لماذا تُنسى بعض الأسماء رغم أنها كانت في قلب الأحداث التي شكلت منعطفا تاريخيا؟ يفرض هذا السؤال نفسه بقوة عند استحضار علي الحمامي، أحد أكثر المفكرين المغاربيين جرأة في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد أقلهم حضوراً في الذاكرة الجماعية. جمع الرجل بين التجربة النضالية والفكر النقدي، وطرح مبكراً إشكالية لا تزال راهنة إلى اليوم: كيف يمكن لشعوب المغرب الكبير أن تتحرر دون أن تستعير نماذج جاهزة لا تنتمي إلى واقعها وهويتها؟ أي كيف يمكن بناء مشروع تحرر وطني ينطلق من التحليل الملموس للواقع الاجتماعي والتاريخي، لا من إسقاط قوالب نظرية مستوردة.
لم يكن الحمامي مجرد مناضل شارك في حرب الريف إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي، ولا مجرد مثقف جاب عواصم العالم من موسكو إلى بغداد، بل كان صاحب رؤية نقدية حاول من خلالها الربط بين الفعل الثوري والتأطير الفكري. بين الكفاح المسلح والانخراط في الحركات الأممية ثم نقدها، وشق مساراً معقداً جعله خارج التصنيفات الجاهزة، وربما خارج السرديات الرسمية التي فضّلت نماذج أكثر بساطة أو قابلية للاحتواء.
فإذا كانت بعض الأسماء تختفي من الذاكرة، فإن ذلك لا يعود دوماً إلى غياب تأثيرها، بل أحياناً إلى صعوبة إدراجها ضمن روايات جاهزة. من هذا المنطلق، تبدو إعادة اكتشاف الحمامي اليوم محاولة لاسترجاع صوت فكري سعى إلى الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن بناء مشروع تحرري مرتبط بالهوية والتاريخ، وليس بالخارج، في سياق يرتبط فيه التحرر الوطني أيضاً بإشكالية السيادة الفكرية والثقافية.
من الريف إلى بغداد: مسار استثنائي
وُلد الحمامي سنة 1902 بمدينة تيارت الجزائرية، من أم سوسية وأب من أصول ريفية مغربية (من قبيلة آيت ورياغل بجبل لحمام، ومنه عُرف بـ "الحمامي")، وهذا الانتماء المزدوج لم يكن مجرد معطى بيوغرافي، بل أسهم في تشكيل وعيه المغاربي الوحدوي. تميز بتكوين استثنائي، إذ أتقن عدة لغات (الأمازيغية، العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية، والروسية)، واطلع على الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية والتيارات الحديثة، حتى وصفه علال الفاسي بأنه "مكتبة تاريخية"[1]، في إشارة إلى قدرته على الجمع بين المعارف المختلفة ضمن رؤية تركيبية.
بين الفعل والنظر: نقد الإيديولوجيات من الداخل
انخرط الحمامي مبكراً في النضال، وشارك في حرب الريف حيث تبلورت لديه قناعة أساسية: الكفاح المسلح وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى تأطير فكري واضح. عبّر عن ذلك بقوله "الكفاح المسلح يجب أن يرتبط بفكرة"[2] وهي عبارة تختزل وعيه بدور الفكر في توجيه الفعل التاريخي.
توجه سنة 1923 إلى الاتحاد السوفييتي كمبعوث عن الثورة الريفية، واحتك بقيادات بارزة مثل ليون تروتسكي وغريغوري زينوفييف، كما ربطته علاقة نضالية بهو تشي منه وقيادات حركات التحرر العالمية. لكن هذه التجربة لم تدفعه إلى التبعية الإيديولوجية؛ بل على العكس، خرج منها بموقف نقدي مبكر، تجلى في مقاله "يد عاملة أهلية" سنة 1925، حيث فضح التناقض داخل الأوساط الشيوعية الفرنسية، مشيراً إلى استمرار النزعة التمييزية حتى داخل التيارات المناهضة للاستعمار.
وكذلك ساهم في التحضير لتأسيس "نجمة شمال أفريقيا"، وشارك في مؤتمر بروكسيل سنة 1927 ضمن "العصبة المناهضة للإمبريالية"، رابطاً القضية المغاربية بالسياق العالمي دون أن يفقد خصوصيتها. غير أن التحولات التي عرفها المعسكر الشيوعي، خاصة مع صعود الستالينية، دفعته إلى مراجعة مساره، خصوصاً بعد اعتقال عدد من رفاقه وتصفيتهم[3].
إدريس: رواية تأسيسية في النقد ما بعد الكولونيالي
بعد تنقله بين عدة بلدان، استقر الحمامي في بغداد واشتغل مدرساً للتاريخ الإسلامي. هناك كتب، بين سنتي 1941 و1942، عمله الأبرز "إدريس: رواية شمال أفريقية[4]، الذي يُعد أكثر من مجرد عمل أدبي، بل مشروعاً فكرياً متكاملاً.
من خلال شخصية "إدريس"، بطل الرواية يقدم الحمامي قراءة نقدية عميقة للواقع المغاربي، مؤكداً أن التحرر لا يقتصر على مواجهة الاستعمار، بل يشمل أيضاً مقاومة "طغيان الداخل المتحالف معه"[5]. كما ينتقد المناهج التعليمية التي يراها أسيرة الجمود رغم قدرتها على التحول إلى أداة للنهضة إذا تحررت من التقليد[6].
يمتد نقده إلى توظيف الدين، سواء في صيغته الداعمة للاستعمار، حيث يشير إلى أن المسيحية في جوهرها تدعو إلى الخلاص والوئام ولا تبرر الاستعمار[7]، أو في أشكال التدين المنغلق كالوهابية القائمة على التقليد والطرقية. كما ينتقد الاستعمار الفرنسي بوصفه قائماً على القمع ومعاداة التنوير، ويهاجم ما يسميه "العلمانية الزائفة" التي تخدم التوسع الاستعماري.[8]
ولا يتردد الحمامي في نقد بعض المثقفين الفرنسيين، بمن فيهم الشيوعيون، إذ يؤكد أن غاية الأمم الكبرى هي الهيمنة، فنحن لسنا في نظر الملكي أو الجمهوري أو الشيوعي غير مستعمرات وغير سلعة كما ينتقد النقابات التي لا تعكس واقع العمال، مبرزاً احتمال تحالف العمال الفرنسيين المستفيدين من الامتيازات مع الرأسماليين والمعمرين[9]
اللحظة الحاسمة: نقد الماركسية كـإيديولوجيا جاهزة
ومن أكثر أطروحاته جرأة نقده للإيديولوجيات الجاهزة، بما فيها الماركسية، التي يرى أنها قد تتحول إلى أداة هيمنة إذا لم تُفهم في سياقها. يتساءل عن مدى ملاءمة مفاهيم مثل "فائض القيمة" أو "ديكتاتورية البروليتاريا" لمجتمعات زراعية محلية، محذراً من أن "حرب الطبقات" قد تربك التوازنات الاجتماعية. ويؤكد على أنه "لآ يجب أن تخدعنا الألفاظ".[10]بالمقابل يدعو الحمامي إلى فكر ينبثق من الواقع، ويعتبر أن المقاومة الفعالة تجمع بين الفعل والتنظير، وأن الهزيمة ليست نهاية بل لحظة لإعادة البناء عبر التعليم والتنظيم.[11] كما يشدد على أهمية البنى المحلية، مثل الأعراف (الأزراف)، باعتبارها ركيزة لتنظيم المجتمع ومقاومة الهيمنة[12].
وعند تناوله لفشل تجربة الريف، يطرح سؤالاً حاسماً: "الكلمة أو البارود" لكنه لا يقدمه كاختيار ثنائي، بل كدعوة إلى بناء مقاومة متجذرة في المجتمع، تنطلق من مؤسساته الرمزية كالمسجد، وتستخدم أدوات حديثة مثل الإضراب العام لمواجهة مشاريع التقسيم، مثل ظهير 16 ماي 1930.[13]
أنتايوس المغاربي: اكتشاف مبكر للهيمنة الثقافية
في خاتمة الرواية، يستحضر الحمامي أسطورة "أنتايوس"، الذي يستمد قوته من الأرض، ليؤكد أن الشعوب تفقد قوتها عندما تنفصل عن واقعها. وتحمل هذه الاستعارة دلالة عميقة تتجاوز البعد الرمزي، إذ تكشف عن وعي مبكر بآليات الهيمنة الثقافية، التي تقوم على اقتلاع الشعوب من سياقاتها التاريخية وفرض نماذج فكرية جاهزة عليها. وهنا يكمن جوهر عبقرية الحمامي النقدية: لقد أدرك، قبل غيره من منظري ما بعد الكولونيالية لعقود، أن المشكل البنيوي لتخلف شعوب الجنوب والشرق لا يقتصر على الاستعمار بشكله المادي التقليدي: (النهب، العسكرة، الإدارة المباشرة)، بل يتجاوزه إلى البعد اللامادي الثقافة، الرموز، أنظمة المعرفة، والتمثلات. بعبارة أخرى، فإن أخطر أشكال الهيمنة هي تلك التي تجعل المستعمَر يعيش في عقل المستعمِر، ويقيس واقعه بمقاييس مستوردة لا تنتمي إليه، ويظن أن خلاصه يكمن في التخلي عن هويته لا في تحريرها. فالاستعمار، في التحليل الحمامي، لم يكتفٍ بنهب الثروات أو فرض الإدارة، بل سعى إلى إعادة إنتاج العقول على مقاس المركز الأوروبي، وجعل الشعوب المستعمَرة تنظر إلى نفسها بعين الغرب، وتستورد حلولاً جاهزة لمشكلات لم تنبت من أرضها. ومن هنا كان إصرار الحمامي على ضرورة بناء مشروع تحرري ينبثق من الواقع المحلي، لا من الكتب النظرية المستوردة، مهما كانت عدتها الأيديولوجية.
