اختراقات مغربية تعيد رسم المشهد.. الصحراء في طريق الحسم

اختراقات مغربية تعيد رسم المشهد.. الصحراء في طريق الحسم الحكم الذاتي يحصد دعما دوليا

يعكس‭ ‬التراكم‭ ‬المتسارع‭ ‬للمواقف‭ ‬الدولية‭ ‬الداعمة‭ ‬لمقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬لتسوية‭ ‬نزاع‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬(أكثر‭ ‬من‭ ‬120‭ ‬دولة)‭ ‬تحولا‭ ‬بنيويا‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬الأممي‭ ‬والتوازنات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬حيث‭ ‬أخذ‭ ‬ينتقل‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الالتباس‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬تحكمه‭ ‬معايير‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية‭ ‬والنجاعة‭ ‬العملية‭. ‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬يجد‭ ‬امتداده‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬دول‭ ‬وازنة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬دولة‭ ‬التشيك‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بدعم‭ ‬مخطط‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬وطالبت‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬وزير‭ ‬خارجيتها،‭ ‬بإدراج‭ ‬البوليساريو‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الإرهاب‭ ‬وهناك‭ ‬تحول‭ ‬آخر‭ ‬لدى‭ ‬كندا‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬«منطقة‭ ‬الالتباس‭ ‬المظلمة»،‭ ‬وأدرجت‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬ضمن‭ ‬التصورات‭ ‬الواقعية‭ ‬القابلة‭ ‬للتطبيق،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬بتاريخ‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬وهو‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬بدعم‭ ‬واسع‭ ‬داخل‭ ‬المجلس،‭ ‬مما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬دولية‭ ‬متنامية‭ ‬لتجاوز‭ ‬حالة‭ ‬الجمود‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬بتثبيت‭ ‬مرجعية‭ ‬الحل‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬منح‭ ‬زخما‭ ‬إضافيا‭ ‬لمبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬باعتبارها‭ ‬الإطار‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تعقيدات‭ ‬الملف‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬توافقية‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬«لا‭ ‬غالب،‭ ‬ولا‭ ‬مغلوب»‭. ‬
واللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬(2797)،‭ ‬حمل‭ ‬معه‭ ‬تحولا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمراجعات‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬دول‭ ‬كانت‭ ‬تقليديا‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الطرح‭ ‬المناهض‭ ‬للوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬للمغرب‭. ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬مواقف‭ ‬جديدة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬مالي‭ ‬وكينيا‭ ‬وغانا،‭ ‬إذ‭ ‬اتجهت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬خطاب‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬التنمية‭ ‬الإقليمية‭ ‬والاستقرار،‭ ‬ويمنح‭ ‬أولوية‭ ‬للحلول‭ ‬السياسية‭ ‬الواقعية‭ ‬القابلة‭ ‬للتنفيذ‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الإفريقي‭ ‬إعادة‭ ‬تموقع‭ ‬استراتيجية‭ ‬تستحضر‭ ‬رهانات‭ ‬الأمن‭ ‬والتنمية‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬كشريك‭ ‬إقليمي‭ ‬فاعل‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭. ‬كما‭ ‬يعكس،‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬التحول‭ ‬النوعي‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬أولوياتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عبر‭ ‬جعل‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬محددا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية،‭ ‬ومنها‭ ‬الإفريقية،‭ ‬إذ‭ ‬أضحت‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬والمتعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬تتشكل‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬وضوح‭ ‬المواقف‭ ‬تجاه‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬خرائط‭ ‬الاصطفاف،‭ ‬والدفع‭ ‬بعدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬تمثلاتها‭ ‬السابقة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الاعتراف‭ ‬الصريح‭ ‬بالسيادة‭ ‬المغربية‭ ‬على‭ ‬الصحراء‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سحب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬«الجمهورية‭ ‬الصحراوية»‭ ‬«أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وآسيا»‭.‬
ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬لصالح‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي،‭ ‬تكتسب‭ ‬الإحاطة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للمبعوث‭ ‬الشخصي‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ستيفان‭ ‬دي‭ ‬ميستورا،‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬لغة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬توصيف‭ ‬مسار‭ ‬التسوية،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬«التنازلات‭ ‬الضرورية»‭ ‬كمدخل‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مواقف‭ ‬الأطراف،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬ميزان‭ ‬التأثير‭ ‬داخل‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي‭. ‬ولم‭ ‬يكتفِ‭ ‬المسؤول‭ ‬الأممي‭ ‬بتوصيف‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬العبارات‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بـ‭ ‬«استئناف‭ ‬العملية‭ ‬السياسية»،‭ ‬بل‭ ‬قدّم‭ ‬إشارات‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬الوساطة‭ ‬الأممية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬كثافة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬خلاصات‭ ‬أساسية‭ ‬استقاها‭ ‬من‭ ‬جولاته‭ ‬ومشاوراته‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭. ‬أولها‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬«زخم‭ ‬حقيقي»‭ ‬يفتح‭ ‬إمكانًا‭ ‬فعليًا‭ ‬أمام‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭. ‬أما‭ ‬الخلاصة‭ ‬الثانية،‭ ‬فتتعلق‭ ‬بانتقال‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلاً،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬المواقف‭ ‬المبدئية،‭ ‬بل‭ ‬بدأ‭ ‬يلامس‭ ‬ملامح‭ ‬حل‭ ‬محتمل،‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬المفاوضات‭ ‬طورًا‭ ‬تقنيًا‭ ‬يقتضي‭ ‬بلورة‭ ‬صيغ‭ ‬قابلة‭ ‬للتداول‭. ‬فيما‭ ‬تحيل‭ ‬الخلاصة‭ ‬الثالثة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬أولي‭ ‬لهيكلة‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬أرضية‭ ‬توافقية‭ ‬للنقاش،‭ ‬وهو‭ ‬معطى‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬ينقل‭ ‬فكرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬المبادرة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬الهندسة‭ ‬المؤسساتية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يكتسي‭ ‬الأفق‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬حدده‭ ‬دي‭ ‬ميستورا،‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬جمع‭ ‬الأطراف‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬أكتوبر‭ ‬المقبل،‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة،‭ ‬باعتباره‭ ‬يؤشر‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬إرادة‭ ‬أممية‭ ‬لإدخال‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الإيقاع‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬«اتفاق‭ ‬إطار»‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬أن‭ ‬الأرضية‭ ‬مهيأة‭ ‬لتفاوض‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلا‭.‬
تتحرك‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الحسم‭ ‬الأممي،‭ ‬داخل‭ ‬مسار‭ ‬دولي‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬كثافة‭ ‬التحولات،‭ ‬وتتسارع‭ ‬فيه‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المواقف،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يمنح‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬حضورا‭ ‬متناميا‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬القرار‭ ‬العالمية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لموقفها‭ ‬التاريخي‭ ‬الداعم‭ ‬لمغربية‭ ‬الصحراء‭ ‬أثره‭ ‬الكبير‭. ‬فبعد‭ ‬مرحلة‭ ‬«الحياد‭ ‬الداعم‭ ‬للمسار‭ ‬الأممي»،‭ ‬ومرحلة‭ ‬«الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الواقعي»،‭ ‬اختارت‭ ‬واشنطن‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬«التحول‭ ‬الحاسم»،‭ ‬إذ‭ ‬شكّل‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬انعطافة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬تتبنى‭ ‬تصورًا‭ ‬يعتبر‭ ‬«مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬المغرب‭ ‬أساسًا‭ ‬عمليًا‭ ‬وحيدًا‭ ‬لتسوية‭ ‬النزاع»،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬شكل‭ ‬انتقالًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬«إدارة‭ ‬النزاع»‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬«توجيه‭ ‬الحل»،‭ ‬حيث‭ ‬أعلنت‭ ‬واشنطن‭ ‬ميلها‭ ‬الواضح‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬الإطار‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتطبيق‭. ‬
