لم تعد خرجات بعض المسؤولين السياسيين مجرد زلات لسان عابرة يمكن تجاوزها في زحمة النقاش العمومي، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تمس في العمق صورة الدولة وهيبة مؤسساتها. ذلك أن المسؤول العمومي، بحكم موقعه، لا يتكلم بصفته الفردية، بل بصفته ممثلًا لسلطة يفترض فيها الرصانة والانضباط. ومن ثمّ، فإن الكلمة الصادرة عنه ينبغي أن تُوزن بميزان من ذهب، لا أن تُلقى في الفضاء العام بخفة تثير الاستغراب أكثر مما تثير النقاش.
في هذا السياق، أثارت تصريحات السيد عبد اللطيف وهبي حول الاستعدادات القانونية لتنظيم كأس العالم 2030 موجة من الجدل، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب الطريقة التي صيغت بها. فبدل تقديم قراءة قانونية دقيقة ومؤطرة، انزلق الخطاب نحو أسئلة استعراضية تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من التبسيط المخل والتسطيح المثير للقلق.
فأثناء تدخله في كلية القانون بسويسي بالرباط، طرح الوزير أسئلة مباشرة ومثيرة للاستفزاز: هل سنطلب عقد زواج من الذين يدخلون الفنادق؟ · وتساءل متحدثا عن اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي ينجب أطفالا دون عقد زواج: هل سنطلب منه عقد زواج إذا أقام في أحد فنادق الرباط؟" هل ستقول لألماني سيلعب كرة القدم ضد بريطاني: لا يجب أن تشرب الخمر في الشارع؟ إنهم دائما تحت تأثير الكحول، فهل ستطبق عليهم النص الجنائي وأنت تريد تنظيم كأس العالم؟ عليك أن تقرر.
حين تُطرح على الرأي العام أسئلة معقدة بهذه الخفة، فإننا لا نكون أمام تحليل قانوني، بل أمام خطاب يختزل تعقيد الدولة في صور كاريكاتورية، ويحول نقاشًا سياديًا إلى مادة للسخرية .والأخطر من ذلك أن مثل هذه التصريحات تكشف، بشكل غير مباشر، عن هشاشة فكرية وتكوينية لا تليق بموقع مسؤولية بهذا الحجم. فحين يرتكب مسؤول حكومي أخطاء فادحة في مجال يُفترض أنه من صميم اختصاصه، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي الشخصي ليصبح مؤشرًا مقلقًا على خلل أعمق في الفهم والتقدير. وفي هذه الحالة، لا يعود الرأي العام أمام اختلاف في وجهات النظر، بل أمام خطاب يضع صاحبه في موقع محرج، ويحوّله—من حيث لا يدري—إلى مادة للتندر بدل أن يكون مرجعًا للثقة.
لكن يبدو أن السيد وزير العدل يجهل تماما ما تطلبه الفيفا من البلدان المنظمة. فهي لا تطلب مطلقا من البلدان المستضيفة تغيير قوانينها لملائمة الحدث. المنظمة الدولية تطلب ملاعب آمنة وبنية تحتية جاهزة وضمانات أمنية وحقوق رعاية تجارية. هذه هي بنود العقد، وليس تغيير المادة 490 أو 491 أو السماح بالخمر في الشوارع. فالبرازيل 2014 غيرت قانون بيع الكحول طواعية، وليس لأن الفيفا تملك حق إجبارها، لكنها في ذات الوقت لم تأخذ بعين الاعتبار أن البطولة تقام في شهر رمضان وأن لاعبي البلدان المسلمة صائمون. روسيا 2018 أبقت قانون تجريم "المثلية الدعائي" كما هو، واكتفت بتقديم ضمانات بعدم ملاحقة حاملي الأعلام الملونة في الملاعب. قطر 2022 لم تغير قانون الكحول، وخالفت تعاقدها مع الفيفا نفسها، ولم يمنع هذا النسخة أن تكون من بين الأفضل في التاريخ. كندا 2026 اختارت حلا أكثر ذكاء: سياستها العامة المؤقتة تعفي موظفي ومقاولي فيفا من تأشيرات العمل المعتادة، لكنها لم تلمس قانون الهجرة الأساسي. إذن الفيفا تفاوض، لكنها لا تجبر ولا تطلب تغيير القوانين السيادية. وهنا يأتي الجانب الذي يجهله السيد وزير العدل أيضا: السيادة تعني أن الدولة تطبق قانونها على الجميع أو تختار عدم تطبيقه. هناك أداة قانونية اسمها سلطة النيابة العامة في عدم الملاحقة دون أن يمس ذلك النص القانوني بنقطة واحدة.
من الناحية الموضوعية، فإن ما طُرح يعكس سوء فهم لطبيعة العلاقة بين الدول المنظمة للتظاهرات الكبرى والهيئات الدولية. فتنظيم كأس العالم لا يقتضي، كما تم الترويج له، تعديل المنظومة القانونية السيادية للدولة، بل يتطلب بالأساس توفير شروط لوجستية وأمنية وتنظيمية محددة. التجارب الدولية واضحة في هذا الصدد: الدول تتفاوض وتتكيف في إطار سيادتها، دون أن تُجبر على إعادة صياغة قوانينها الجوهرية. بل إن الأدوات القانونية المتاحة—مثل السلطة التقديرية في المتابعة—تسمح بإدارة مثل هذه الحالات بمرونة دون المساس بالنصوص.
