سيظل هذا المبدع الفنان حيًّا بيننا برأسماله الفني الذي لا يُضاهى في تاريخ موسيقانا المغربية. رحل دون استئذان وهو في ريعان الإيمان بجمال الحياة الجميلة. رحل ذلك الذي سكن الثقافة الموسيقية المغربية والعربية، وبنى فيها صرحًا يعترف بغناه كل ذي حس فني. قال فيه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب إنه مثال للمبدع الذي يسيطر على أدوات السهل الممتنع، ونصح كثيرًا من الفنانين أن يتخذوه مثالًا في كتابة الجمل الموسيقية التي تمتلك مفاتيح الدخول إلى قلوب العاشقين.
غنّى عبد الوهاب الدكالي عن بساطة الحياة على الأرض، ورسم بكثير من العبقرية صور العظماء الذين كان لهم أثر على تاريخ البشرية. ذكر العلماء والمبدعين والمفكرين مرددًا، عند كل مقطع موسيقي وشعري: "كل شيء راح مع الزمن، كل شيء صار في خبر كان... ولا يدوم غير وجه الله".
حافظ عبد الوهاب الدكالي على إيقاع عطائه الفني بمهنية والتزام، وكثير من العمل والجهد. لم يؤمن إلا بالعمل كمنهج حياة للفنان. كان يتنقل بين كتابة الموسيقى وتطويع الألوان على لوحاته الجميلة بسهولة جميلة، والتي عرضها بالرباط في شهر أكتوبر 2018 بقاعة باب الرواح. اندهش زوار هذا المعرض بالمستوى العالي للوحات الفنان عبد الوهاب في مجال رسم صور العلماء والفنانين وكل الشخصيات التي بصمت على حضور تاريخي. كان متعلقًا بلوحاته التي عرضها، ولم تكن له رغبة في بيعها رغم سعرها المغري. وتوجد هذه اللوحات في "المتحف الصغير" الذي فتحه الفنان نزولًا عند رغبة ابنه. ويُعتبر هذا المتحف هو الوحيد الذي أنتجه فنان في بلادنا وفتحه للزوار مجانًا. وقد وجب تدخل وزارة الثقافة ومؤسسة المتاحف للاهتمام بالإرث الجميل الذي تركه هذا الفنان المثقف والملتزم بالقضايا الإنسانية.
تغنّى عبد الوهاب الدكالي بالوطن الذي سكنه والذي يسكنه بكافة ألوانه وثقافاته وإيقاعاته. حبّبت أغانيه سفر المغاربة عبر وطنهم ليتعرفوا على كنوزه، وروّج للسياحة الداخلية بشكل كبير وعميق. من منا لا يتذكر "تسارى بلادنا عرض وطول"، ومن منا يمكن أن لا يتذكر ذلك الفن الذي تحول إلى إشهار فني للصناعة التقليدية. تغنّى بالزربية المغربية وبكل مناطقنا السياحية: "اللي زارها لا بد يولي". امتلك عبد الوهاب الدكالي موهبة طوّعت كل أنغام المغرب وإيقاعاته.
تشرفت كثيرًا حين تفضل بقبول دعوة للحضور مرتين في برنامج "ديكريبتاج" الذي كنت أشرف عليه. حاولت أن أستقبله عبر تقديمه من خلال عناوين إبداعاته الموسيقية: "سألته من أنت... فأجابني: ما أنا إلا بشر... وأين تسكن؟ فالدار اللي هناك..."، واستمر سرد كثير من أغانيه. وكان رد فعله جميلًا، وطلب مني أن أسلمه ما كتبت على الورقة.
لم نركز خلال مساهماته في البرنامج الذي يُذاع على إذاعة "مفم" على الجانب الفني فقط. كان له رأي وموقف والتزام بقضايا الوطن، وأتذكر كيف كان يقول بكثير من الوعي: "هل نحتاج فعلًا لكل هذا العدد من الأحزاب...". وقد كانت له آراء في العنصرية ("مونبارناس")، وفي قضية وحدتنا الترابية وربطها بالفعل الاستعماري الإسباني، وفي أهمية السدود بالنسبة للاقتصاد، وكذلك في مجال استغلال الإنسان للإنسان ("أغنية سوق البشرية").
شاء القدر أن يحدثني بعد نهاية برنامج "ديكريبتاج" عن مشروع كبير كان يحضر له في مجال تقديم ألحان أشعار كبار الأقطاب الصوفية، وكان ينوي تقديمها عبر الصوت العميق والمتنوع والغني الذي كان يمتلكه الفنان الراحل عبدو الشريف، لكن القدر شاء ألا يلقى هذا الإبداع طريقه إلى أسماع عشاق الجمال.
غنّى عبد الوهاب الدكالي للشباب والشيب، وللوطن والطبيعة. والآن سنسمع بروح أخرى تلك الأغنية التي نالت إعجاب المغاربة منذ سنة 1985. غنّى عبد الوهاب للتضحية بالروح من أجل الحب، وكانت الكلمات الأخيرة لهذه الأغنية التي نظمها الشاعر الغنائي الباتولي معبرة، ختمها بـ: "وبكات عيون كل العاشقين".
وعشاق الراحل عبد الوهاب الدكالي كثر، رغم الصخب الذي أضفى على كثير من الأغاني في حاضرنا سرعة نسيانها، ودخولها إلى سوق كثر عشاقها الذين يغيرون رأيهم فيها خلال فترة قصيرة، كأي سلعة أو أكلة سريعة.