mardi 28 avril 2026
فن وثقافة

سعيد بنيس يقارب في إصدار جديد الانتقال من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية

سعيد بنيس يقارب في إصدار جديد الانتقال من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية سعيد بنيس وغلاف الكتاب

بنيس حفرياته في اركيولوجيا " تَمَغْرِبِيتْ" بإصدار جديد موسوم ب" نْيُوتَمَغْرِبِيتْ" يتناول فيه تمفصلات المواطنة الواقعية بالمواطنة الافتراضية من خلال زاوية الأنثروبولوجيا الديجيتالية.  ومن أجل الالمام بجوانب من "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ" كمواطنة جديدة ذات طبيعة افتراضية، يقف المؤلف في الفصل الأول من الكتاب على مكونات المجتمع الافتراضي، بينما يركز في الفصل الثاني على المقاربة البحثية لهذا المجتمع. ويناقش في الفصل الثالث تمظهرات الانتقال من "تَمَغْرِبِيتْ" كصيغة واقعية إلى " نْيُوتَمَغْرِبِيتْ" كانعكاس افتراضي لمقولة المواطنة، لينتهي في آخر الفصول إلى مناقشة التمكين القيمي لمواطنة "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ". 

وللإجابة على سؤال كيف يمكن للمصفوفة القيمية التي أفرزها الفضاء الافتراضي أن تؤثر في الممارسات المجتمعية للفرد؟ يرى صاحب الكتاب،  بأنه يتوجب أولا التمييز بين ما  هو افتراضي وما هو رقمي وما هو ديجيتالي، موضحا أن الحديث عن التأثير هو حديث ليس على العالم الافتراضي الذي يقابله عامة العالم الواقعي وليس كذلك حقلا للعالم الرقمي الذي يحيل على أساليب تقنية لتدبير الحياة العامة المجتمعية، بل مرده أساسا إلى الطبيعة الديجيتالية التي تعتبر الجانب الناعم للرقمي والافتراضي، لا سيما أن في طياتها يتمكن الفرد من أن يؤثر ويتأثر من خلال "بصمته" ومن ثم أن يغير من سلوكاته وممارساته الشخصية ويبدع قيما جديدة تتماشى وتحاكي مجتمعه الافتراضي. 

ومع تراجع محاضن التنشئة التقليدية بل واستقالتها، يؤكد بنيس أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط بأن الاستنتاج العام، هو أنه تولدت تنشئة مجتمعية عفوية ومشخصنة، تمت عبر جسر الشق الديجيتالي لوسائط التواصل الاجتماعي، وهو ما نتج عنه - يقول صاحب الكتاب - تسونامي قيم افتراضية متموجة تتماهى وتحاكي وتعاكس وتعارض في نفس الآن القيم الواقعية.

 من هذا المنطلق، قال سعيد بنيس: " كأننا أمام عالمين متوازيين وأن الفرد فردين وله هويتين هوية واقعية وهوية افتراضية"، مضيفا أن مفارقات واقع الفضاء الافتراضي، " يجعل منه عالما تختلط فيه عدة هوامش منها كونه واقعا يعكس في الآن نفسه تجسيدا للمتنفس والحرية والمواطنة والتضامن والتداول والتعبئة والإدمان والتعويض والعنف والكراهية والعنصرية والتسول والانعزالية والتفاهة والقذارة والعمى القيمي.

من هذا المنظور، يعبر صاحب المؤلف عن اعتقاده الراسخ بضرورة فهم وتوصيف محددات البيئة الافتراضية من خلال التمييز بين ثلاثة حقول وهي الافتراضي والرقمي والديجيتالي، وتبيان ممارسات "الأفراد المتصلون" و"المجموعات الافتراضية " و"المؤثرون الافتراضيون" وهيمنة الخوارزميات وأفول البراديغمات.

