هل هي الصدفة التي حولت ثلاث مباريات من البطولة الوطنية برسم الدورة 17، إلى بؤر توتر؟ هل انتقل عنف الملاعب من المباريات عالية التوتر إلى مباريات غير مصنفة في خانة المواجهات ذات مستوى اللونين الأحمر والبرتقالي؟
بين الرباط وأسفي وبركان تعددت درجات الانفلات الجماهيري، والشغب واحد، رغم أن مباراة الرباط كانت أشد عنفا من باقي المواجهات.
ليست المرة الأولى التي تشهد اصطداما بين جماهير الدار البيضاء والرباط، ولن تكون الأخيرة، إذا لم يتم استئصال العنف الكروي من جذوره، خاصة حين يتحول إلى تدمير لمرافق عمومية.
" الوطن الآن " تسلط الضوء على مباريات عالية التوتر، تبدأ بالوعيد في منصات التواصل الاجتماعي وتنتهي في المحاكم.
شهدت مباراة "الكلاسيكو" التي جمعت بين فريق الجيش الملكي والرجاء الرياضي، ضمن الجولة 17 من البطولة الاحترافية، أحداثا مؤسفة مساء الخميس 30 أبريل 2026، في المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله ومحيطه، انتهت باعتقالات واسعة.
تحولت مدرجات الملعب إلى ساحة مواجهات عنيفة بين مجموعات من أنصار الفريقين، حيث اندلعت الاشتباكات بشكل مفاجئ، مما تسبب في حالة من الفوضى والهلع في صفوف الجماهير، وتصاعد التوتر ليتحول إلى أعمال تخريب طالت مرافق المدرجات، إضافة إلى اجتياح منصة الصحفيين وإلحاق أضرار بها، ما أثر بشكل واضح على أجواء المباراة وحول القمة الكروي إلى مشهد فوضي، رغم تدخلات السلطات الأمنية لإعادة الأمور إلى نصابها.
ورغم هذه الأحداث، استمرت المباراة بشكل طبيعي فوق رقعة الملعب إلى نهايتها، حيث حسم الجيش الملكي المواجهة لصالحه بنتيجة 2-1، إلا أن ما وقع خارج أرضية الميدان ألقى بظلاله الثقيلة على اللقاء.
وعلى خلفية هذه الأحداث، أمرت النيابة العامة بالرباط، يوم الجمعة 1 ماي 2026، بوضع 136 شخصا تحت تدابير الحراسة النظرية، مع الاحتفاظ بحدثين، للاشتباه في تورطهم في أعمال الشغب.
قرارات صارمة على خلفية مباراة الكلاسيكو
أصدرت اللجنة المركزية للتأديب التابعة للعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية قرارات زجرية في حق الناديين، وذلك بعد دراسة التقارير الرسمية لحكم المباراة ومندوبها، والتي وثقت سلوكات منافية للروح الرياضية، إلى جانب تسجيل أضرار مادية بمرافق المركب الرياضي وإصابات في صفوف رجال الأمن.
وقضت هذه القرارات بحرمان الجيش الملكي من جماهيره لخمس مباريات داخل ميدانه، مقابل ثلاث مباريات دون جمهور لفريق الرجاء الرياضي، بسبب أعمال التخريب التي طالت مرافق الملعب. كما فرضت غرامة مالية قدرها 200 ألف درهم على كل فريق، مع إلزامهما بتحمل تكاليف إصلاح الأضرار وتعويض الخسائر.
وشملت العقوبات كذلك منع تنقل جماهير الفريقين خلال ما تبقى من منافسات الموسم الكروي 2025-2026، في إطار تشديد الإجراءات للحد من مظاهر الشغب في ما تبقى من الدوري الاحترافي المغربي.
ولم تكن هذه الواقعة معزولة، إذ شهدت مباريات أخرى بدورها أحداث شغب، من بينها مواجهة الوداد الرياضي أمام اتحاد يعقوب المنصور، والتي أسفرت عن اعتقالات واسعة بسبب أعمال تخريب، إضافة إلى مباراة اتحاد طنجة وأولمبيك آسفي، التي عرفت اعتداء على حافلة الفريق الطنجي، مخلفا خسائر مادية وإصابات في صفوف الطاقم التقني.
