jeudi 23 avril 2026
اقتصاد

تاريخ الدار البيضاء عبر بواخر نقل المسافرين.. موضوع محاضرة للخبير البحري بوزوبع

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
تاريخ الدار البيضاء عبر بواخر نقل المسافرين.. موضوع محاضرة للخبير البحري بوزوبع عبد الفتاح بوزوبع، خبير بحري ومؤسس المتحف البحري الرقمي museemaritime.ma

قدّم الخبير البحري ومؤسس المتحف البحري الرقمي museemaritime.ma، عبد الفتاح بوزوبع، محاضرة بعنوان "تاريخ الدار البيضاء في زمن بواخر نقل المسافرين"، وذلك بدعوة من جمعية "كازاميموار"، يوم 16 أبريل 2026، بمتحف مؤسسة السلاوي بالدار البيضاء.
وسلّط عبد الفتاح بوزوبع خلال هذه المحاضرة الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة، حين كانت بواخر نقل المسافرين تشكّل وسيلة رئيسية ساهمت في انفتاح الدار البيضاء على العالم، وفي ديناميتها الاقتصادية وتحولها إلى قطب حضري بارز.

 

"في مطلع القرن العشرين، وقبل سنوات قليلة من فرض نظام الحماية، كانت أنفا القديمة تستعد لتحول عميق، مستندة إلى نشاط بحري متنامٍ سيجعل منها الرئة الاقتصادية للمملكة.

 

تاريخ سفن نقل المسافرين وميناء الدار البيضاء

بدأت سفن  نقل المسافرين بالرسو في الدار البيضاء منذ عام 1906، أي قبل بناء الميناء الحالي. في ذلك الوقت، كانت السفن ترسو خارج المرسى على المكشوف؛ تماماً كـسفن الشحن، على بُعد أقل من ميل بحري واحد من الساحل "1200 متر". وكانت قوارب تقترب من السفن لنقل الركاب والبضائع. ومن هنا جاء وصف الدار البيضاء حينها بأنها "ميناء القوارب".


وعندما كانت هذه القوارب تعود إلى ما كان يُعرف بـ "الميناء" آنذاك، وتحديداً قبالة "باب المرسى"، كان يتم إنزال الركاب على أكتاف "الحمالة" حتى يضعوا أقدامهم على اليابسة دون أن تبتل أرجلهم. وكانت هذه القوارب الخشبية تُصنع محلياً بقدرة استيعابية تصل إلى 20 طن وتبحر عبر المجادف.

 

بناء الميناء عبر مراحل

تم توقيع عقد في عام 1907، في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، مع شركة فرنسية (La Compagnie Marocaine) لبناء ميناء يتيح للقوارب شحن وتفريغ البضائع في مأمن عن أمواج البحر. 


بدأ بناء الميناء في عام 1907، وهو ما أدى إلى الاضطرابات المعروفة تاريخياً. وقد تغير حجم المشروع الأولي بشكل كبير بعد فرض الحماية في عام 1912، واكتشاف مناجم الفوسفاط في خريبكة عام 1921.


تم تشغيل الميناء تدريجياً، ولكن لم يبدأ رسو سفن المسافرين على الرصيف، على طول حاجز الحماية المعروف بـ "رصيف مولاي يوسف" (العمود الفقري للميناء قيد الإنشاء)، إلا ابتداءً من عام 1924. وبعد تشغيل "رصيف التجارة" في عام 1932، أصبحت سفن المسافرين ترسو حصرياً في ذلك الرصيف حيث تم تجهيزه بمحطة بحرية لاستقبال المسافرين لإنجاز الإجراءات الإدارية.


كانت السفن التي تصل إلى الدار البيضاء بين عام 1907 ونهاية الستينات تُسمى "سفن الخطوط المنتظمة" أو "البريدية". ويعود هذا الاسم الأخير إلى المصطلح الإنجليزي (packet boat)، لأن أصحاب هذه السفن كانوا يستفيدون من امتيازات وإعانات حكومية مقابل نقل البريد.


عاشت هذه السفن عصرها الذهبي بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ثم في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 

 

8a195ab8-e479-4413-8679-ede74f62baef.jfif

سفينة "Le Chella" لشركة باكي

 

 

لقد توافق هذا "العصر الذهبي" مع الحقبة الاستعمارية في إفريقيا وآسيا وفترات الهجرات الكبرى من أوروبا نحو الأمريكيتين. فمثلما هو حال الطائرات اليوم، كانت الباخرات وسيلة النقل الجماعي الرئيسية للأشخاص. كانت هذه السفن تنقل الركاب عبر خطوط منتظمة ثابتة، مثل الخط الرابط بين "ليفربول" بإنجلترا و"نيويورك" بالولايات المتحدة على سبيل المثال، ومن هنا جاءت تسميتها "بواخر الخطوط المنتظمة" (Paquebots de ligne)، تمييزاً لها عن "سفن الرحلات السياحية" (Croisière Paquebots التي نعرفها اليوم.


في بداية العشرينيات، كان ميناء الدار البيضاء متصلاً عبر خطوط منتظمة بموانئ مارسيليا، بوردو، بفرنسا. جبل طارق، وهران. وأنتويرب ببلجيكا. وخلال عام 1920 وحده، عبر ميناء الدار البيضاء ما لا يقل عن 47.000 مسافر.

 

زمن سفن المسافرين

يرتبط تاريخ سفن المسافرين التي كانت ترسو في الدار البيضاء ارتباطاً وثيقاً بـشركتي ملاحة رائدتين: "شركة باكي" (Compagnie Paquet) و"الشركة العامة عبر الأطلسي" (Compagnie Générale Transatlantique).


أسس نيكولا باكي في مارسيليا عام 1863 "شركة الملاحة المغربية"، التي بدأت منذ ذلك التاريخ بربط مارسيليا بالمغرب وجزر الكناري والسنغال عبر سفن شحن وباخرات ركاب. وبحلول عام 1913، أصبحت تُعرف بـ "شركة باكي للملاحة" "CNP"، واستمرت في خدمة خط طنجة والدار البيضاء انطلاقاً من مرسيليا، بواسطة باخرات صار لبعضها شهرة واسعة، مثل باخرة "الكتبية" (Koutoubia) التي خدمت هذا الخط لأكثر من 30 عاماً. ولاتزال إحدى ساحات الدار البيضاء تحمل حتى اليوم اسم مؤسس الشركة "نيكولا باكي".

 

أما أشهر باخرات شركة "باكي" التي خدمت الدار البيضاء خلال النصف الأول من القرن العشرين فهما اثنتان:

باخرة "آنفا" (Anfa): التي غادر على متنها الماريشال "ليوطي" المغرب نهائياً في 10 أكتوبر 1925.

في عام 1926، كانت شركة "باكي" تُسير رحلة كل 7 أيام صيفاً، وكل 10 أيام شتاءً على خط مرسيليا - الدار البيضاء. كانت الرحلة تستغرق 48 ساعة على خط مارسيليا، بينما تستغرق 53 ساعة على خط بوردو - الدار البيضاء. وبسبب قصر مدة الرحلة وزيادة فرص التمتع بالطقس الجميل، كان المسافرون يفضلون خط مارسيليا.


كان اليومان والليلتان في عرض البحر يمنحان الركاب وقتاً للاستمتاع بالأنشطة الترفيهية التي ينظمها "مفوض السفينة"، ولتناول الوجبات الدسمة التي كانت تُعد من أهم عوامل الجذب في الرحلة. في عام 1926، كانت تذكرة الذهاب والإياب في الدرجة الأولى تكلّف 1,490 فرنكاً (ما يعادل 1,000 يورو اليوم)، بينما تذكرة الدرجة الثالثة كانت تكلّف 702 فرنكاً (حوالي 450 يورو)


باخرة "الكتبية" (Koutoubia): (التي عملت بين 1930 و1967)، بالإضافة إلى السفن المماثلة لها مثل "جني" (Djenne) و"ليوطي" (Lyautey).

 

 

a0e8f98a-2536-4ba9-9ce2-8b5efd54c486.jfif

سفينة "الشاوية" في الدار البيضاء سنة 1916

 

 

أما الشركة الأخرى، المشهورة باسم "ترانسات" (Transat)، فقد أسسها الأخوان "بيرير" عام 1855. بدأت هذه الشركة بخدمة الدار البيضاء انطلاقاً من بوردو منذ مطلع القرن العشرين، واكتسبت شهرة واسعة على خطوط الملاحة عبر المحيط الأطلسي بفضل باخراتها الفخمة.

 

سفينة "نورماندي" (Normandie) التي بُنيت عام 1935 وخُصصت لخط "لو هافر - نيويورك"، وسفينة "فرانس" (France) التي دخلت الخدمة عام 1962 وعرفت نهاية حزينة. أما أشهر السفن التابعة لشركة "ترانسات" (Transat) والمخصصة لخدمة الدار البيضاء فكانت: "مراكش" (1914-1956)، "مكناس"، "وليلي" (Volubilis)، و"المغرب".


كما كانت شركات ملاحة أخرى تربط ميناء الدار البيضاء مع مارسيليا عبر سفن لنقل المسافرين والبضائع في آن واحد، ولا سيما "شركة الملاحة المختلطة Compagnie de navigation mixte" بسفينتها "المنصور". وبفضل قدرتها على نقل البضائع، تعوض انخفاض الإيرادات الناتج عن قلة عدد الركاب خلال المواسم الأقل مردودية.


كانت جودة الخدمة المقدمة للركاب عموماً أفضل على متن تلك السفن  منها على السفن المختصة بنقل المسافرين فقط ويُلاحظ من ناحية أخرى أن سفن الخطوط التي كانت ترسو في ميناء  الدار البيضاء يتراوح طولها بين 120 و 140 متراً، وعرضها 20 متراً، وبسرعة تصل إلى 20 عقدة، وطاقة استيعابية تتراوح ما بين 500 إلى 1200 راكب تقريباً مقسمين على 4 أو 5 درجات.

 

ركاب وسياح

كان الركاب الذين ينتقلون عبر خطوط "الدار البيضاء - مارسيليا" و "الدار البيضاء - بوردو" هم بشكل أساسي موظفو "الحماية" وعائلاتهم الذين كانوا يستفيدون من رحلة مجانية كل سنتين، بالإضافة إلى العسكريين، المعمرين، والتجار، فضلاً عن موظفي الحكومة الشريفة والسياسيين والفنانين في جولاتهم.


بدأ السياح يتدفقون على المغرب منذ العشرينيات بحثاً عن اكتشاف ثقافات مختلفة، تجذبهم المسارات السياحية التي تقترحها شركتا الملاحة "باكي" و"ترانسات". ولجذب المزيد من الركاب، صممت هذه الشركات "باقات" (Packs) تشمل، بالإضافة إلى الرحلة البحرية، جولات سياحية جذابة تتضمن زيارة العواصم التاريخية المملكة: فاس، مراكش، مكناس، والرباط.


وفي هذا السياق، قامت شركة "ترانسات" ببناء فندقي "ترانس أتلانتيك" في الدار البيضاء (1922) ومكناس (1927). وهذان الفندقان لا يزالان قيد التشغيل حتى يومنا هذا.

 

أما شركة "باكي" فقد قامت من جانبها ببناء فنادق "مرحبا" (Marhaba)، ومن بينها فندق الدار البيضاء الذي كان يضم في أسفله مقر تمثيلية الشركة، بالإضافة إلى فنادق في الجديدة (مازاغان سابقاً)، وآسفي، وأكادير.
لم يكن جميع الركاب يسافرون في مقصورات خاصة؛ فقد كان ركاب الدرجتين الرابعة والخامسة ينامون عادةً في مهجع مشترك (عنابر) مجهز في أسفل السفينة، ولم يكن يُسمح لهم بالصعود إلى السطح لاستنشاق الهواء إلا في أوقات محددة من اليوم. أما الدخول إلى الصالونات والمطاعم والسطح العلوي، فكان محصوراً بركاب الدرجتين الأولى والثانية. ورغم أن صالونات هذه السفن لم تكن بباذخة صالونات الـ "آرت ديكو" في سفينة "نورماندي" الشهيرة، إلا أنها كانت توفر راحة ملائمة.

 

عندما أخلت الباخرةُ مكانها للطائرة

بحلول نهاية الستينيات، لم تعد الخطوط البحرية الرابطة بين "الدار البيضاء - مارسيليا" و "الدار البيضاء - بوردو" تجذب المسافرين كما في السابق، حيث فضل الناس الطائرة بالنظر  لسرعة السفر التي تعد بالساعات مقابل السفر بالسفن الذي يستغرق أيام.


فقد انتصرت الـ 3 ساعات طيران على يومين أو ثلاثة أيام من الإبحار. وهكذا قضت منافسة الطيران التجاري على بواخر الخطوط المنتظمة، لكن سفن الرحلات السياحية (كروز) لا تزال مستمرة في بيع الحلم المرتبط بفخامة السفن الكبرى من العصر الذهبي".

23a816a7-8427-4d88-940e-a3ccb4610e5e.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg