في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه الأصوات، يظل الأدب، دون ريب، الملاذ الأعمق لاستنطاق ما يعتمل في الذات من قلقٍ وأسئلة… ومن هذا الأفق بالذات، تبرز عواطف الإدريسي بوخريص باعتبارها واحدة من الأصوات النسائية التي استطاعت أن تنسج لنفسها موقعًا متقدمًا داخل المشهد الأدبي المغربي المعاصر، حيث تتجاور الرهافة الشعورية مع الحدة النقدية، وتلتقي التجربة الذاتية بالانشغال الجماعي في لغةٍ تفيض انسيابًا وتكثيفًا.
لا شك أن حضور الكاتبة ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب بالرباط 2026، الممتد من فاتح ماي إلى العاشر منه، يشكل لحظة دالة داخل مسارها الإبداعي، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد عرض للإصدارات، وإنما بانخراط حيّ في دينامية ثقافية تتجاوز العرض إلى الحوار والتفاعل… حيث تتوزع أعمالها داخل رواق دار النشر، الذي يحتضن هذا التنوع النصي، جامعًا بين الشعر والرواية في تناغم يعكس تعدد التجربة وثراءها.
ومن المؤكد أن المتتبع لمسار عواطف الإدريسي بوخريص يدرك منذ الوهلة الأولى أن الكتابة لديها لا تأتي بوصفها ترفًا لغويًا أو تمرينًا أسلوبيًا عابرًا، وإنما باعتبارها فعلًا وجوديًا، وموقفًا فكريًا، وأداة مساءلة مستمرة للواقع… إذ إن نصوصها تنبني على توتر خلاق بين ما هو ذاتي وما هو اجتماعي، بين ما يُقال وما يُضمر، وبين ما يُعاش وما يُحلم به.
وعلاوة على ذلك، فإن تنقل الكاتبة بين اللغات، الفرنسية والإنجليزية، يشي بوعيٍ مبكر بأهمية الانفتاح على الآخر، حيث صدرت لها دواوين شعرية متعددة يمكن ترجمة عناوينها إلى العربية بما يحفظ روحها الدلالية… فديوان Mes Volontés يحيل إلى «إراداتي» أو «تطلعاتي»، وهو عنوان يكشف عن ذاتٍ تسعى إلى التحقق رغم الإكراهات… أما Whispers in a World of Silence فيترجم إلى «همسات في عالم من الصمت»، بما يحمله من إيحاءات بالبوح المكتوم والصوت الخافت الذي يقاوم العزلة… في حين يطرح Et si j’osais? سؤال «ماذا لو تجرأت؟»، وهو سؤال وجودي بامتياز، يلامس لحظة القرار والتحول… ثم يأتي The Cry of Wrath، أي «صرخة الغضب»، ليعكس توترًا داخليًا يفيض احتجاجًا وانفعالًا.
ومن ثم، فإن هذه الأعمال، على اختلاف لغاتها، تتقاطع عند محور مركزي يتمثل في الإنسان الباحث عن ذاته، القلق في انتمائه، المتردد بين الامتثال والتمرد… وهو ما يمنح تجربة الكاتبة طابعًا كونيًا، يجعلها قادرة على ملامسة القارئ، مهما اختلفت خلفياته الثقافية.
غير أن التحول النوعي في مسارها يتجلى في ولوجها عتبة السرد الروائي، حيث أصدرت روايتها الأولى «يوميات بتلات الورد» سنة 2011، قبل أن يعاد نشرها سنة 2017، لتشكل بذلك حجر الأساس لعالم روائي يتشكل تدريجيًا… ثم جاءت روايتها الثانية «يوميات وردة في الخليج»، التي تُعرض ضمن المعرض، لتؤكد هذا المسار وتعمق اشتغاله على ثيمات الاغتراب والهوية والأنثى في فضاءات مغايرة.
لا شك أن هذه الرواية تمثل امتدادًا سرديًا للرواية الأولى، حيث تواصل الكاتبة الاشتغال على شخصية أنثوية تواجه العالم بأسئلتها وهشاشتها وقوتها في آن واحد… إذ تروي حكاية أمينة، أستاذة اللغة الإنجليزية التي تجد نفسها في تجربة اغتراب داخل إحدى دول الخليج، حاملةً معها طموحها المهني وأحلامها البسيطة، غير أن الواقع الذي تصطدم به يضعها أمام تحديات مركبة، تتداخل فيها النظرة النمطية مع القيود الاجتماعية، ويتشابك فيها الخاص والعام.