وفي سياق متصل، أعلنت العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية عن اتخاذ إجراءات احترازية جديدة عقب هذه الأحداث، من أبرزها عدم تخصيص مدرجات لجماهير الفريق الضيف، وعدم طرح تذاكر لأنصاره، إلى جانب منع تنقل الجماهير الزائرة خلال المرحلة المقبلة.
وأكدت العصبة أن هذه التدابير "تهدف إلى ضمان السير العادي للبطولة وتعزيز شروط السلامة داخل الملاعب"، داعية الجماهير إلى التحلي بروح المسؤولية والمساهمة في الحفاظ على صورة كرة القدم الوطنية.
توصيات وزارة الداخلية حول ظاهرة التشجيع الرياضي
في ظل هذا الوضع بات عنف جماهير كرة القدم في الدوري المغربي، ظاهرة تتكرر باستمرار مخلفة خسائر متعددة.
وعلى الرغم من توصيات مناظرات وزارة الداخلية التي فتحت نقاشا عموميا حول ظاهرة التشجيع الرياضي، من خلال تنظيم ست مناظرات جهوية حول عنف الملاعب، في كل من فاس وأكادير وطنجة ووجدة والدار البيضاء والرباط ومراكش، أملا في إرساء ثقافة تشجيع رياضي حضاري ومسؤول، يتسم بالتوازن بين الحماس والانضباط، ويؤسس لعلاقات مؤطرة بين الجماهير وباقي الفاعلين الرياضيين، إلا أن توصيات المناظرات ورسالتها الداعية إلى جعل التشجيع "ممارسة مدنية تنبني على قيم الاحترام، الانتماء، ونبذ العنف لم تجد طريقها للجمهور.
منير أوخليفا، أستاذ قانون الأعمال بجامعة سيدي محمد بن عبد الله
علاج ظاهرة شغب الملاعب تتطلب سياسة شمولية
في رده عن سؤال يتعلق بالمقاربات التي يجب تبنيها لتفادي شغب الملاعب، أوضح منير أوخليفا، أستاذ قانون الأعمال بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس والمهتم بالقانون الرياضي والتدريب في مجال كرة القدم، أنه ينبغي أولا ربط هذه المقاربات بعدة أبعاد أساسية، أولها البعد الاجتماعي والنفسي، ثم البعد التنظيمي والإداري.
فيما يخص البعد الاجتماعي والنفسي، يتضح بما لا يدعو مجالا للشك، أن فئة عريضة من الجماهير التي تحضر إلى الملاعب تعاني من أوضاع اجتماعية واقتصادية، مثل البطالة والتهميش وضعف التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى غياب الثقافة الرياضية، وهذا موضوع مهم يستدعي فتح ورش كبير لتأطير الجماهير.
كما أن هناك أبعادا نفسية مؤثرة، حيث تعاني بعض الجماهير من التعصب المفرط للأندية، مما يفرز نوعية من الجماهير التي لها مغالاة في التعبير العدواني داخل الملاعب ربما من شدة ذلك الحب للفريق دون احترام الفرق الأخرى، ولا يمكن إغفال تأثير المخدرات والكحول على جانب من هذه الجماهير.
وسلط محدثنا الضوء أيضا على منصات التواصل الاجتماعي والرقمي، مثل فيسبوك وتيك توك، حيث يتم أحيانا نشر محتويات تشجع على الشغب والعنف، وهو ما يساهم في تفاقم الظاهرة.
أما على البعد التنظيمي، فتبرز عدة إشكالات، من بينها سهولة إدخال مواد خطيرة إلى الملاعب، وهو أمر يستدعي تشديد المراقبة، كما أن بعض الملاعب تعاني من ضعف في البنيات التحتية، رغم وجود نماذج متطورة على غرار ملعب مولاي عبد الله التحفة العالمية، إضافة إلى ذلك، هناك قصور وغياب التخطيط الاستباقي الكافي للمباريات الحساسة، خاصة تلك التي تعرف توترا تاريخيا بين الجماهير، لذلك، يجب اعتماد خطط أمنية مسبقة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل مباراة.
كما يظهر ضعف في التنسيق بين مختلف المتدخلين، مثل الجامعة والعصب والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية، مما يستدعي إحداث جهاز موحد لإدارة الأزمات داخل الملاعب.
ومن النقاط المهمة كذلك، غياب نظام التذاكر الاسمية، الذي يمكن أن يساهم في ضبط هوية الجماهير، إلى جانب ضرورة تنظيم الفضاء داخل الملاعب عبر تخصيص حواجز كافية بين جماهير الفرق المتنافسة، خصوصا في المباريات الحساسة.
بناء على هذه الأبعاد، اقترح منير أوخليفا، مقاربة اجتماعية تهدف إلى تأطير الجماهير وتعزيز قيم التسامح والروح الرياضية وتقبل الخسارة.
وكذا مقاربة أمنية استباقية لمثل هذه الأحداث تعتمد على التكوين الجيد لرجال الأمن في التعامل مع التظاهرات الرياضية، وتعزيز التواصل مع الجماهير ومجموعات المشجعين.
كما اقترح محدثنا مقاربة قانونية علاجية، من خلال عقوبات زجرية صارمة سواء للجماهير التي ارتكبت الشغب وللفرق التي تسبب جماهيرها في ذلك.
وشدد محدثنا خلال حديثه، على أن معالجة ظاهرة شغب الملاعب تتطلب سياسة شمولية تدمج بين هذه الأبعاد والمقاربات بشكل متكامل، من أجل الحد من هذه السلوكيات وضمان أجواء رياضية آمنة.
وفي رده عن سؤال متعلق بما إذا كان منع تنقل الجماهير بمثابة حل فعال لتفادي ظاهرة الشغب، قال منير أوخليفا " يمكن القول إن هذا الإجراء يظل مجرد حل احترازي مؤقت، ولا يمكن أن يشكل علاجا جذريا لهذه الظاهرة. إذا تأملنا تاريخ شغب الملاعب، سنجد أنه ظاهرة قديمة، إذ شهدت الملاعب، خصوصا من 2000 إلى 2026، العديد من أحداث الشغب التي خلفت أضرارا جسيمة، من بينها وفيات وتخريب للممتلكات داخل الملاعب وخارجها. ورغم اعتماد قرار منع تنقل الجماهير في عدة مناسبات، فإن هذه الظاهرة استمرت، مما يؤكد أن هذا الإجراء لم ينجح في القضاء عليها، بل يظل تأثيره محدودا ومؤقتا، حيث تعود نفس السلوكيات بمجرد رفع المنع.
وأضاف: "علاوة على ذلك، فإن منع تنقل الجماهير له انعكاسات سلبية متعددة، فرياضة كرة القدم ليست فقط تنافسا داخل رقعة الملعب بين اللاعبين، بل هي أيضا تنافس شريف بين الجماهير، وحضور هذه الأخيرة يشكل جزء أساسيا من متعة اللعبة وروحها، كما أن التشجيع والحماس الذي توفره الجماهير ينعكس إيجابا على أداء اللاعبين ويدفعهم لتقديم أفضل ما لديهم. كما أن لهذا المنع آثارا اقتصادية مهمة، إذ تعرف المدن المستضيفة للمباريات حركية اقتصادية ملحوظة بفضل حضور الجماهير، تشمل قطاعات التجارة والنقل والفنادق وغيرها، وبالتالي فإن منع التنقل يؤثر سلبا على هذه الدينامية الاقتصادية، حتى وإن بدا هذا التأثير بسيطا في الظاهر، إلا أنه مهم في العمق."
كما سلط منير أوخليفا الضوء على تضرر مداخيل الأندية والجهات المنظمة نتيجة تراجع عدد الجماهير، مما يؤثر على خزينة الفرق وعلى تطوير كرة القدم الوطنية بشكل عام. "
وختم قائلا: "بناء على ذلك، فإن منع تنقل الجماهير لا يمكن اعتباره حلا دائما بل إجراء ظرفيا يجب أن يرافق بتدابير بديلة وأساسية، من قبيل تجهيز الملاعب بتكنولوجيا حديثة للمراقبة والتتبع كما هو الآن في ملعب الامير مولاي عبد الله، وتعميم التجربة في الملاعب الوطنية، وتفعيل بطاقة المشجع، ومنع الأشخاص المعروفين بأعمال الشغب من دخول الملاعب، إلى جانب تشديد العقوبات سواء السجنية والغرامات المالية على المتورطين في أعمال التخريب مما يقتضي تعديلا للقانون 09-09 المتمم للقانون الجنائي والمتعلق بتجريم شغب الملاعب. ومن جهة أخرى لابد من تأمين محيط الملعب بشكل مكثف، مع منع كل ما من شأنه أن يهدد سلامة اللاعبين والمنشآت داخل الملاعب وخارجها."