باتت وضعية قاعة اجتماعات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في ظل التوترات الدولية المتصاعدة، تعكس صورة باهتة لمؤسسة يُفترض أن تجسد الهيبة والانضباط والجاهزية. فالمشاهد التي ظهرت خلال النقل التلفزي المباشر لاجتماع مجلس الأمن، يوم الجمعة 8 ماي 2026، المخصص لمناقشة الأوضاع الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، كشفت عن واقع أثار الكثير من علامات الاستفهام؛ كراسٍ مهترئة فقدت رونقها، زرابي ممزقة باهتة الألوان، وتجهيزات توحي بالإهمال أكثر مما تعكس رمزية مؤسسة أممية يفترض أنها تدير أخطر ملفات العالم.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الشكلي فقط، بل امتد إلى مستوى الإخراج البصري وطريقة التصوير والزوايا المعتمدة أثناء نقل مداخلات ممثلي الدول الأعضاء، في مشهد تابع تفاصيله ملايين المشاهدين عبر العالم. صورة عامة بدت بعيدة عن معايير مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للهيبة والدقة والتنظيم.
هذا التراجع في البنية والتجهيزات، تزامن مع حالة من الإحباط تجاه مخرجات الاجتماع ذاته، حيث اعتبر كثير من المتابعين أن القرارات الصادرة لم ترتقِ إلى حجم التحديات المطروحة، شأنها شأن قرارات سابقة اتسمت بالحذر والتأجيل وغياب المبادرات الجريئة والحلول العملية.
المفارقة أن قاعة يُفترض أن تعكس صورة الجاهزية والصرامة، بدت وكأنها تختزل حالة من الجمود والتقشف التي بدأت الأمم المتحدة تنهجها منذ سنوات.
فحين تصبح الكراسي الممزقة والتجهيزات المتآكلة جزءًا من المشهد الرسمي، يبرز سؤال التدبير والأولويات داخل هذه المؤسسة الدولية.
صحيح أن قوة القرارات لا تُصنع بفخامة القاعات، فقرار حاسم يمكن أن يصدر من غرفة بسيطة، كما يمكن لقرار ضعيف أن يخرج من قاعة فاخرة. غير أن الفضاء المؤسساتي يظل حاملًا لرمزية مهمة، لأن صورة المؤسسة جزء من مصداقيتها وهيبتها أمام الرأي العام الدولي.

ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن تدهور تجهيزات قاعة مجلس الأمن لا يتعلق فقط بجانب جمالي، بل يعكس أيضًا أزمة تدبير ورؤية داخل منظومة الأمم المتحدة. فالمكان الذي يُفترض أن يحتضن قرارات مصيرية بشأن الأمن والسلم الدوليين، بات بدوره يبعث برسائل سلبية عن مستوى العناية بالمؤسسة وصورتها.
وتبقى المفارقة الأبرز أن ميزانية الأمم المتحدة لا تبدو عاجزة عن توفير الحد الأدنى من شروط الجاهزية والرمزية داخل أهم قاعاتها. إذ قُدرت الميزانية العادية للمنظمة لسنة 2025 بحوالي 3.7 مليارات دولار، فيما يُنتظر أن تبلغ نحو 3.45 مليارات دولار خلال سنة 2026، إضافة إلى ميزانيات عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تتراوح بين 5.4 و5.6 مليارات دولار سنويًا.
وفي النهاية، قد لا تصنع الكراسي القرارات، لكن صورة المؤسسة تظل جزءً من قوتها المعنوية. وحين تتآكل رمزية المكان، يصبح من المشروع التساؤل: هل ما يحدث داخل القاعة يعكس بدوره حالة من التآكل في قدرة مجلس الأمن على الحسم وصناعة قرارات تحظى بالثقة والاحترام؟