ضمن‭ ‬المنظومة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬يبدو‭ ‬التحول‭ ‬الإسباني‭  ‬أكثر‭ ‬كثافة‭ ‬وتأثيرا،‭ ‬نظرا‭ ‬للحمولة‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬موقف‭ ‬إسبانيا‭ ‬(التي‭ ‬كانت‭ ‬تحتل‭ ‬الأقاليم‭ ‬المتنازع‭ ‬حولها)،‭ ‬مما‭  ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي،‭ ‬الذي‭ ‬تؤيده‭ ‬مدريد،‭ ‬شرعية‭ ‬إضافية‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبي،‭ ‬كما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬إعادة‭ ‬تموقع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفضل‭ ‬الحذر،‭ ‬ومنها‭ ‬فرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬بل‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬الطوق‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تضعه‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬"مغربية‭ ‬الصحراء،‭ ‬إذ‭ ‬أبدت‭ ‬فنلندا‭ ‬موقفاً‭ ‬متقدماً‭ ‬وإشادة‭ ‬واضحة‭ ‬بمقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬بينما‭ ‬أكدت‭ ‬السويد‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬للمبادرة‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬اتصال‭ ‬هاتفي‭ ‬بين‭ ‬وزيرة‭ ‬خارجيتها‭ ‬ونظيرها‭ ‬المغربي،‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬قرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭. ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬أعلنته‭ ‬النمسا‭ ‬وسلوفينا‭ ‬وبلجيكا‭. ‬أما‭ ‬الدنمارك‭ ‬والنرويج،‭ ‬فما‭ ‬زالتا‭ ‬تؤكدان‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬عادل‭ ‬ودائم‭ ‬ومقبول‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬مع‭ ‬ميل‭ ‬دانماركي‭ ‬واضح‭ ‬إلى‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الدانمارك‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأعضاء‭ ‬الأحد‭ ‬عشر‭ ‬الذين‭ ‬صوتوا‭ ‬في‭ ‬نونبر‭ ‬2025‭ ‬لصالح‭ ‬دعم‭ ‬خطة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬«الولايات‭ ‬المتحدة-‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة-‭ ‬فرنسا-‭ ‬الدنمارك-‭ ‬اليونان-‭ ‬بنما-‭ ‬الصومال-‭ ‬سلوفينيا-‭ ‬سيراليون-‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية-‭ ‬غيانا»‭. ‬هذا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬الموقف‭ ‬الرسمي‭ ‬للهند‭ ‬وراس‭ ‬القاضي‭ ‬بسحب‭ ‬اعترافهما‭ ‬بالبوليساريو‭.  ‬
مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬السياسي‭ ‬والديبلوماسي‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬يؤطر‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي،‭ ‬يتراجع‭ ‬تأثير‭ ‬الدعم‭ ‬الجزائري‭ ‬لجبهة‭ ‬البوليساريو،‭ ‬نتيجة‭ ‬تحولات‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الجزائر،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬لعقود‭ ‬الفاعل‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭ ‬حدّت‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬دعم‭ ‬واسعة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬داخل‭ ‬إفريقيا،‭ ‬والتغيرات‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬دفعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬مواقفها‭ ‬التقليدية،‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬اختفاء‭ ‬الدعم‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬عسكر‭ ‬قصر‭ ‬المرادية‭ ‬يضع‭ ‬«قضية‭ ‬الصحراء»‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬يرمي‭ ‬بكل‭ ‬أسلحته‭ ‬السياسية‭ ‬والديبلوماسية‭ ‬للضغط‭ ‬نحو‭ ‬عرقلة‭ ‬أي‭ ‬تسوية‭ ‬ممكنة‭ ‬خارج‭ ‬«الانفصال»‭ ‬أو‭ ‬«التقسيم»،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المسار‭ ‬الأممي‭ ‬يدفع‭ ‬بكل‭ ‬ثقله‭ ‬نحو‭ ‬تثبيت‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬كأرضية‭ ‬للحل‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬النجاح‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬خمس‭ ‬نقط‭ ‬رئيسية‭ ‬مترابطة،‭ ‬تظهر‭ ‬كيف‭ ‬انتقل‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬الدفاع‭ ‬و«ردود‭ ‬الفعل»‭ ‬أمام‭ ‬الأطماع‭ ‬الجزائرية‭ ‬إلى‭ ‬دينامية‭ ‬دولية‭ ‬واضحة:

