vendredi 8 mai 2026
كتاب الرأي

المتقاعدون المغاربة.. ضحايا الإفلاس النقابي

المتقاعدون المغاربة.. ضحايا الإفلاس النقابي محمد خوخشاني

عندما يتحدث الوزير المغربي عن "الحوار الاجتماعي"، فإن الصورة التي تتبادر إلى الذهن هي طاولة مستديرة يجلس حولها ثلاثة أطراف: حكومة تستعدي على المال العام، ونقابات تلهث وراء مكاسب آنية، وباطرونا تمسك بيدها قبضة "القدرة التنافسية". وفي الزاوية القصية من الغرفة، خارج الإطار حتى، يقف المتقاعدون. يتفرجون. ينتظرون.

وإن كان "الحوار المركزي" قد أسفر عن تمرير قانون الإضراب الذي قيد الحريات وقانون دمج "CNOPS" في "CNSS" الذي أضاع المكتسبات الصحية، فإن الجريمة الأكبر بحق هذه الشريحة التي أفنت عمرها في الإنتاج، تتمثل في مشروع إصلاح صناديق التقاعد المرتقب. مشروع يرتكز على "التراجعات الثلاثة": رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، والزيادة في المساهمات، وتخفيض قيمة المعاش إلى مستوى زبائن "CNSS". وكأن هؤلاء الرجال والنساء، بعد أن منحوا الدولة ظهرهم وأعمارهم، لم يعد أمامهم سوى أن يمدوا أيديهم صاغرين.

هنا يكمن السؤال الأخلاقي: من يشتري الخبز بكرامة حين يصبح المعاش 2,168 درهماً كحد أقصى في القطاع الخاص؟ من يتعالج بلطف حين تتبخر التغطية الصحية؟ ومن يناضل من أجلهم في غياب هيئة تمثيلية جامعة؟

الإفلاس النقابي: عندما يصمت المدافع.

لطالما تغنت النقابات الثلاث (UMT, CDT, UGTM) بدورها النضالي. لكن واقع الحال يفضحها: لقد راهنت على العضوية الحالية، أي الموظفين الذين لم يبلغوا التقاعد بعد. وحين دقت الطبول لإصلاح الصناديق، لم نسمع سوى موسيقى هادئة، تنازلات، وتبريرات بأن "الصناديق معرضة للانهيار". بل إن المفارقة أن النقابات نفسها التي حضرت تمرير إصلاح "CNOPS/CNSS" تطلبت منها الآن المطالبة بـ "فتح حوارات قطاعية"، بينما الحياة اليومية للمتقاعد تتحول إلى جحيم تضخمي.

لقد استغنت النقابات عن دورها كثقل موازن، وتحولت إلى أداة لتسييل المطالب الآنية فقط. فبينما ارتفع SMIG والحد الأدنى للأجور في الوظيفة العمومية (من 8,237 درهماً إلى 10,100 درهم)، بقيت معاشات المتقاعدين مجمدة أو شبه مجمدة. الصدمة أن آخر زيادة في معاشات القطاع العام كانت في عام 1997! أي منذ 29 سنة. أما في القطاع الخاص، فلا زيادة تذكر منذ عام 2006، باستثناء استثناء وحيد في 2022.

المقارنة الدولية: دروس لا تعلّم.

إذا كان المغرب يتحدث عن "إصلاحات هيكلية"، فإن دولاً أخرى تثبت أن الحل موجود، بل ومطبق. خذوا جارتنا الشرقية، الجزائر، على سبيل المثال. ففي قرار مفاجئ أرعب عقلية الصندوق، قام الرئيس تبون بتوجيه زيادة في المعاشات تصل إلى 10% للفئات الدنيا، و5% للفئات الأعلى. بل إن آلية العمل كانت شفافة ومدروسة: زيادة تلقائية سنوية في شهر ماي من كل عام، بنسب تتراوح بين 3% و5%. فبدلاً من الانتظار سنوات لـ"زيادة رمزية" لا تغطي ربع التضخم، يكفل النظام الجزائري أن المتقاعد لا يفقد قوته الشرائية عاماً بعد عام.

