dimanche 3 mai 2026
سياسة

ردا على المحامي أيت بوجبير.. بيصة: لا لإقصاء في ولوج الأساتذة للمحاماة

ردا على المحامي أيت بوجبير.. بيصة: لا لإقصاء في ولوج الأساتذة للمحاماة محمد بيصة، أستاذ التعليم العالي بكلية عين الشق

يُقدّم محمد بيصة، أستاذ التعليم العالي بكلية عين الشق، هذا الرد على مقال المحامي عبد اللطيف أيت بوجبير، في سياق الجدل الحالي حول إمكانية جمع التدريس الجامعي بمهنة المحاماة في المغرب.
ويسود نقاش حاد بين المحامين والأساتذة الجامعيين، خاصة مع مشروع قانون 66.23 الذي يقترح تعديل شروط الولوج للمحاماة، حيث يعارض بعض المحامين السماح للأساتذة بالجمع خوفا من المنافسة غير المتكافئة، بينما يدعو آخرون إلى الانفتاح لرفع جودة المهنة.


سي أيت بوجبير، الرجوع إلى الله، والرجوع أيضا إلى القانون والإنصاف.
قرأت باهتمام ما تفضلتم به في سياق النقاش الدائر حول إمكانية الجمع بين التعليم العالي ومهنة المحاماة. ولا يسعني في البداية إلا أن أثمن حرصكم على كرامة المحاماة ورسالتها، وأن أؤكد أن الاختلاف في هذا الموضوع لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين الأستاذ الجامعي والمحامي، ولا إلى سجال فئوي بين أهل الجامعة وأهل البذلة، بل إلى نقاش هادئ حول سؤال مؤسساتي عميق: كيف نحمي مهنة المحاماة دون أن نحول حمايتها إلى إغلاق؟ وكيف نضمن استقلال المحامي دون أن نجعل من الانتماء إلى الجامعة سببا للإقصاء؟
إن المحاماة، كما نؤمن بها جميعا، ليست مهنة عادية، هي رسالة عدالة، ومرفق مهني نبيل، وفضاء للدفاع عن الحقوق والحريات. غير أن نبل الرسالة لا يبرر بالضرورة تضييق شروط الولوج إليها خارج منطق الكفاءة والاستقلال والنزاهة. فالسياج الذي يحمي المهنة مطلوب، لكن حين يتحول السياج إلى جدار عازل يمنع تدفق الكفاءات، فإنه لا يحمي البيت بقدر ما يعزله عن محيطه.


أولا: التنافي نظام للحماية وليس أداة للإقصاء
لا خلاف في أن مهنة المحاماة تقتضي الاستقلال، وتمنع كل وضعية من شأنها أن تخلق تضاربا حقيقيا في المصالح أو تبعية تمس بحرية الدفاع. غير أن التنافي، في جوهره، نظام قانوني دقيق يراد به حماية استقلال المهنة ونزاهة الدفاع، ولا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة عامة للإقصاء.
فالأستاذ الجامعي لا ينبغي أن يمنع من المحاماة لمجرد أنه يتقاضى أجرا من الدولة، وإنما يجب أن يكون معيار المنع وجود تضارب مصالح فعلي أو مساس باستقلال الدفاع، لا مجرد وجود راتب أو استقرار وظيفي، وإلا سنكون أمام منطق خطير يجعل من الوضع الاجتماعي للشخص سببا لحرمانه من ممارسة مهنة حرة.
ويؤكد الإطار القانوني الحالي هذا التوجه؛ فمرسوم 2 أغسطس 2023 المتعلق بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي لم يعد يكرر الصيغة التي كانت واردة في مرسوم 19 فبراير 1997، والتي كانت تحيل صراحة على منع ممارسة أي نشاط خاص ذي غرض ربحي إلا وفق الفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. بل أدرجت المادة 4 من مرسوم 2023 ضمن مهام الأستاذ الباحث القيام بـ “أعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل”. وهذا التحول يدل على انتقال واضح من تصور مغلق لوظيفة الأستاذ الجامعي إلى تصور أكثر انفتاحا على الخبرة والاستشارة المؤطرة قانونا.
كما أن الفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، في صيغته الحالية، لا يقرر منعا مطلقا غير قابل للاستثناء، بل يستهل حكمه بعبارة حاسمة: “مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات”. ومعنى ذلك أن قانونا خاصا، كقانون المحاماة، يمكنه أن ينص على نظام خاص يسمح بالجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة، وفق شروط وضوابط دقيقة، دون أن يشكل ذلك تعارضا مع قانون الوظيفة العمومية، بل تفعيلا للاستثناء التشريعي الذي يتيحه هذا القانون نفسه.
المحاماة ليست مهنة لمن لا دخل له، وليست تعويضا اجتماعيا لمن لا مورد له، وليست ملجأ اضطراريا لمن ضاقت به السبل، المحاماة مهنة لمن تتوفر فيه الكفاءة القانونية، والاستقلال المهني، والاستقامة الأخلاقية، والقدرة على خدمة المتقاضي، أما القول إن الأستاذ لا يجوز له أن يمارس هذه المهنة لأنه يتمتع بأمان وظيفي، فمعناه تحويل الهشاشة إلى شرط ضمني للولوج إلى المهنة، وهذا لا يستقيم لا قانونا ولا عدلا.