ومن المؤكد أن الرواية لا تقدم هذه التجربة بوصفها سردًا خطيًا، وإنما باعتبارها فضاءً للتوتر والتحليل، حيث تواجه أمينة أحكامًا مسبقة تجاه المرأة المغربية، تُختزل فيها الهوية في صور نمطية جاهزة، ما يفتح باب التساؤل حول تمثلات الآخر، وحدود الفهم المتبادل داخل الفضاء العربي… وبالتالي، فإن النص يكتسب بعدًا نقديًا، يتجاوز الحكاية ليصل إلى مساءلة البنى الذهنية التي تنتج هذه الصور.
إضافة إلى ذلك، فإن الرواية تنجح في تصوير تفاصيل الحياة اليومية بكل ما تحمله من قيود وإكراهات، بدءًا من القوانين الصارمة في سكن المدرسات، وصولًا إلى الإحساس العميق بالمراقبة، وكأن البطلة قد عادت إلى حالة قُصورٍ رمزية، تُقيد حركتها وتحد من حريتها… وهو ما يعكس، في العمق، صراعًا بين الرغبة في الاستقلال ومتطلبات الامتثال.
وكما أن السياق السياسي لا يغيب عن النص، حيث يخيّم شبح التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب على العراق، بما يضفي على الأحداث خلفية ثقيلة، تعمق الإحساس باللااستقرار… ومن ثم، فإن الرواية لا تكتفي برصد تجربة فردية، وإنما تضعها داخل سياق أوسع، تتداخل فيه العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية.
وفي خضم هذا التعقيد، يقتحم الحب حياة أمينة، لا بوصفه خلاصًا بسيطًا، وإنما باعتباره معضلة إضافية… إذ تجد نفسها أمام خيارين متناقضين: رجل ثري يوفر لها الاستقرار مقابل تنازلات جوهرية، ورجل مغترب يشبهها في هشاشته، يعدها بعاطفة صادقة، لكنها محفوفة بالمخاطر… وبالتالي، يتحول الحب إلى امتحان حقيقي للذات، وإلى مرآة تعكس عمق التمزق الداخلي.
لا شك أن هذا البناء السردي يمنح الرواية بعدًا تحليليًا، يجعلها أقرب إلى نص يشتغل على تفكيك العلاقات الاجتماعية، وإعادة طرح سؤال المرأة داخل مجتمع تحكمه منظومة قيمية مركبة… وهو ما يعزز من قيمة العمل بوصفه إضافة نوعية إلى الأدب المغربي المعاصر.
وعلى مستوى الأسلوب، فإن لغة عواطف الإدريسي بوخريص تحتفظ بخصوصيتها، حيث تمزج بين السلاسة والعمق، وبين الوضوح والإيحاء، في جملٍ تمتد لتحتضن الفكرة دون أن تفقد تماسكها… كما أن النفس الشعري يظل حاضرًا حتى في الكتابة السردية، مما يمنح النصوص إيقاعًا داخليًا يلامس وجدان القارئ ويستثير تأمله.
ومن الثابت أن هذا الحضور الأدبي المتعدد الأجناس يعكس تجربة غنية، لا تكتفي بالانغلاق داخل قالب واحد، وإنما تنفتح على الشعر والرواية والمقالة وأدب الطفل، بما يدل على وعي إبداعي يسعى إلى استكشاف إمكانات اللغة في أكثر من اتجاه… وبالتالي، فإن الكاتبة تقدم نموذجًا للمبدع الذي يتحرك داخل فضاء واسع، دون أن يفقد صوته الخاص.
لذلك، فإن زيارة رواق الكاتبة ضمن المعرض تشكل فرصة للاطلاع على هذا العالم المتنوع، حيث تتجاور الدواوين الشعرية مع الروايات، وتلتقي اللغات المختلفة في فضاء واحد، يعكس ثراء التجربة وتعدد مستوياتها… كما أن لحظة التوقيع، التي شهدها المعرض في فاتح ماي، تؤكد هذا الحضور المتجدد، الذي يربط النص بصاحبه، ويمنح القارئ إمكانية اللقاء المباشر مع التجربة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن تجربة عواطف الإدريسي بوخريص تندرج ضمن مسار أدبي يتأسس على وعي نقدي، وحس إنساني عميق، وقدرة على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال كوني… ومن ثم، فإن حضورها في هذا الحدث الثقافي لا يعكس فقط مسار كاتبة، وإنما يشير إلى حيوية الأدب المغربي، وقدرته على تجديد ذاته باستمرار، وعلى ملامسة قضايا الإنسان في أعمق تجلياتها… حيث تظل الكلمة، في نهاية المطاف، ذلك الأفق المفتوح الذي يعيد للإنسان قدرته على الفهم، وعلى الحلم، وعلى إعادة صياغة العالم من جديد.