لهذا صارت  المقاربة البحثية للمجتمع الافتراضي في علاقتها بهذه المحددات رهينة بمداخل الأنثروبولوجيا الديجيتالية، وطبيعة المتن الديجيتالي واستراتيجيات وتقنيات الاتصال، مع مراعاة المعايير والأخلاقيات المنهجية.  في هدا الصدد، يبرز الأستاذ بنيس الذى اعتبر بأن هذه المقاربة تمكن من فهم وتوصيف الانتقال من المجتمع الواقعي (مجتمع التواصل) إلى المجتمع الافتراضي (مجتمع الاتصال)، والإمساك بتمظهرات "الرباط الديجيتالي" في علاقته بتداعيات النزوح الافتراضي وتأثيراته على التمثلات الهوياتية، وتفعيل سيولة أفق الاتصال والتحكم في مستقبل حرية التواصل.

غير أن بنيس يوضح في هذا السياق، بأنه يمكن ربط التنشئة الديجيتالية بالتحولات القيمية التي أفضت إلى مواطنة جديدة ذات طبيعة افتراضية، مكنت في الحالة المغربية من الانتقال من مقولة تَمَغْرِبِيتْ إلى مقولة "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ"، التي كان قد اقترحها عقب حملة المقاطعة التي عرفها المغرب سنة 2018، وذلك من خلال توظيف "مقولة الحقول المغناطيسية" لفهم وتوصيف ظهور قيم سالبة وانزلاقات ديجيتالية،  والتي تفرض نوعا جديدا من الضبط الديجيتالي في أفق تبيئة الفضاء الافتراضي المغربي.

من هذه الزاوية، خلص إلى القول أن " الانتقال من تَمَغْرِبِيتْ" كوعاء هوياتي يحتضن جميع عناصر الشخصية المغربية بما فيها العناصر الثقافية والتاريخية والحضارية والإنسانية إلى "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ"،أفضى إلى مواطنة افتراضية جديدة بمكونات وتجليات مغايرة لمثيلتها في الحياة الواقعية"، حيث صارت هذه المواطنة منقسمة إلى شقين، يتكون - في نظره - الشق الأول من قيم إيجابية مُمَكِّنَة تنحو منحى ترسيخ ممارسات التضامن والتعايش والانسجام والتعبئة ، والإسهام في بناء فضاء مواز للتداول المتنوع والترافع المتكامل حول قضايا الشأن العام المغربي، وإعادة توهج النبوغ المغربي واكتشاف حضارة وتاريخ الأمة المغربية من بوابة الفضاء الافتراضي.

أما الشق الثاني من هذه المواطنة الافتراضية فيحيل على قيم سلبية وسالبة غايتها خلق بيئة هجينة وغرائبية، تنتج عنها حالة من الاحتباس والتشنج القيمي مرتبط بتفشي "وصم افتراضي" يبنى على نعوت من قبيل "هَرْكَاوَة" و"عَيَّاشَة" و"زْلاَيْجِيَّة" و"لْحَايْسِيَّة" و "لَحْنَانْ" و" مَدَاوِيخْ" و "طَبَّالَة ". وحسب الأستاذ بنيس  يمكن أن يؤدي هذا الربرتوار الديجيتالي إلى تقويض ركائز العيش المشترك والرابط الاجتماعي، بل يكاد يكون خطرا على السلم المجتمعي واستمرارية مكونات التعايش.  

وتباعا، لا تعدو أن تكون القيم السالبة الصاعدة من البيئة الافتراضية المغربية سوى انزلاقات ديجيتالية قد تهيمن تداعياتها على مستقبل الأجيال القادمة، ليصير المجتمع الافتراضي المغربي مجتمعا يعج بغرائبية هوياتية وقيم وممارسات عمياء تضرب في عمق مقولة المواطنة الافتراضية المرتبطة بنْيُوتَمَغْرِبِيتْ، وحيث يصبح "الريع الديجيتالي" هو أسمى مراتب الحظوة المجتمعية. وهو ما استخلصه مؤلف كتاب نْيُوتَمَغْرِبِيتْ" الواقع في 240 صفحة من الحجم المتوسط، ويتضمن أربعة فصول تتعلق بمكونات المجتمع الافتراضي، والمقاربة البحثية للمجتمع الافتراضي، والانتقال من تَمَغْرِبِيتْ إلى نْيُوتَمَغْرِبِيتْ،  وطبيعة التمظهرات القيمية لمجتمع نْيُوتَمَغْرِبِيتْ.

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg