"من أجل كوطا للعائلات النافذة في البرلمان".
أصاب الشاعر البحتري حين خاطب الربيع بأوصاف قال نقاد الأدب إنها "أنسنة" لفصل ينتمي إلى دورة طبيعية طالما أضفت كثيرًا من الجمال على فترة انتظار ضيف مبهج، ويحمل الجمال على صهوة طبيعة خلابة. وسيظل فصل الربيع مبهجًا حتى ولو كانت الأمطار قليلة. يكفي قليل من الزهور والورود لكي يدخل البهجة إلى القلوب.
ويقترن فصل ربيع هذه السنة بنزول أمطار استثنائية أعادت للطبيعة نضارتها وجمالها الأخّاذ. وشاء القدر أن يقترن هذا الجمال بحركة لا تمت للجمال بصلة. أتحدث هنا عن اكتساح أعشاب غير نافعة للحقل الاجتماعي والسياسي الذي تنكّر لجمال فصل الربيع. وقد نحتاج إلى الكثير من العمل لاقتلاع الأعشاب الضارة التي تضعف جودة المنتوج الفلاحي وكمياته.
جرت المياه في الأودية والسواقي، ووصلت إلى السدود لتنعش آمال شعب في سنة فلاحية جيدة بعد سنوات عجاف. وما إن شاع الأمل حتى بدأت غرف صناعة سكان البرلمان "القادم" في الاشتغال بسرعة تفوق سرعة الطائرات. إنها معركة صنع المعجزات عبر غزوات منح التزكيات.
تُشحذ سكاكين سد الطريق أمام فلان أو فلانة ولو كانا من ركائز النشاط الحزبي، ويفضل صاحب القرار، ومن يوجدون خلفه بقوة حضورهم أو معرفتهم بالخفايا أو امتلاكهم لأدوات التمويل الكبرى، إخضاع اللعبة الانتخابية لشريعة الغاب. وهكذا لا يخيب "الظن في المقبل" بالنسبة لمن لا ينتظرون من كرسي برلماني راتبًا أو تعويضًا ماليًا بقدر ما ينتظرون موقعًا لحماية مصالح كبرى، وربما غير مشروعة، عبر المساهمة في تشريع أو التأثير على قرار أو مرسوم قد يهم الضريبة أو العقار وكل قواعد التعمير.
يبحث البعض عن تزكية حزبهم فيجدون أنفسهم خارج حسابات الأمين العام للحزب أو الكاتب الأول أو الرئيس المنتدب أو عضو الرئاسة الجماعية، وكل من يمتلكون القدرة على القرار أو التأثير فيه. فيزيدون في تقوية صفوف من يكفرون بالممارسة السياسية، وبعد ذلك يُنعتون، هم وكثير ممن يعرفون عمق الفساد، بالعدمية وغير المهتمين بمصير البلاد. والعكس صحيح.
نتابع كل يوم قرار الرئيس الزعيم الأول وصاحب الأختام الحزبية لعزل فلان وتثبيت علان في لائحة المرشحين للانتخابات المقبلة. يرفض حزب من الأغلبية، وهو حسب ما جاء في الأخبار حزب الاستقلال، ترشيح أستاذ جامعي في مراكش، وسياسي صحراوي يحمل اسم بوعيدة، ضد أحد أصهاره أو بني عمومته المنتمي لحزب آخر وذو نسب مع قيادية في حزب منافس.
ويرفض أمين عام آخر ترشيح مناضل له تاريخ، لمجرد أنه لا يمتلك إلا رصيدًا سياسيًا فقط، ولا يمتلك أي أرصدة أخرى، وخصوصًا تلك التي تشهد عليها أرصدته البنكية والعقارية وحتى العائلية. ولا يخفى على من يديرون الدكاكين الانتخابية أن فرصة الانتخابات لا تُعوّض لكونها سوقًا يدخلها بسهولة ذلك الذي لا يشكو من ضعف السيولة لديه، وللسيولة أشكال وارتدادات مخجلة نفسية واجتماعية.