أولا‭:‬‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬لمقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬إذ‭ ‬نجح‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬مبادرته‭ ‬إلى‭ ‬مرجعية‭ ‬أساسية‭ ‬داخل‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬العظمى‭ ‬تتبناها‭ ‬اليوم‭ ‬بوصفها‭ ‬حلا‭ ‬جديا‭ ‬وواقعيا،‭ ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬قوى‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬مما‭ ‬منح‭ ‬المقترح‭ ‬وزنا‭ ‬سياسيا‭ ‬متزايدا‭.‬

ثانيا‭:‬‭ ‬اختراق‭ ‬العمق‭ ‬الإفريقي‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاصطفافات؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬النجاحات،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬الصريح‭ ‬للبوليساريو‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي،‭ ‬أو‭ ‬تبنّي‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬توازنا،‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬والمسار‭ ‬الأممي‭. ‬

ثالثا‭:‬‭ ‬ترسيخ‭ ‬الحضور‭ ‬الميداني‭ ‬عبر‭ ‬القنصليات‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقدام‭ ‬دول‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القنصليات‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬العيون‭ ‬والداخلة،‭ ‬مما‭ ‬شكّل‭ ‬انتقالا‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬العملي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬للمغرب‭ ‬تفوقا‭ ‬رمزيا‭ ‬وسياسيا،‭ ‬وكرّس‭ ‬واقعا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬الدولي‭ ‬مع‭ ‬الإقليم‭.‬

رابعا‭:‬‭ ‬تحييد‭ ‬وتراجع‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬للبوليساريو،‭ ‬إذ‭ ‬بادر‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬أو‭ ‬تجميد‭ ‬اعترافه‭ ‬بالكيان‭ ‬الانفصالي‭ ‬الذي‭ ‬تدعمه‭ ‬الجزائر،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقلص‭ ‬دائرة‭ ‬التأييد‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭. ‬

خامسا‭:‬‭ ‬كسب‭ ‬الزخم‭ ‬داخل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬اللغة‭ ‬المعتمدة‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬تميل‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬توصيف‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬كحل‭ ‬جدي‭ ‬وذي‭ ‬مصداقية،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬نجاحا‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬مهما،‭ ‬حيث‭ ‬انتقل‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬الخيارات‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬تحظى‭ ‬بدعم‭ ‬واسع‭. ‬

لقد‭ ‬نجح‭ ‬المسار‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الذي‭ ‬رسمه‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬شقوق‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬الجدار‭ ‬الجزائري،‭ ‬بل‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مقاربات‭ ‬النزاع‭ ‬داخل‭ ‬الأطر‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬تعززت‭ ‬مكانة‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬باعتباره‭ ‬مدخلًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬الجاري‭ ‬داخل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬خطاب‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الحلول‭ ‬الممكنة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬خريطة‭ ‬المواقف‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬والإفريقية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬صريح‭ ‬أو‭ ‬متقدم‭ ‬للمبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬باعتبارها‭ ‬إطارًا‭ ‬ذا‭ ‬جدية‭ ‬ومصداقية‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬التسوية‭.‬
مقابل‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الدعم‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬اتخذت‭ ‬دينامية‭ ‬الاعتراف‭ ‬بـ‭ ‬«البوليساريو»‭ ‬مسارًا‭ ‬متراجعًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المراجعات‭ ‬لمواقف‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الكيان،‭ ‬بما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقلص‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي،‭ ‬وتراجع‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاعترافات‭ ‬الجديدة‭ ‬أو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬بعضها‭. ‬وقد‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الإفريقية‭ ‬والدولية،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تزايد‭ ‬الميل‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬الحلول‭ ‬التوافقية،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الجديد،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬حضورًا‭ ‬متناميًا‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬انحسار‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمشروع‭ ‬الانفصالي‭ ‬الذي‭ ‬تموله‭ ‬الجزائر‭ ‬بكل‭ ‬سخاء‭ ‬الحاقدين‭.‬