بل إن الحكومة الجزائرية أقرت أنه اعتباراً من 1 ماي 2026، سيتم صرف هذه الزيادات، وأنها تشمل أكثر من 3.5 مليون متقاعد. أي أن الدولة تعترف بأن هؤلاء المواطنين ليسوا عبئاً، بل فئة تستحق الحماية الاجتماعية الحقيقية.

ولننتقل إلى فرنسا. هناك، وبسبب الضغط الاجتماعي والسياسي، اضطرت الحكومة إلى التراجع عن تقليص معاشات الأساس، بل وإقرار زيادات بنسبة 2.2% في 2025، و5.3% في 2024، و5.1% في 2022، مرتبطة تلقائياً بالتضخم. نعم، فرضت العدالة الاجتماعية نفسها رغم العجز المالي. وهذا ما يفتقده المغرب: معركة سياسية-اجتماعية صارمة من أجل إقرار مبدأ "المعاش العادل".

بل إن تجربة تركيا تستحق الوقوف عندها. ففي يناير 2025، أعلن الرئيس أردوغان عن زيادة قياسية في المعاشات بلغت 24.7%، متجاوزة بذلك نسبة التضخم (44.3%) مع هامش حماية إضافي. وخصصت الحكومة التركية 507 مليارات ليرة لدعم المتقاعدين، رافضة منطق "القدرة المالية" التي يستخدمها المغرب لتبرير تجميد المعاشات.

أما تشيلي، فقد أقرت في 2023 إصلاحاً جذرياً يلزم الدولة بدفع "معاش تضامني" لكل متقاعد لا يصل معاشه إلى عتبة الكرامة، مع زيادة تلقائية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة. وهذا بالضبط ما يحتاجه المتقاعد المغربي: أرضية قانونية تحمي دخله من التآكل.

ما يجب فعله: مشروع قانون للمعاش الكريم.

آن الأوان لكي تنتزع "الهيئة الموحدة للمتقاعدين" تمثيليتها من قبضة النقابات الفاشلة. لكن هذا وحده لا يكفي. المناضلون المتقاعدون يحتاجون إلى:

1. آلية الفهرسة التلقائية: يجب النص قانوناً على زيادة سنوية إجبارية للمعاشات بنسبة لا تقل عن نسبة التضخم المسجلة، مع حد أدنى للزيادة (5%) مثلما يحدث في الجزائر أو في فرنسا. لا يمكن أن تبقى المعاشات مجمدة بينما سلة الاستهلاك ترتفع.
2. إلغاء الإصلاحات الظالمة: لا لرفع سن التقاعد، ولا لتخفيض المعاشات، ولا للدمج الذي يدمج الفقراء في فقرهم. ما يحدث هو سرقة مستقبل المواطن تحت ذريعة "الإنقاذ".
3. تمثيلية قوية في الحوار المركزي: يجب أن تجلس هيئة المتقاعدين على الطاولة باعتبارها شريكاً اجتماعياً كاملاً، لا كمراقب صامت. ولا يمكن قبول أي إصلاح دون موافقتها.

الخلاصة: كفى صمتاً !

لقد آن الأوان ليكف المتقاعدون عن كونهم "الطابور الخامس" الذي يُستنزف بصمت. أمام فشل النقابات واستفراد الحكومة بالعجزة، فإن الحراك الاجتماعي للمتقاعدين هو السبيل الوحيد. فإما أن نضمن لهم كرامتهم التي كسبوها بتعب السنين، وإما أن ننتظر في القريب العاجل انتفاضة صامتة لهؤلاء الذين لا يملكون ما يخسرونه سوى ما تبقى من صحتهم وكرامتهم.

فليسمع من يهمه الأمر صوت الشارع: المعاشات الحالية لا تكفي لدواء، ولا لغذاء، ولا حتى لـ"أثمنة الأدوية" التي تلتهم الميزانية. والفارق بيننا وبين الجزائر وفرنسا وتركيا وتشيلي ليس المال، بل الإرادة السياسية ونضال الشعب.