المجتمع، مدركا لتراجع السلوك المدني، ومنتبها إلى أعطاب العيش المشترك. لكن عندما نعود إلى جزء مهم من أعماله، نجد أن “الشعيبية” تنتصر في كثير من الأحيان على الفد .
"الشعيبية "هنا ليست مجرد شخصية كوميدية ناجحة، بل رمز للكوميديا الشعبية التي تظل حبيسة الضحك السهل أحيانا، أو الشخصيات المبالغ فيها، أو التفاصيل اليومية التي تُستهلك للترفيه أكثر مما تُستثمر لطرح الأسئلة العميقة. وكأن الفنان المفكر الذي يظهر في الندوات يتراجع قليلا داخل العمل الفني لصالح الفنان الذي يعرف جيدا ما الذي يضحك الجمهور.
طبعا، لا أحد يطلب من الكوميديا أن تتحول إلى خطب سياسية أو شعارات أيديولوجية ثقيلة. والتجربة المصرية تقدم هنا مثالا مهما. فالتحول الذي عرفته الكوميديا في مصر بعد 2011 لم يكن انتقالا من الضحك إلى السياسة المباشرة، بل انتقالا في مضمون السخرية نفسها، مع الحفاظ على الشكل الفني والإبداعي الراقي.
لعقود طويلة، كانت النكتة المصرية تدور حول “الصعيدي”. كان الصعيد مادة جاهزة للضحك، من خلال صور نمطية تكررت في السينما والمسرح والتلفزيون. لكن مع التحولات السياسية والاجتماعية، اختفى الصعيدي تدريجيا من مركز النكتة، ليس لأن الصعيد اختفى، بل لأن المجتمع نفسه أصبح منشغلا بأسئلة أخرى أكثر عمقا. وهكذا انتقلت الكوميديا إلى مساءلة الإدارة والسياسة والبيروقراطية والحياة اليومية للمواطن.
ولعل ما أُنتج خلال فترة حكم الإخوان المسلمين كان دليلا على ذلك. فقد ظهرت أعمال ساخرة ذات مستوى فني عال، حافظت على روح الكوميديا وعلى ذكاء الكتابة، لكنها نقلت السخرية من الأشخاص والهويات إلى الظواهر والبنيات الاجتماعية والسياسية.
ذلك هو التطور الطبيعي للكوميديا عندما ينضج المجتمع.
فالضحك الحقيقي ليس فقط أن نسخر من شخص مختلف عنا، بل أن نمتلك القدرة على الضحك من أعطابنا الجماعية، من توترنا، من علاقتنا بالسلطة، بالشارع، بالإدارة، وبأنفسنا أيضا.
ولهذا، ربما لا نحتاج من حسن الفد أن يشرح لنا “الهركاوة” في ندوة أو حوار، بل نحتاج أن تتحول هذه الفكرة نفسها إلى مادة فنية أكثر عمقا داخل أعماله. لأن الفنان، في النهاية، لا يُطلب منه أن يكتب مقالا في السلوك المدني، بل أن يجعل المجتمع يرى نفسه فوق الخشبة… ثم يضحك قليلا قبل أن ينتبه إلى حجم الأعطاب التي يعيشها.
وبين ما يقال وما لا يقال… يبدو ان "الشعيبية "انتصرت على كبور وهزمت الفد.