ثانيا: المساواة أمام القانون لا تعني منع الكفاءة
قلتم إن السماح للأستاذ الجامعي بولوج المحاماة يمس بالمساواة أمام القانون، لأنه يضعه في منافسة مع المحامي الشاب الذي لا يملك راتبا قارا، غير أن المساواة أمام القانون لا تعني أن نمنع من يملك موردا آخر من ممارسة مهنة حرة، فالقوانين لا تمنع الشخص من الولوج إلى المحاماة لأنه ميسور، أو لأنه يملك عقارا، أو لأن له دخلا عائليا، أو لأن له رصيدا علميا ومهنيا سابقا.
فالمساواة الحقيقية لا تقوم على إقصاء فئة لصالح فئة أخرى، بل على إخضاع الجميع لنفس شروط الكفاءة، ونفس قواعد الأخلاقيات، ونفس واجبات المهنة، ونفس رقابة الهيئة، فإذا كان الأستاذ الجامعي محاميا، فلا ينبغي أن يكون فوق قواعد المهنة، ولا خارج تأديبها، ولا في وضع امتيازي داخلها، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يقصى منها لمجرد صفته العلمية أو الجامعية.
إن حماية المحامي الشاب لا تكون بإغلاق الباب أمام الأستاذ، بل بمحاربة السمسرة، وضمان الولوج العادل إلى الملفات، وتقوية التكوين المهني، وتخليق السوق القانونية، وإصلاح نظام المساعدة القضائية، وتحسين شروط بداية الممارسة. أما منع الأستاذ الجامعي فلن يحل مشكلة الهشاشة داخل المهنة، لأن الهشاشة سببها اختلالات أعمق من وجود عدد محدود من الأساتذة الراغبين في الجمع بين التدريس والمحاماة.


ثالثا: الجامعة والمحكمة ليستا عالمين متناقضين
قلتم إن مكان الأستاذ الطبيعي هو الجامعة ومختبرات البحث، وأن المحكمة تقتضي التفرغ الكامل، وهذا قول يحترم من حيث المبدأ، لكنه لا يصح أن يتحول إلى قاعدة مطلقة.
فالجامعة لا تعيش في برج عاجي، والتكوين القانوني لا يكتمل بالاعتماد على الكتب وحدها. لذلك فأستاذ القانون الذي يلامس القضاء، ويتابع النزاعات، ويفهم حاجيات المتقاضين، ويختبر النصوص أمام المحاكم، يمكن أن يعود إلى قاعة الدرس بخبرة أعمق، وأمثلة أكثر واقعية، وتكوين أكثر التصاقا بالممارسة، كما أن المحاماة نفسها يمكن أن تستفيد من الأستاذ الجامعي بما يحمله من قدرة على التحليل، ومنهجية في البحث، وتمكن من النظريات القانونية الكبرى.
ليس المطلوب أن يتحول الأستاذ إلى محام يمارس المهنة على حساب واجباته الجامعية، ولا أن تصبح المحاماة نشاطا ثانويا يمارس دون جدية، المطلوب هو تنظيم دقيق للجمع، بضوابط واضحة، وبمنع كل إخلال بالالتزامات الجامعية أو المهنية، فالحل ليس في المنع المطلق، بل في التنظيم المعقلن.


رابعا: لا يجب أن يكون الدكتور المحامي فقط زائرا في الجامعة
قيل إن المحامي يسمح له بالتدريس بصفة زائر فقط، ولا يمنح كرسيا قارا في الوظيفة العمومية، فلماذا يسمح للأستاذ بالجمع بين أجر الوظيفة وأتعاب المهنة الحرة؟
هذا الاعتراض وجيه في ظاهره، لكنه يقوم على فكرة غير مكتملة، فولوج الوظيفة العمومية والتدريس في الجامعة غير ممنوع على المحامي إذا تحققت فيه الشروط الأكاديمية والقانونية طبقا لقانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، بل ما يمنعه من ذلك هو قانون المحاماة، وهذه الوضعية تضر بمجموعة من المحامين والذين هم في نفس الوقت أساتذة جامعيين رسميين لأنها تجعلهم في وضع مقلق وغير قانوني، كما تضر بالمحامين الحاصلين على الدكتوراه لأنها تمنعهم من التدريس بالمعاهد والكليات إلا إذا كان التدريس بصفة عرضية .
ثم إن النقاش لا يتعلق بمنح الأستاذ الجامعي امتيازا مجانيا، بل بتمكينه من الولوج إلى المحاماة وفق شروط محددة، وتحت رقابة الهيئة، وباحترام واجباته الجامعية، فإذا ثبت إخلاله بالتفرغ المطلوب أو استغلاله لصفته الجامعية أو وقوعه في تضارب مصالح، وجب ترتيب الجزاء، أما أن يمنع ابتداء لمجرد أنه أستاذ، فهذا انتقال من منطق التنظيم إلى منطق الإقصاء.


