mercredi 22 avril 2026
كتاب الرأي

عبد العزيز الخبشي: تاونات.. حين تتحول الطريق إلى غرفة ولادة.. من يحاسب على هذا العار؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عبد العزيز الخبشي: تاونات.. حين تتحول الطريق إلى غرفة ولادة.. من يحاسب على هذا العار؟ عبد العزيز الخبشي

أي مستوى من الانحدار هذا الذي بلغه الوضع الصحي بإقليم تاونات حتى تجبر امرأة على أن تلد داخل سيارة إسعاف وعلى الطريق، وكأننا في زمن المجاعات والحروب لا في دولة تدعي الحق في الصحة والكرامة؟ أي منطق هذا الذي يجعل مستشفى إقليميا، يفترض فيه أن يكون ملاذا آمنا للنساء في لحظات ضعفهن القصوى، يغلق أبوابه في وجه حالة إنسانية مستعجلة ويقرر بكل برودة أن يحيلها إلى مدينة أخرى؟ هل صار الجسد المغربي رخيصا إلى هذا الحد؟ وهل أصبحت معاناة المواطنين مجرد تفاصيل هامشية في حسابات مسؤولين فقدوا كل صلة بالواقع؟ إن ما وقع ليس حادثا عرضيا، بل هو تجل صارخ لمنظومة مهترئة، فاسدة في عمقها، تعيد إنتاج الفشل وتغلفه بخطابات زائفة عن الإصلاح والتأهيل. إنها لحظة عار مكتملة الأركان، لا تفضح فقط هشاشة البنية الصحية، بل تكشف كذلك عطبا أخلاقيا لدى من يفترض أنهم يسهرون على تدبير الشأن العام.

 

ما الذي تبقى من كرامة الإنسان حين تختزل حياته في قرار إداري بارد؟ كيف يمكن لمسؤول أن ينام قرير العين وهو يعلم أن امرأة صرخت ألما في سيارة إسعاف لأن مستشفى “إقليميا” رفض استقبالها؟ إن هذه الواقعة ليست فقط مأساة فردية، بل هي إدانة جماعية لمنظومة بأكملها، من أعلى هرم السلطة الصحية إلى أصغر موظف تخلى عن واجبه. إننا أمام مشهد يكثف كل معاني التهميش: غياب التجهيزات، نقص الأطر الطبية، سوء التدبير، ولامبالاة قاتلة. وما يزيد الجرح عمقا هو أن هذه الفضيحة لم تكن لتظهر لولا عدسات الهواتف التي أصبحت بديلا عن مؤسسات الرقابة والمحاسبة. لقد صار المواطن هو الشاهد الوحيد على انهيار الخدمات، في وقت اختفى فيه صوت المسؤولين خلف جدران الصمت والتبرير.

 

الحكومة، التي لا تتردد في التباهي ببرامجها وإصلاحاتها على الورق، مطالبة اليوم بأن تخرج من لغة الأرقام الجوفاء إلى مواجهة الحقيقة القاسية: الناس يموتون، والنساء يلدن في الطرقات، والمستشفيات تتحول إلى فضاءات للرفض بدل الاستقبال. أي سياسة صحية هذه التي تدفع امرأة في حالة مخاض إلى التنقل بين المدن وكأنها تبحث عن ملجأ في صحراء؟ وأي مسؤولية يتحملها من قرر أن “الحل” هو إرسالها إلى فاس بدل إنقاذها في عين المكان؟ إن الأمر لم يعد يتعلق بأخطاء تقنية أو نقص في الإمكانيات، بل بفشل بنيوي في الرؤية والتدبير، وبغياب تام للإحساس بالمسؤولية. إن حكومة عاجزة عن ضمان أبسط شروط العلاج، تفقد تلقائيا مشروعيتها الأخلاقية قبل السياسية، لأن الصحة ليست امتيازا بل حقا أساسيا لا يقبل التأجيل أو المساومة.

 

أما على المستوى الإقليمي والجهوي، فالمسؤولية أكثر مباشرة وأشد وضوحا. كيف لمسؤولي الصحة في تاونات أن يقبلوا بهذا الوضع دون أن تتحرك فيهم ذرة ضمير؟ أين هي خطط الطوارئ؟ أين هي المراقبة والتتبع؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون استسلاما مريحا لواقع الرداءة؟ إن استمرار هذا الوضع يعني شيئا واحدا: هناك من تعوّد على الفشل حتى صار جزءا من يومياته، وهناك من يرى في معاناة المواطنين مجرد رقم لا يستحق الالتفات. إن الصمت هنا ليس حيادا، بل تواطؤ صريح، لأن كل مسؤول يعلم بحقيقة الوضع ولا يتحرك، يشارك بشكل مباشر في هذه المأساة. لا يمكن الحديث عن إصلاح في ظل غياب المحاسبة، ولا يمكن بناء ثقة في مؤسسات لا تعترف بأخطائها ولا تعاقب المقصرين فيها.

 

لقد آن الأوان، بل تأخر كثيرا، لفتح تحقيق حقيقي لا صوري، يحدد المسؤوليات بدقة ويضع حدا لثقافة الإفلات من العقاب. يجب أن يسأل كل من له علاقة بهذا الملف: من رفض استقبال المرأة؟ من أصدر قرار تحويلها؟ ما هي ظروف المستشفى؟ ولماذا لم تكن هناك بدائل جاهزة؟ إن الإجابات عن هذه الأسئلة ليست ترفا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية. لأن السكوت عن هذه الواقعة يعني القبول بتكرارها، وربما في ظروف أكثر مأساوية. إن العدالة هنا ليست فقط إنصافا لامرأة، بل حماية لمجتمع بأكمله من الانزلاق نحو مزيد من التردي.

 

إن ما حدث في تاونات ليس مجرد خبر عابر في وسائل التواصل الاجتماعي، بل جرس إنذار مدوٍّ يجب أن يوقظ الجميع. لأن الأوطان لا تقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها في لحظات الحاجة. وحين تعجز الدولة عن توفير سرير لامرأة في حالة ولادة، فإنها تعلن، بشكل غير مباشر، فشلها في أداء أحد أبسط أدوارها. فإما أن تكون هناك إرادة حقيقية للتغيير، تبدأ بالمحاسبة الصارمة وإعادة بناء المنظومة الصحية على أسس الكرامة والعدالة، أو أن نستعد جميعا لمزيد من المشاهد المؤلمة التي لن تكون آخرها امرأة تلد في سيارة إسعاف، بل ربما ما هو أشد قسوة وإيلاما.

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg