يقدّم يوسف بونوال، رئيس منظمة المهن والمقاولات لحزب الحركة الشعبية، في هذا الحوار قراءة نقدية لسياسة الدعم بالمغرب، متوقفًا عند حدود نجاعتها في حماية القدرة الشرائية، ومخاطر انحرافها نحو الريع، داعيًا إلى تقنينها وربطها بشروط دقيقة لضمان فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية.
ما الذي دفع الحكومات إلى اعتماد الدعم كآلية تدخل اقتصادي، وهل لا يزال يحقق الأهداف التي أُنشئ من أجلها؟
تلجأ بعض الحكومات إلى آلية تدبير الدعم من أجل تأطير بعض القطاعات أو الفئات المهنية، وكذلك دعم بعض السلع والخدمات التي لها علاقة مباشرة بالمستهلك. هذه الآلية الاقتصادية تُعتمد أساسًا لتصحيح اختلالات معينة، وقد تكون ظرفية أو تمتد بشكل مستدام.
وبالنسبة للمغرب، لا تزال بعض السلع تستفيد من الدعم بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمستهلك. غير أن هذه الآلية تظل سلاحًا ذوحدين، إذ إن استعمالها بشكل دائم وغير عقلاني قد يؤدي إلى نتائج سلبية أكثر من الإيجابية، وهناك أمثلة عديدة على ذلك.
من موقعك كفاعل اقتصادي وسياسي، متى يكون الدعم ضرورياً لإنقاذ السوق، ومتى يتحول إلى عبء يعرقل دينامياته؟
دعم بعض الفئات أو السلع قد يكون، في كثير من الأحيان، ضرورة حتمية لإنقاذ السوق وتخفيف الضغط على القدرة الشرائية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والفقيرة التي لا يواكب دخلها ارتفاع الأسعار.
في المغرب، لاحظنا لجوء الحكومة إلى دعم مهنيي النقل بعد ارتفاع أسعار المحروقات، غير أن هذا الدعم ظل محدودًا مقارنة بحجم الطلب الحقيقي. كما تم دعم مستوردي الأغنام والأبقار لضبط الأسعار، لكن هذه الآلية لم تحقق أهدافها، بل أثارت جدلًا سياسيًا واسعًا، حيث وُجهت اتهامات بتحويل الدعم إلى جيوب المستوردين، إلى درجة تداول مصطلح «الفراقشية» في الخطاب السياسي.
لذلك، ينبغي أن يتم تنزيل الدعم بحذر شديد، بعد دراسة أثره وتحديد شروط الاستفادة بدقة، مع فرض قيود تنظيمية وقانونية على المخالفين، باعتبار أن الأمر يتعلق بالمال العام. كما يجب أن يظل الدعم ظرفيًا حتى لا ينحرف عن هدفه ويصبح آلية ريعية بدل كونه وسيلة لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
كيف تفسر تحول الدعم من إجراء ظرفي إلى ما يشبه “نظاماً اقتصادياً موازياً” داخل بعض القطاعات؟
للأسف، تلجأ الحكومة في كثير من الأحيان إلى الحلول السهلة. فعند ظهور مشكل في قطاع معين، بدل البحث عن حلول اقتصادية مبنية على دراسات علمية وميدانية، يتم تخصيص ميزانية لدعم ذلك القطاع لفترة محدودة، دون توفير الشروط الكفيلة بإنجاح هذا الدعم.
وقد أظهرت التجارب أن هذه المقاربات لا تحظى بإجماع حتى داخل الفئات المستهدفة، كما هو الحال بالنسبة لمهنيي النقل ومستوردي الأبقار، حيث لم تنعكس آثار الدعم على الأسعار التي ظلت مرتفعة.
إن الطابع الاستعجالي والفجائي لهذه التدخلات يدفع الحكومة إلى تدبير الأزمة بمنطق آني، دون اعتماد حلول جذرية ومستدامة قادرة على تصحيح الاختلالات الاقتصادية بشكل فعلي.
هل ترى أن الدعم يصل فعلاً إلى الفاعلين المنتجين، أم أن جزءاً منه يتسرب إلى فاعلين غير مستحقين؟
تحديد الفئة المستهدفة يُعد شرطًا أساسيًا لضمان توجيه الدعم إلى مستحقيه. غير أن هذا الشرط لا يتحقق دائمًا، حيث نلاحظ أن بعض الفاعلين الاقتصاديين يبادرون إلى تأسيس شركات فقط للاستفادة من الدعم، وليس للمساهمة في تصحيح السوق.
كما أن ضعف آليات تحديد المستفيدين يهدد نجاعة هذه السياسة، وهو ما أكدته تصريحات وزير الميزانية داخل البرلمان، حين أقر بعدم نجاح تجربة دعم مستوردي الأغنام.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الدعم يُستخدم أحيانًا لامتصاص الاحتقان الاجتماعي أو لإرضاء فئات معينة، بدل أن يكون قرارًا اقتصاديًا محكومًا بالنجاعة. والحال أن القرارات السياسية يجب أن تنطلق من اعتبارات اقتصادية واجتماعية تضمن كرامة المواطن وتحسن ظروف عيشه.
كيف يؤثر استمرار الدعم غير المشروط على روح المبادرة والاستثمار لدى المقاولات؟
الدعم، في الأصل، يمكن أن يساهم في ضبط السوق، لكنه في بعض الحالات قد يضعف روح المبادرة ويخلق منافسة غير متكافئة.
ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض المقاولات الكبرى أو المستوردون من الدعم، نجد آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة تعاني، حيث أعلنت ما بين 40 إلى 50 ألف مقاولة صغرى عن إفلاسها.
وهذا يبرز غياب التوازن في توزيع الدعم، رغم أن هذه المقاولات تمثل نسبة كبيرة من النسيج الاقتصادي المغربي قد تصل إلى 95%، مما يجعل هذا الوضع مؤشرًا مقلقًا على مستوى العدالة الاقتصادية.
كيف يمكن، من وجهة نظرك، إعادة توجيه الدعم ليخدم الإنتاج والقيمة المضافة بدل الريع؟
ينبغي مأسسة الدعم كآلية اقتصادية قائمة على تدبير قبلي واستباقي، بعيدًا عن منطق التدخلات الاستعجالية.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في إحداث مؤسسة مختصة تتولى تأطير الدعم، عبر تحديد شروط الاستفادة ضمن دفاتر تحملات واضحة، مع التنسيق مع مؤسسات مثل مجلس المنافسة لضمان الشفافية والنجاعة.
الدعم معمول به في مختلف الاقتصاديات، لكنه يجب أن يُوظف كآلية للتصحيح وليس لفرض واقع دائم، حتى لا يتحول إلى أداة ريعية تربك قواعد تدبير المقاولات وتؤثر سلبًا على تنافسية الاقتصاد.