ويزداد الأمر استفحالًا حين ينتفض بعض الأعيان ضد حزبهم الذي يرفض ترشيح الأبناء والأحفاد. آنذاك يقرر هؤلاء الأعيان الهجرة إلى حزب آخر ترافقه مئات من الأوفياء لشخصهم وحضورهم "المتجذر" في قبيلة أو منطقة. تبدأ مظاهر ملء القاعات بفعل سحر خاص يضفيه الأعيان على حفلاتهم الانتخابية.
ولقد أصبح أصحاب قاعات الحفلات لاعبين "انتخاباويين" بأمر من أولياء نعمة تحترم قانون العرض والطلب في سوق الانتخابات. يختفي الالتزام السياسي بأمر من ضمير سياسي آخر، والاثنان جُبلا على الوفاء لتاريخ الحزب الذي أهداهم الكثير من المبادئ في علبة تضم ما لذ وطاب، وضمن الموقع والمضجع، وغرس فيهم نبل الانتماء بلغة مصلحة لا تعرف التقادم.
سيغتني من سيتاجر في التزكيات، وسيقسم الناجحون على الانضباط للحزب الذي رفعهم إلى درجة "نائب الأمة". وتمضي شهور لكي يفكروا من جديد في البحث عن الجديد. وسيجدون من يبيع التزكيات بعيدًا عن أعين الرقابة.
صورة برلماننا تجعلنا نتحسر على ماضٍ قريب تولّى. أصبحت الزوجات والأبناء يجلسون على تلك المقاعد الصفراء، وكثير منهم يلبسون ويلبسن أغلى الحلل الفاخرة في انتظار لقطة تلفزيونية. وستمُر الشهور لتشهد جلسات اللجنة البرلمانية خلال مناقشة مشاريع القوانين، وخصوصًا مشروع قانون المالية، أن الجاهل بالقانون وبالاقتصاد يُعجّل بمغادرة القاعات بعيدًا عن "صداع الرأس".
وسيظل المهم هو الحصول على تزكية بمقابل، في انتظار أن يصلح العطار ما أفسده الدهر. وفي الأخير لا يمكن أن نقارن استهتار أحزاب يومنا بتلك القامات السياسية التي كانت تملأ البرلمان بالكلام الرصين والموزون والملتزم بقضايا الوطن.
وسيظل الخوف على بلادنا ذلك الذي يربط نسبة المشاركة بالثقة في المؤسسات. أتذكر، كما يتذكر الجميع ممن يُدمنون على تتبع فيديوهات جلسات البرلمان، كيف أصبح البرلمان يشبه في بعض اللحظات مشاهد من مسلسلات تركية. شباب وشابات على مقاعد وثيرة ينظرون إلى الكاميرا بحرفية تحفها نظرات وعبرات "منفلوطية".
سمع أحد رؤساء مجلس النواب سيدة جميلة وذات نبرات مؤثرة تقول له إن رئيس الفريق الذي تنتمي إليه أخبرها أن مدة تدخلها في الجلسة عشرون دقيقة، فانبهر بجمال نطقها وأكرمها بزيادة عشر دقائق.
ظننا أن تعديل الدستور في مسألة لوائح الشباب والنساء سينصف هاتين الفئتين في مجال تحمل المسؤولية البرلمانية، لكن هول تشويه ما هو جميل بيّن بالملموس أن الكثير من ممثلي هاتين الفئتين لا علاقة لهم بالسياسة، ولكن بانتماء إلى أسرة ميسورة وذات حضور في دواليب الأحزاب.
ويستمر من يمتلكون قوة صنع المؤامرات قادرين على تشويه كل نية، أو حتى إرادة سياسية، من "كوطا الشباب والنساء" إلى "كوطا للأسرة والعائلة والأبناء"، ولو لم يكونوا على علم بأي فقرة من فقرات دستور المملكة.
لست عدميًا، ولكن "رومانسيًا" في علم السياسة وفي ممارسة النضال الديمقراطي الذي يحترم روح دستور بلادنا. لكن واقع تدبير مؤسسات هذه البلاد حوّل رومانسيتنا السياسية إلى غضب نبيل لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
وسيظل المفيد في الكلام الاستمرار في النقد الذي يُعرف بالدارجة "بالنكير".