خامسا: المحاماة ليست فندقا، لكنها ليست ناديا مغلقا
نعم، المحاماة ليست فندقا مفتوحا لكل عابر سبيل. لكنها أيضا ليست فضاء مغلقا يمنع عنه أهل العلم والخبرة. لا أحد يطالب بفتح الباب بلا ضوابط، ولا بتحويل اللقب العلمي إلى جواز مرور تلقائي نحو المهنة، المطلوب فقط هو الاعتراف بأن الأستاذ الجامعي في القانون ليس غريبا عن العدالة، ولا دخيلا على النصوص، ولا عابرا عارضا في المجال القانوني.
الأستاذ الجامعي الذي قضى سنوات في تدريس القانون، وتأطير البحوث، ومناقشة الاجتهاد القضائي، وتحليل النصوص، لا يمكن اعتباره مجرد شخص يحمل لقبا علميا. قد يخطئ وقد يصيب، وقد ينجح أو يفشل، لكن تقييمه يجب أن يكون وفق قواعد المهنة لا وفق أحكام مسبقة.
أما تصوير الجمع بين الأستاذية والمحاماة باعتباره بحثا عن “بقرة حلوب”، ففيه تبسيط لا يخدم النقاش.، فليس كل من يطلب الجمع يبحث عن الريع، كما أن ليس كل محام يمارس المهنة بدافع الرسالة وحدها، معيار الحكم ينبغي أن يكون السلوك المهني، لا النوايا المفترضة.


سادسا: الشباب لا يحمى بمنع الأساتذة، بل بإصلاح سوق الخدمات القانونية
الغيرة على المحامين الشباب مشروعة ومفهومة، غير أن اختزال أزمة المحامي الشاب في ولوج الأستاذ الجامعي إلى المهنة يبعدنا عن جوهر المشكلة. فالشاب لا تنافسه الجامعة بقدر ما تنافسه السمسرة، والمكاتب غير المؤهلة، والممارسات غير القانونية، وضعف الثقافة القانونية لدى المقاولات والمواطنين، وغياب سوق منظمة للخدمات القانونية المتخصصة.
إن فتح المجال أمام كفاءات أكاديمية محددة، وفق شروط صارمة، قد يرفع جودة الخدمات القانونية، ويقوي التخصص، ويعيد الاعتبار للخبرة العلمية داخل الممارسة المهنية. وفي مجالات دقيقة كالمنازعات الضريبية، والتحكيم، وقانون المنافسة، والملكية الفكرية، والقانون المالي، تحتاج المحاماة إلى مزيد من التخصص لا إلى مزيد من الانغلاق.
فالمحامي الشاب لا يستفيد من مهنة مغلقة بقدر ما يستفيد من مهنة قوية، منظمة، نظيفة، ومتخصصة، ولا يمكن بناء مهنة قوية بمنع الكفاءات، بل بتأطير دخولها ومساءلتها.


الأستاذ أيت بوجبير المحترم،
لا أحد يريد للمحاماة أن تكون هواية تمارس في أوقات الفراغ، ولا ممرا جانبيا لمن لم يحترم قدسية الدفاع. لكن لا ينبغي أيضا أن نجعل من المحاماة مهنة مغلقة في وجه الأستاذ الجامعي لمجرد أنه ينتمي إلى الجامعة.
المحاماة رسالة، نعم. لكنها رسالة تحتاج إلى العلم كما تحتاج إلى التجربة، وإلى الفكر كما تحتاج إلى الممارسة، وإلى الانفتاح كما تحتاج إلى الانضباط. والجامعة ليست خصما للمحاماة، بل يمكن أن تكون حليفا لها في رفع الجودة، وتعميق التخصص، وتقوية الدفاع، وتحصين العدالة.


لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل نفتح الباب أم نغلقه؟ بل السؤال الأدق هو: كيف ننظم هذا الباب حتى لا يدخل منه إلا من يحترم المهنة، ويضيف إليها، ولا يستعملها ضد استقلالها أو كرامتها؟
مع كامل التقدير لشخصكم، ولغيرتكم على المهنة، وللمحامين الشباب الذين يستحقون حماية حقيقية لا رمزية، حماية تبدأ بمحاربة السمسرة والريع والاختلالات، لا بإقصاء الجامعة من فضاء العدالة.