ثم إن الرهان على “الخطاب الصادم” أو “الاستفزازي” باعتباره وسيلة للتقرب من المواطن هو رهان خاسر في جوهره. فالقرب من الناس لا يُبنى على إثارة الجدل، بل على بناء الثقة. والسياسة في معناها النبيل ليست استعراضًا لغويًا، بل مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية. وعندما يتحول الخطاب السياسي إلى سلسلة من الاستفزازات، فإن النتيجة ليست جذب المواطن إلى الشأن العام، بل دفعه إلى مزيد من النفور من السياسة برمتها.
وهنا يبرز جوهر الإشكال: لا أحد يطالب المسؤول الحكومي بأن يمتلك حلولًا سحرية لكل تعقيدات قطاعه، فهذا أمر غير واقعي. لكن ما يُطلب، وهو الحد الأدنى، هو الجدية في التعاطي مع الملفات، والإحاطة بها من خلال الاستعانة بأهل الاختصاص والكفاءة. فالمسؤولية السياسية لا تُقاس بكمية الكلام، بل بنوعية الفهم، ولا بعدد التصريحات، بل بمدى دقتها وانسجامها مع منطق الدولة.
المثير للشفقة في هذه الخرجات ليس مضمونها فحسب، بل الدلالة العميقة التي تُشي بها عن تصور مُلتبس للدولة وسيادتها؛ إذ تُقدَّم المملكة—ظلماً—كما لو كانت جمهورية موز تبدّل قواعدها كلما لاح في الأفق حدث عابر، وكأن التشريع عندها ورقة تفاوض لا أصلًا مؤسِّسًا. وهذا انزلاق جسيم؛ لأن المغرب، بما راكمه من رسوخ تاريخي ومؤسساتي يفوق 12 قرنا، لا يليق به أن يظهر بمظهر من يكيّف قوانينه على مقاس المناسبة، بل بمظهر الدولة التي تُحسن تنظيم التظاهرات الكبرى دون أن تُفرّط في مقتضيات سيادتها.
فالدول الراسخة لا تُقايض هيبتها بلحظة احتفالية، ولا تساوم على مبادئها إرضاءً لزخم إعلامي أو استحقاق رياضي، بل تفرض احترام قواعدها ضمن هامش عقلاني من المرونة. وحين يُوحي الخطاب الرسمي بعكس ذلك، فإنه لا يُضعف حُجّة قائله فحسب، بل يُسيء إلى صورة الدولة برمّتها، ويجعلها عرضة للتهوين والسخرية. إن قوة الدولة ليست في قدرتها على الاستضافة، بل في قدرتها على الاستضافة وهي ثابتة على أصولها، واثقة من قانونها، غير قابلة للمساومة على ما يُعرّفها.
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب لا يكمن في تفاصيله الظاهرة، بل في بنيته العميقة التي تُعيد ترتيب العلاقة بين السياسة والقانون خارج مسارها الطبيعي. فحين يُستدعى حدث دولي كبير كمدخل لإثارة أسئلة “صفرية” من قبيل: إما تغيير المنظومة القانونية أو استحالة التنظيم، فإننا لا نكون أمام نقاش تقني، بل أمام إعادة تموضع مقصودة للنقاش العمومي داخل إطار ضيق يُقصي التعقيد ويختزل البدائل.
بهذه الصياغة، يتحول الحدث الرياضي الدولي من مناسبة تنظيمية إلى ذريعة خطابية، تُستعمل لإعادة طرح إشكالات تشريعية حساسة خارج قنواتها المؤسساتية الأصلية. وكأن السياسات العمومية تُستمد من متطلبات ظرفية، لا من اختيارات سيادية تُبنى داخل المؤسسات الدستورية وبإيقاعها الطبيعي.
والأدهى أن هذا التوجيه القسري للنقاش يُخفي عجزًا عن إقناع الرأي العام داخل المسار التشريعي ذاته، فيُستعاض عنه بإحالة القضايا الخلافية إلى “ضغط الحدث”، بما يوحي أن الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما، بينما الواقع القانوني يمنحها أدوات متعددة ومرنة لتدبير الاستثناء دون المساس بالقاعدة.
إن جوهر الإشكال هنا ليس في التنظيم الدولي ولا في متطلباته، بل في طريقة توظيفه لإعادة تشكيل حدود النقاش العمومي. فحين تُقدَّم الاستثناءات كبديل عن التشريع، والتقدير الإداري كبديل عن النقاش المؤسسي، يصبح الخلل ليس في القانون، بل في المنهج الذي يُراد به الالتفاف عليه بدل تطويره من داخله.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من التصريحات المثيرة، بل قدرًا أعلى من النضج المؤسسي، حيث يدرك المسؤول أن كل كلمة يقولها تُسجَّل، لا فقط في وسائل الإعلام، بل في ذاكرة الثقة بين الدولة والمجتمع. وحين تغيب هذه القناعة، يتحول الخطاب من أداة بناء إلى عامل تقويض، ومن وسيلة تواصل إلى مصدر إرباك. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون الخطر في الخطأ ذاته، بل في تكراره بوصفه أسلوبًا في إدارة الشأن العام.
نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية