vendredi 8 mai 2026
كتاب الرأي

الشنتوف: مشاهد من ركن الخطباء

الشنتوف: مشاهد من ركن الخطباء عبد الصمد الشنتوف

أجدني الآن وسط حشد كبير من الناس في هايد بارك. مكان ذائع الصيت لا يشبه باقي الأمكنة بلندن. من هذا الموقع العجيب المسمى "ركن الخطباء" مر كارل ماركس، فلادمير لينين، ونستون شرشل وجورج أورويل وآخرين من مشاهير الفكر والسياسة. كانوا يقفون مشرئبين بأعناقهم وسط جمهور غفير ليصدحوا بأفكارهم بكل حرية وثبات. 


يصعد كارل ماركس بهدوء منصة خشبية مرتفعة، وبلحية كثيفة منفوشة، وعينين متقدتين شعلة وذكاء، يقف الفيلسوف شامخا ممسكا بكتاب ضخم يحمل عنوان "رأس المال"، ليشرح بعض فصوله لأناس يتحلقون حوله. كان الفيلسوف اللامع يتحدث لغة إنجليزية طليقة بلكنة ألمانية في لسانه. أما الأديب الإنجليزي جورج أورويل فبدوره كان يعتلي كرسيا عاليا، لينهمك في تفكيك ألغاز مزرعة حيواناته بكل رموزها السياسية والاجتماعية على مرأى ومسمع من مريديه. 


في ركن الخطباء تقول ما تشاء، وتمارس حقك في التعبير بلا حدود. تفصح عما تضمره نفسك ويجول في خاطرك من أفكار دون أن يتعرض لك أحد بسوء أو أذى. بعدئذ، تذهب وتنام قرير العين في بيتك من دون أن ينتابك خوف من زوار الليل. استهواني المكان كثيرا الذي كان يتحول إلى بقعة ساخنة للسجال والجدال. انبهرت به كثيرا، لا سيما وأني شاب متعطش للحريات، أتيت من بلاد عربية تسودها أجواء خانقة وأنفاس محصية.


لبثت مشدوها أحدج في كهل أربعيني بسحنة هندية يدعى علي ينحدر من جزر الموريشوس. صعد منصة عالية وشرع يخطب في حشد هائل من الناس بحماس لافت، فيما راية فلسطين الملونة كانت ترفرف في الهواء فوق رأسه. كان خطيبا مفوها يدافع عن قضية العرب الأولى أمام الملأ، وكأن لندن ليس فيها ما يكفي من مثقفين عرب للقيام بذلك. وفي الجانب المقابل، كان مارتن اليهودي يصعد كرسيا معدنيا بارزا ليلهب حماس جمهوره مدافعا عن وجود إسرائيل، وسياساتها التوسعية. شاب يسكن المكر عينيه، قصير القامة، بأنف معقوف وشعر أشقر مجعد. كان يقف منتصبا كالطود، يصرخ بأعلى صوته مروجا بلسان إنجليزي فصيح لفكر صهيوني متطرف، مستندا إلى أسطورة شعب الله المختار. لم يكن يغفل عن تكرار أسطوانة المحرقة النازية التي تعرض لها اليهود استدرارا لعطف مستمعيه. كان مشهدا رائعا لم أعهده من قبل في بلدي، مشهد يجسد حرية التعبير واختلاف الرأي بين أطياف وقوميات مختلفة، كما يؤثث لوحة فسيفساء بإديولوجيات وعقائد شتى، حتى أضحى المكان رمزا تاريخيا لحرية التعبير، وموقعا باهرا يحج إليه السياح من كل أرجاء العالم.

راقني ذاك التراشق السياسي الذي كان يحدث بين علي ومارتن، إذ كان هذا الأخير يتبجح أمام الجميع بأن الله هو من منح أرض فلسطين لليهود، أما علي فلم يدخر جهدا في إفحامه برده الساخر: بل ماما بريطانيا بتواطؤ مع قوى استعمارية أخرى هي من منحتكم أرض فلسطين التي أطلقتم عليها أرض الميعاد. عند ذروة غضبه، كان علي يشهر في وجه مارتن صورة ياسر عرفات قصد استفزازه، وهو تصرف كان يغيظ غريمه اليهودي. لكن مارتن لم يكن بدوره شخصا يهضم مثل هذا السلوك بسهولة، بل كان يرد على علي بلسان حاد وتهكم بارع: لا تنسى أن السيدة غولدا مايير أدبت عشرين زعيما عربيا رغم شواربهم الكثة خلال حرب الغفران، ولقنتهم درسا بليغا. ليضيف مارتن: أشفق عليك كثيرا يا علي، لأنك هندي الأصل. كان عليك أن تفخر برفع صورة المهاتما غاندي وليس بزعيم "إرهابي" تطارده عيون الموساد كفأر مرعوب، فينفجر الجمهور ضحكا.


غير بعيد عن مارتن كان يقف داعية أمريكي أسود يرتدي قميصا أبيض يدعى مراد الدين، اعتنق الإسلام منذ سنوات عديدة. كان يفتخر بانتمائه لمنظمة أمة الإسلام بأمريكا التي يتزعمها "لويس فرخان". كان يصرخ بلهجة حانقة، أنه قام ببحث مستفيض حول جذوره الإفريقية وتاريخ العبيد الذين تم استقدامهم قسرا إلى أمريكا خلال القرن السابع عشر. وبلا وجل، كان يهاجم أوروبا وأمريكا بشدة، متهما إياهما بالعنصرية والهمجية.


كان الداعية الأمريكي يعتمر طاقية بيضاء، محاطا بشباب سود غلاظ ممشوقي القوام، تحمل عيونهم نظرات صارمة، ويرتدون بدلات سوداء أنيقة مع ربطات عنق حمراء وكأنهم حراسه الأوفياء. يخطب في مستمعيه بلكنة أمريكية، حاملا بيمينه المصحف الكريم. بدا الرجل حانقا على العالم المسيحي الاستعماري، ولا يكن أي ود لحضارة الغرب. ما فتئ يفضح وحشية الأوروبيين البيض مشهرا بتاريخهم الدموي الفظيع. الشيء الذي كان يفسر غضب بعض الرواد من هذا الخطاب اللاذع والمستفز، فيدفعهم للاعتراض على كلامه غير المتوازن في نظرهم. سرعان ما ينخرطون في مشادة كلامية ساخنة معه، وبالتالي يزداد النقاش اشتعالا وتشويقا. لم يكن مراد الدين خصما هينا يسهل عليك مواجهته، ذلك أنه رجل مثقف سليط اللسان وشديد السخرية، نهل من كتب الدين والمعرفة ما يكفي لمقارعة خصومه.

ما انفك يردد على مسامعنا أن الأمريكان السود تعود أصولهم لدول غرب إفريقيا المسلمة كالسنغال وغانا وأنغولا. وبنبرة يشوبها الحزن والغضب، يقول أن دراسته العميقة للتاريخ أفضت إلى حقائق مؤلمة خلفت غصة في قلبه. كان يسخر بشدة من تعالي الأوروبيين على باقي الشعوب، وادعائهم الفج بتفوق عرقهم الأبيض. وفي لحظة مؤثرة، استرسل مراد الدين في سرده بحنق فائق، أن الرجل الأبيض قام باختطاف أجداده عنوة ونقلهم مكرهين عبر البحار في سفن القراصنة إلى العالم الجديد. جلبوهم بقسوة، وأجبروهم على التخلي عن ديانتهم تحت ضربات السياط، ثم ساقوهم كعبيد مربوطين بالسلاسل والأغلال. كان يصرخ وملامح الغيظ تخيم على وجهه: لن ننسى ما اقترفه المسيحيون البيض من جرائم في حق أجدادنا، إذ كانوا يكدسون الأفارقة في سفن العار تحت ظروف وحشية لا تطاق، مما تسبب في وفاة عدد منهم قبل وصولهم اليابسة. وفي سلوك همجي عار من أدنى قيم الإنسانية، لم يتأففوا من إلقاء جثث العبيد في غياهب البحار بلا رحمة ولا وخز ضمير. 


شدني مراد الدين بكلام غريب أثار دهشتي، حين صدح قائلا أن سيدنا آدم أبو البشرية استوطن إفريقيا وكان رجلا أسود البشرة. هكذا كان يردد. لا ريب أن مراد الدين كان يمقت الأوروبيين بلا هوادة، مدعيا أن جينات الرجل الأبيض تحمل شرورا في طياتها. الحق يقال، ألفيته خطابا عنصريا يحط من قيمة البيض على غرار خطاب اليمين المتطرف الذي يحتقر الملونين، وهذا يعزى إلى ظلم تاريخي طال أجداده الأفارقة. ما لبث أن ازدادت نبرته غيظا وسخطا، فأطلق صيحة مدوية: لقد تم استرقاق أجدادي وتنصيرهم بالقوة، ناهيك عن جلبهم إلى أمريكا للعمل في حقول القطن سيئة الذكر كعبيد خاضعين، بعد أن سلبوا حريتهم وهدروا آدميتهم. اللعنة، اللعنة على الأوغاد...!