في المغرب اليوم، لم يعد ممكناً قراءة الانتخابات المقبلة بالعدسات القديمة نفسها. فالمشهد السياسي والاجتماعي يعيش تحولاً عميقاً، عنوانه الأبرز صعود جيل جديد لم يعد يقبل أن يكون مجرد كتلة انتخابية صامتة، أو رقماً يُستدعى فقط يوم الاقتراع. هذا الجيل، في المدن كما في البوادي، يحمل وعياً مختلفاً، وتطلعات لا تشبه كثيراً ما تعرضه الأحزاب التقليدية في برامجها وخطاباتها.
الجيل الجديد في المغرب نشأ في سياق متناقض. من جهة، هو أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر قدرة على المقارنة بين واقعه وواقع شباب آخرين في دول مختلفة. ومن جهة أخرى، يجد نفسه أمام صعوبات يومية مرتبطة بالتعليم، والشغل، والصحة، والسكن، والكرامة الاجتماعية. هذا التناقض خلق لديه شعوراً قوياً بأن الخطابات السياسية المتداولة لا تلامس عمق مشكلاته، وأن الوعود الانتخابية غالباً ما تبقى أسيرة لغة عامة، بعيدة عن احتياجاته الحقيقية.
ما يميز هذا الجيل أنه لا يثق بسهولة. لقد راكم تجربة سلبية مع السياسة، ليس بالضرورة لأنه يرفضها من حيث المبدأ، بل لأنه يرى أن الأحزاب لم تنجح في تجديد نفسها، ولا في إنتاج نخب قريبة منه. الأحزاب التقليدية، بما فيها الحزب ذو المرجعية الإسلامية، ستجد صعوبة كبيرة في إقناعه، لأنها تخاطبه بمنطق قديم: الوعود، الشعارات، الرموز، والاصطفافات الإيديولوجية. بينما الجيل الجديد يسأل أسئلة مباشرة: أين فرص العمل؟ أين جودة التعليم؟ أين العدالة المجالية؟ أين الحق في مستقبل واضح؟ وأين صوت الشباب داخل القرار الحزبي والمؤسساتي؟
في المدن، يتجلى هذا التحول بشكل واضح عبر شباب أكثر احتجاجاً وانتقاداً، وأكثر حضوراً في الفضاء الرقمي. هذا الشباب لا ينتظر المعلومة من الحزب أو الجريدة أو الخطيب السياسي، بل يصنع رأيه عبر الشبكات الاجتماعية، والنقاشات اليومية، والتجارب الشخصية. أما في البوادي، فالصورة لا تقل أهمية. فالشباب القروي لم يعد معزولاً كما كان في السابق. هو أيضاً يقارن، ويتابع، ويحلم، ويشعر بأن الفوارق المجالية تحاصره. لذلك قد تكون كلمته حاسمة، خاصة إذا شعر بأن الانتخابات يمكن أن تكون وسيلة لمعاقبة من خذله أو دعم من يتحدث بلغته.
التحدي الأكبر أمام الأحزاب ليس فقط إقناع الجيل الجديد بالتصويت، بل إقناعه بأن السياسة ما زالت قادرة على التغيير. وهذا لن يتحقق بخطابات موسمية أو وعود جاهزة، بل بمشاريع واقعية تتحدث عن التشغيل، والكرامة، ومحاربة الفساد، وتكافؤ الفرص، وإدماج الشباب في مراكز القرار. فالشباب لا يبحث عن زعيم جديد بقدر ما يبحث عن معنى جديد للسياسة.
لذلك، يمكن القول إن الجيل الجديد سيكون رقماً حاسماً في الانتخابات القادمة، سواء شارك بكثافة أو عبّر عن موقفه بالعزوف. ففي الحالتين، ستكون له الكلمة العليا: إن صوّت، سيعيد تشكيل الخريطة؛ وإن قاطع، سيكشف عمق أزمة الثقة.





