mardi 5 mai 2026
كتاب الرأي

عبد العزيز حنون: تاهركاويت حكم قيمة لا يرقى أن يكون مفهوما سوسيولوجيا !!

عبد العزيز حنون: تاهركاويت حكم قيمة لا يرقى أن يكون مفهوما سوسيولوجيا !! عبد العزيز حنون

لعل الكثيرين من هركاوة أمثالي مهاجرون غير مرغوب فيهم جاءوا من هنا وهناك لمدينة مليونية تبلع كل شيء ولا تشبع، البيضاء.. ولعلنا نشكل جيلا متأخرا من المهاجرين الذين أتت بهم الدراسة، وبعدها مهنة بعد معاناة مع الطبقية المقيتة،  للعيش بين ناسها و في هامشها..

من كانوا قبلنا من أبناء القبيلة هاجروا على دفعات من بداية القرن الماضي و كان السبب في غالب الأحيان اجتماعيا و هو البحث عن الرزق وفرصة عيش ولو على الهامش..

مرت سنوات القحط والفقر والأمراض الفتاكة التي كانت لا تترك في كل دوار إلا من عافه المرض.. هناك من هاجر خوفا من الإنتقام في أيام السيبة و التنافس بين القبائل و قياد المخزن الذين كانوا ينكلون بالدواوير ويسطون على كل شيء بلا كابح ..

لكن من أهم الهجرات التي عرفها مغرب اليوم هي الهجرة القروية المكثفة نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات..

يحكي لي أحد المهاجرين السابقين أنه في يوم من أيام الله في تلك الحقبة جمع أهل الدوار اسمالهم وابناءهم وتوجهوا لمسجد الدوار و بدأوا يبكون بأعلى صوتهم على حائطه من ألم فراق دوار لم يعد يطيب العيش على ظهره، إذ كانوا لا يجدون نهائيا ما يقتاتون به..

كانت محطة وداع أليمة ألقوا خلالها نظرة أخيرة على الديار و توادعوا فيما بينهم، لانهم لم تكن لهم وجهة محددة سلفا. بعدها تشتتوا في ارض الله .. منهم من قصد البيضاء ومنهم من ذهب للجنوب ومنهم من ذهب للغرب حوالي الرباط وسلا و منهم ومنهم ...

صاحبنا كان ممن أتى للبيضاء . يحكي أنهم ذهبوا لأحياء القصدير بسيدي مومن وهو وقتئد خلاء وقفار.. قال لي نزلنا هناك مثل الطيور التي  تبحث عن الماء وعن أماكن بعيدة لبناء عشوشها ..

كانوا يظلون في الموقف لفعل أي شيء أو لبيع السجائر بالتقسيط أو لبيع بعض الخضر أياما و شهورا حتى استقر حالهم على العمل في البناء كمساعدين في البداية "البالة والكرفي"  وبعدها أصبحوا معلمين حيث مكنتهم حرفتهم من شراء بقعة في أقصى المدينة و بنائها وتفريخ أبناء وجدوا ما يظلهم و يأويهم ويدرسهم دون أن يعرفوا لهذا المسار خبرا أو لاصلهم أهمية..

فقط بقي الآباء على نوستالجيا موزعة بين الألم حين يتذكرون "قلة الشي"  و الحنين لأجواء البادية الجميل أيام الخير و الخمير  ..

قال لي هذا الرجل إنه لم يكن بالسهل الاستمرار بالبيضاء لأنه كانت عملية ترحيل قسرية تقوم بها السلطات بالبيضاء، وكانوا طوال حياتهم اليومية يراوغون المخازنية و يختبئون عن لاراف أو الموشومة التي كانت تجمع كل من تصادفه من المهاجرين نحو فوريان لافوار و بعدها يتم توزيعهم على الكيران للعودة لدواويرهم بلا رحمة ولا شفقة ..

