في سياق سياسي وطني يتسم بتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية و حيوية استراتيجية متزايدة، وبحاجة ملحة إلى إعادة الثقة في نبل العمل السياسي، تبرز الحركة الشعبية اليو.م كقوة سياسية استطاعت أن ترسخ لنفسها موقعًا متميزًا داخل المشهد الوطني: معارضة مسؤولة، واضحة الهوية، ومنخرطة في صلب قضايا المواطن في التزام تام بالثوابت الوطنية الجامعة.
ولا تنحصر قوة الحركة الشعبية في مجرد رفع سقف الخطاب أو مضاعفة الانتقادات، بل في قدرتها على بناء توازن دقيق بين الجرأة في مساءلة السياسات العمومية، والالتزام العميق بثوابت الدولة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، التي شكلت دومًا أرضية إجماع وطني لا تقبل المزايدات. هذا التموقع يمنح الحزب مصداقية خاصة، لأنه يزاوج بين الحس الوطني والمسؤولية المؤسساتية.
لكن ما يمنح الخطاب الحركي راهنيته وقوته الحقيقية هو انحيازه الواضح للقضايا الاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. فالقدرة الشرائية، وغلاء الأسعار، وواقع البوادي و الواحات و الجبال وصعوبة الولوج إلى الشغل والخدمات الصحية ووضعية النساء و الشباب ليست مجرد عناوين ظرفية، بل هي جوهر المعركة السياسية اليوم.
وقد نجحت الحركة الشعبية في جعل هذه القضايا في قلب خطابها، منطلقة من معيش المواطن لا من تنظيرات مجردة و اعتبارات ماكرو اقتصادية تدبر على حساب كرامة المواطن، وهو ما يفسر تزايد صدى خطابها داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، لم تكتف الحركة الشعبية بتشخيص الأعطاب، بل فتحت نقاشًا جادًا حول اختلالات السوق، ودور الوسطاء، وضعف آليات الضبط، مطالبة بحماية المستهلك وإرساء قواعد أكثر عدلاً وشفافية.
إنها رؤية تؤكد على أن الاقتصاد يجب أن يكون في خدمة المواطن، لا العكس.
وفي هذا السياق، لم يقتصر الخطاب الحركي على القضايا الظرفية، بل امتد ليشمل معالجة جملة واسعة من الإشكالات البنيوية التي تؤرق المجتمع المغربي. وفي مقدمتها قضية التعليم باعتبارها رافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، في ظل استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية التي تعمّق الاختلالات داخل المنظومة التربوية. كما برزت مسألة الوسطاء كإحدى الإشكالات الكبرى المرتبطة بارتفاع الأسعار وتعقيد سلاسل التوزيع، وما يترتب عنها من تأثير مباشر على القدرة الشرائية للمواطن.
وإلى جانب ذلك، تم التطرق إلى إشكالية اقتصاد الريع باعتباره عائقًا أمام المنافسة الشريفة وإطلاق المبادرة الاقتصادية، بما يفرض ضرورة إعادة بناء قواعد الحكامة الاقتصادية على أسس الشفافية والإنصاف. كما أولى الخطاب أهمية خاصة لمسألة تدبير الكوارث الطبيعية، في ارتباط بما تفرضه التحولات المناخية من تحديات جديدة تستدعي مقاربات استباقية أكثر نجاعة في حماية الساكنة وضمان صمود المجالات الترابية.
وفي السياق ذاته، لم تغب القضايا الاجتماعية ذات البعد اليومي عن هذا النقاش، وعلى رأسها مسألة الساعة الوطنية وما تثيره من نقاش مجتمعي حول توازن الزمن الاجتماعي وتأثيراته على حياة المواطنين. كما تم التطرق إلى قرار تحديد سن الولوج إلى الوظيفة العمومية في 30 سنة، باعتباره موضوعًا يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بتكافؤ الفرص والعدالة بين الأجيال، وحق الكفاءات في الولوج إلى المرفق العمومي دون إقصاء غير مبرر.
كما برزت أيضًا مسألة حرية واستقلالية الصحافة باعتبارها أحد أهم رهانات الديمقراطية الحديثة، وواحدًا من المجالات التي شكّلت بالفعل ساحة صراع حقيقية حول ضمان التعددية، وتحصين الممارسة الإعلامية من مختلف أشكال الضغط والتأثير، بما يجعل من الإعلام سلطة نقدية ومواكِبة، لا مجرد امتداد ظرفي للتوازنات السياسية أو الاقتصادية.
وعلى مستوى الرهانات المجتمعية الكبرى، يظل رهان الشباب اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الفعل السياسي. وقد أدركت الحركة الشعبية أن إدماج الشباب لم يعد شعارًا، بل أصبح يقتضي تمكينًا فعليًا من مواقع القرار. من هنا جاءت مبادرات التأهيل والتكوين، وفي مقدمتها الأكاديمية الوطنية للشباب، التي تعكس إرادة واضحة في تجديد النخب وفتح آفاق جديدة أمام الكفاءات الصاعدة.
أما في ما يخص المرأة، فإن الحديث لم يعد عن المناصفة كرقم، بل عن القيادة كفعل وتأثير. و أن المعركة الحقيقية هي معركة التمكين الفعلي للنساء داخل المجال الترابي وفي مواقع اتخاذ القرار. لقد انتقلنا من الترافع إلى الفعل، ومن الخطاب إلى التأطير، عبر برامج موجهة للمنتخبات ودعم حضورهن في دوائر التأثير السياسي والتنموي. لأن المرأة ليست عنصرًا مكملًا، بل فاعلًا أساسيًا في بناء مغرب أكثر عدلاً وتوازنًا.
ولا يمكن فهم هذا التوجه دون استحضار العمق الترابي للعرض الحركي. فالحركة الشعبية كانت دائمًا صوت العالم القروي والجَبلي، والمدافع عن العدالة المجالية كمدخل أساسي للإنصاف الاجتماعي. من الماء إلى الفلاحة، ومن الكوارث الطبيعية إلى البنيات التحتية، يظل المجال الترابي في صلب تصور الحزب باعتباره المحدد الحقيقي للفوارق الاجتماعية وإمكانات التنمية.
وفي خلفية كل ذلك، يبرز رهان أساسي يتمثل في تحويل المعارضة من موقع التشخيص إلى موقع الاقتراح. وهنا تكتسي وثيقة "البديل الحركي" أهمية خاصة، باعتبارها تعبيرًا عن نضج سياسي يسعى إلى تقديم رؤية متكاملة: تخفيف الأعباء الاجتماعية على المدى القريب، إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية على المدى المتوسط، وبناء نموذج تنموي أكثر عدالة واستدامة على المدى البعيد.
اليوم، ونحن على أعتاب استحقاقات تشريعية حاسمة، تبدو الحركة الشعبية أمام فرصة تاريخية للتحول من معارضة متماسكة إلى قوة اقتراحية قادرة على المساهمة في قيادة مرحلة جديدة. غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بتبسيط الرسالة السياسية، وتقديم كفاءات مؤهلة تجسد مصداقية الخطاب، وربط النقد ببرامج عملية قابلة للتنفيذ.
إن المغاربة لا ينتظرون شعارات جديدة، بل ينتظرون أملًا ممكنًا. والحركة الشعبية، بما راكمته من تجربة وما تحمله من رؤية، قادرة اليوم على أن تكون جزءًا من هذا الأمل.
لقد نجحت الحركة الشعبية في ترسيخ معارضة مسؤولة، ذات شخصية سياسية واضحة، تجمع بين الوفاء للثوابت الوطنية، والانحياز الاجتماعي، والدفاع عن العدالة المجالية، والانفتاح على قضايا الشباب والنساء والصحة والإعلام. وهي معارضة لم تتبنَّ منطق القطيعة مع الدولة، بل منطق الإصلاح من داخل المؤسسات، مع إصرار على أن تكون الصحراء المغربية، والمناصفة، والشباب، والكرامة الاجتماعية، واستقلالية الصحافة، جزءًا من مشروع وطني واحد ومتكامل.
وفي هذا السياق، فإن بعض القراءات التي تحاول اختزال الحركة الشعبية في صورة “حزب إداري” أو تصوير انخراطها في قضايا العدالة الاجتماعية كتحول إيديولوجي، تظل قراءات سطحية لتاريخ حزب لم يكن يومًا إداريًا في نشأته ولا في مرجعيته.
فالحركة الشعبية، منذ تأسيسها على يد المحجوبي أحرضان ورفاقه، لم تنشأ في دهاليز الإدارة، بل خرجت من عمق المغرب القروي والجَبلي، حاملةً صوت الفئات المهمشة، ومعبرة عن مغرب ظل طويلًا خارج مركز القرار. وقد كانت من أوائل القوى السياسية التي واجهت منطق الحزب الوحيد، ودافعت عن التعددية السياسية والثقافية كخيار وطني استراتيجي.
كما ظل دفاعها عن الأمازيغية، لغةً وثقافةً وحضارةً، جزءًا أصيلاً من تصورها لهوية مغربية متعددة الروافد. وإلى جانب ذلك، حافظت على موقعها كمدافع عن الحريات العامة والتوازن المؤسساتي، من منطلق قناعة راسخة عبّر عنها المحجوبي أحرضان حين أكد أن الحركة الشعبية ليست حزبًا يُصنَّف ضمن قوالب جاهزة، بل تعبير عن روح المجتمع المغربي في تنوعه وعمقه.
ومن ثم، فإن انشغال الحركة الشعبية اليوم بقضايا العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي لا يمثل انزياحًا إيديولوجيًا، بل استمرارًا طبيعيًا لثوابتها التاريخية. فهي لم تكن يومًا حزب يسار أو يمين، بل ظلت، على الدوام، حزبًا مغربيًا بمرجعية مغربية، يستمد رؤيته من تاريخ البلاد وخصوصياته، ويشتغل من أجل أفق يليق بجميع المغاربة.
خديجة الكور
رئيسة منظمة النساء الحركيات




