في لحظة تتقاطع فيها رهانات الثقة مع تحديات النجاعة، لا يبدو إطلاق منصة “مرصد المشاريع” مجرد مبادرة تقنية عابرة، بل خطوة ذات حمولة سياسية وإدارية عميقة، تعكس تحوّلاً هادئاً في فلسفة تدبير الشأن العام بالمغرب. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإنجاز المشاريع، بل بكيفية جعلها مرئية، قابلة للتتبع، وخاضعة لمنطق المساءلة المجتمعية.
إعلان وزارة التجهيز والماء عن هذه المنصة الرقمية يندرج ضمن سياق وطني أوسع، عنوانه تحديث الإدارة العمومية وإعادة بناء علاقتها بالمواطن على أساس الشفافية والانفتاح. غير أن ما يمنح هذه المبادرة بعداً نوعياً، هو انتقالها من منطق عرض المنجزات إلى منطق تقاسم المعطيات الحية، حيث يصبح المواطن، والصحافي، والفاعل العمومي، جزءاً من دائرة المراقبة والتقييم.
فالمنصة، بما توفره من معطيات آنية حول المشاريع المبرمجة أو الجارية أو المنجزة في قطاعات استراتيجية كالماء والطرق والموانئ، لا تكتفي بتجميع المعلومات، بل تعيد تنظيمها في شكل معرفة قابلة للاستعمال. وهذا التحول من “تكديس البيانات” إلى “إنتاج المعنى” هو جوهر أي إصلاح رقمي حقيقي.
الأهم من ذلك، أن “مرصد المشاريع” يؤسس لمرحلة جديدة في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. إذ لم يعد هذا المبدأ شعاراً مؤسساتياً مجرداً، بل أصبح مدعوماً بأداة رقمية تتيح التحقق والتفاعل، بل وحتى الإبلاغ عن الاختلالات. وهنا تحديداً تكمن القوة التحويلية للمشروع: تحويل المواطن من متلقٍ سلبي للخدمة العمومية إلى فاعل يقظ داخل منظومة الحكامة.
كما أن اعتماد عرض خرائطي تفاعلي ولوحات قيادة دينامية يعكس توجهاً نحو عقلنة القرار العمومي، عبر توفير رؤية ترابية دقيقة ومندمجة، تسمح بفهم الفوارق المجالية وتوجيه السياسات بشكل أكثر استهدافاً وعدالة. وهو ما يتقاطع مع أحد أبرز تحديات النموذج التنموي، المرتبط بتقليص التفاوتات وتعزيز التقائية التدخلات العمومية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إطلاق المنصة، بل في استدامتها ونجاعتها. فنجاح هذا الورش الرقمي يظل رهيناً بجودة المعطيات، وتحيينها المستمر، وقدرة الإدارة على التفاعل مع ملاحظات المستخدمين، والأهم من ذلك، استعدادها لتحمل تبعات الشفافية حين تكشف الأرقام عن اختلالات أو تأخيرات.
في العمق، لا يقدّم “مرصد المشاريع” مجرد واجهة رقمية، بل يعكس تحولاً في الثقافة الإدارية نحو إدارة قائمة على المعطيات، وعلى الذكاء الجماعي، وعلى مساءلة مفتوحة. إنها بداية مسار، قد يعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة والمواطن، حيث تصبح المعلومة حقاً، والشفافية ممارسة، والمشروع العمومي التزاماً قابلاً للقياس.