يحكي انه افلت كم من مرة من بين أيدي من استطاعوا الإمساك بهم .. ومن الطرائف أنه كان أحد أصدقائه طلب منه "المخزني" عنوان سكنه للتحقق من حقه في البقاء بالبيضاء فقال له أنا مغربي و أسكن في المغرب، فقال له بعنف بعد الاطلاع على وثائقه "زيد باباك نتا رحماني و تقول ليا راني ساكن في المغرب " فتم شحنه في الكار بقوة  .. لعلكم تستغربون كما أستغرب ان يحصل هذا بالمغرب . لكن كان هذا ضمن تاريخ الفقر والفقراء بالمغرب ..

 ما أثار انتباهي في موضوع الهجرة هذا هو أن صديقي  لما سألته ان يجيبني بصدق هل ندم على مغادرة الدوار.. قال لي  بالحرف " نحن الذين غادرنا تحسنت أحوالنا والذين بقوا في الدوار ما يزالون في الفقر المدقع ولم يحصدوا من ذلك سوى عذابات الشتاء والصيف..بلادي هي التي آكل فيها الخبز "

هل أنهت الهجرة الهركاوية نحو المدن أطوارها؟ بالطبع لا ..لأن العالم القروي ازداد  تهميشا واصبح العيش فيه مع توالي سنوات الجفاف صعبا ومصاريفه ارتفعت، و بالتالي دائما يغادر الشباب كرها البادية مباشرة بعد مرحلة الطفولة أو في جزئها الأخير نحو المدن  (لم يبق الا الشراف)  ليستقبل الوضع الاجتماعي المتفاقم في هوامش المدن أيضا جيلا جديدا من السكان و السكن غير اللائق  فيما اصطلح عليه اليوم بالسكن الاقتصادي.. حيث يتم عادة كراء الغرف لزيجات الشباب القادمين من البادية ..

دائما أصادف شابا وشابة تحمل رضيعا على ظهرها وهم في سن العشرينيات يبحثون عن أثاث بسيط: حصير، أغطية ، تجهيزات المطبخ البلاستيكية الرخيصة واشياء اخرى تناسب غرفة واحدة  مع الجيران .. هذا  فضلا، بطبيعة الحال، عن سكن الصفيح التقليدي الذي ما زال بدوره يتمطط ويتمدد متاقلما  على الدوام مع معطيات الواقع الإداري..

كان ضمن هذه الهجرة الهركاوية هجرة أخرى خارجية ..كان هناك طلب أوروبي كبير لليد العاملة ..وكان كل شاب مغربي يمني نفسه بالحصول على الباسبور لأنه كان الشرط الوحيد للمبادرة الاي كانت شبه مفتوحة نحو أوروبا ..كانت السلطات الإدارية تعرقل هذا الحق بسب وبلا سبب ..

كان أحد عمال البيضاء وقتئد يدخل كل من أراد الباسبور لاختبار خاص .. كان يضع بجانبه ربطة عنق مفتوحةو كل وافد عليه طلب الباسبور يختبره في قدرته على ربط ربطة العنق و كان الهركاويون لا يستطيعون فعل ذلك فيجيبه أنت لا تعرف كيف تربط الكرافاطة وتريد أن تذهب للخارج ويطرده، كثير منهم كانوا طلبة "هركاويين" نجباء  .. منهم من أفلت من هذا التصنيف البليد و هم اليوم من أكبر الاطر والباحثين في العالم ..

الحديث اليوم عن هركاوة بشكل فج يتزامن مع حملات الهدم والترحيل  و "تنقية" وسط المدينة من كل الفقراء نحو النواحي و الضواحي، لتبقى المدينة لأهلها و اقتصادها بلا تشويش على من يمتلك سلطة المال والأعمال كما هو منطق سوسيولوجيا المدينة (المركز مقابل الضاحية) حيث علميا كل المؤشرات والمحددات داخل المجالين بينها فوارق ما بين السماء والأرض.. فهل هي مجرد مصادفة ؟؟