وفي هذا المستوى، يلتقي طرح الحمامي مع تصور "أنطونيو غرامشي" حول الهيمنة الثقافية، ومع المفكر "إدوارد سعيد" في نقده للاستشراق لتمثلات الشرق المفروضة من الخارج. بل يمكن القول إن الحمامي قد سبق سعيد في كشف أن "الشرق" ليس مجرد كيان جغرافي، بل خطاب وهيمنة معرفية تُنتجها المؤسسات الغربية. فالمجتمعات، وفق رؤية الحمامي، لا تُهزم فقط بالرصاص، بل بالفصل عن ذاكرتها وقيمها وأنساقها الرمزية.
فكما أن "أنتايوس" لا يُهزم إلا عندما يُفصل عن الأرض، فإن المجتمعات تفقد قدرتها على المقاومة عندما تُفصل عن ثقافتها وتاريخها وأنظمتها المعرفية الذاتية. التحرر إذن، ليس مجرد استرجاع، القدرة على إنتاج المعرفة، بل استعادة الثقة في أن حلول مشاكلنا البنيوية ومساراتنا التحررية يمكن أن تنبع من واقعنا، لا من مراكز القوى التي صنعت تخلفنا.
نهاية مفاجئة وسؤال مفتوح
توفي علي الحمامي سنة 1949عن عمر 47 سنة في حادث تحطم طائرة قرب كراتشي، بينما كان يشارك في مؤتمر إسلامي ويدافع عن قضايا المغرب الكبير. برحيله، خسر الفكر المغاربي صوتاً نقدياً كان يمكن أن يسهم في بلورة مشروع تحرري أكثر استقلالاً.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا، والتي تضرب في صميم السؤال الذي افتتحنا به المقال: لماذا يُنسى مؤسس لحركة التحرر المغاربية والعالمية؟ في اعتقادنا المتواضع تكمن الإجابة في أمرين مهمين:
أولا: التهميش في الذاكرة الوطنية:
يستغرب الباحث بديهة كيف أن الحمامي، بهذه القيمة النضالية التي تجمع بين الوطني والأممي، وبحجم مساهمته الفكرية، يكاد يكون غائبًا تمامًا عن السرديات التاريخية الرسمية للحركة الوطنية في المغرب. إنه "المفكر المنسي" بامتياز، ليس بسبب هامشيته، بل ربما بسبب مواقفه ومبادئه غير المريحة للروايات الجاهزة.
ثانيا: الغياب الأكثر غرابة
والأكثر اثارة للاستغراب والمرارة، أن هذا المناضل اليساري الكبير، والذي خبر جميع الأحزاب الشيوعية واحتك بها وشكلت نسيج فكره ومساره يكاد يكون غيابه مطبقا داخل أدبيات الأحزاب اليسارية المغربية والعمالية ذاتها. إنها مفارقة مذهلة: حزب أو تيار يناضل من أجل العدالة الاجتماعية ويتغذى على أمجاد النضال الأممي، يتجاهل أحد أبرز رواده الذين دفعوا الثمن غاليًا. كيف يمكن لـ "الحزب الشيوعي المغربي" السابق وأحفاده السياسيين ألا يجدوا في "علي الحمامي" أيقونة وأبًا روحيًا؟
كما إن غيابه عن المصادر والمراجع التي أرخت لحرب تحرير الريف، والتي كان أحد صنّاع قرارها ومبعوثيها الدوليين، هو الآخر يشي بوجود قطيعة معرفية متعمدة أو غير واعية. وكيف لرواية "ادريس" التي تحلل فشل الريف نقديًا، أن تُهمل من قبل الذين يكتبون عن الريف؟ هل لأن الحمامي تجرأ على القول بأن "الفكرة" قد تحتاج أحيانًا إلى أن تسبق "البارود"، وبالتالي هو خارج منطق التبجيل غير النقدي للتاريخ؟ هل لأن مشروعه كان أكبر من أن تحتمله الحدود الضيقة للأيديولوجيات الجاهزة؟ أو عجز العقل المغربي عموما والعقل الريفي خصوصا من استيعاب فكر ورؤية هذا المفكر؟
هذا الصمت المزدوج الوطني والأيديولوجي، لا يفسر فقط حجم النسيان، بل يكشف عن أزمة أعمق في الثقافة السياسية المغربية، أزمة التعامل مع الموروث السياسي المغربي، حيث يُحتفي بالمناضل "الشهيد" و"البطل" طالما ظل تابعا ومستهلكا لما هو سائد، لكنه يُقصى بمجرد أن يتحول إلى مفكر نقدي يجرؤ على مساءلة أسس النضال ذاته.
الخلاصة:
إذا كان الحمامي قد غاب عن اليسار وعن السرديات الوطنية، فإن استعادته اليوم ليست محاولة لصنع قديس جديد أو أيقونة بديلة. إنها محاولة لاستعادة منهج في النقد أكثر منها استعادة لشخص. إنها اعتراف بأن طريق التحرر لا يكتمل إلا بمراجعة دائمة للذات، وأن "السيادة الفكرية" التي نادى بها تبدأ بالقدرة على نقد أدواتنا وأساطيرنا، مهما كانت مقدسة. وبقدر ما يظل الحمامي منسيًا، بقدر ما نبقى أسرى لروايات لم نجرؤ بعد على تجاوزها.
واليوم، تبدو أفكار الحمامي أكثر راهنية من أي وقت مضى، في عالم يشهد تحولات جيوسياسية عميقة وصراعات لإعادة إنتاج الهيمنة. وفي هذا السياق، يعود سؤاله الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح: كيف يمكن بناء مشروع تحرري لا يستورد مفاهيمه، بل يستمد قوته من أرضه وتاريخه؟ أي كيف يمكن إعادة وصل الإنسان المعاصر بأرضه، حتى يستعيد قدرته على الفعل والتحرر والتموضع في الجانب الصحيح من التاريخ.
ملاحظة: تجدر الإشارة الى أن معرفتنا بشخصية علي الحمامي يرجع الفضل الى صديقي المناضل ادريس السكاكي اللذي كان سباقا الى التعريف بهذه الشخصية الفكرية وإبراز قيمتها.
انطايوس في الميثولوجيا الإغريقية، هو عملاق أمازيغي ابن "بوسيدون" إله البحر و"غايا" إلهة الأرض. كان ملكاً على ليبيا، وكان يفرض على كل عابر أن يصارعه. سر قوته الخارقة يكمن في اتصاله الدائم بالأرض (أمه غايا)، فكلما سقط على الأرض، كانت تمنحه قوة جديدة لا تقهر. اكتشف البطل "هرقل" (هيراكليس) هذا السر، فلم يصرعه بالقوة المباشرة، بل رفعه عالياً عن الأرض، وأمسكه في الهواء حتى استنزف قوته تماماً، ثم خنقه.
الهوامش
1 علي الحمامي… أباً مُبكّراً للفكرة المغاربية؟ بقلم شكيب أرسلان الجؤيدة الالكترونية المناضلة انفو.
2 ادريس رواية شمال أفريقية تعريب محمد ناصر النفزاوي، ص. 367 معهد الهوفار 2011.
3 علي الحمامي، نفس المقال السابق.
ادريس، نفش المرجع السابق. [4]
5 نفسه، ص 296.
6 نفسه، ص، 273.
7 نفسه، ص، 246.
8 نفسه، ص، 249.
9 نفسه، ص، 359.
10 نفسه، ص، 363.
11 نفسه، ص، 373، وص، 363.
12 نفسه، ص343.
13 نفسه، ص، 415.





