mercredi 22 avril 2026
كتاب الرأي

خالد أخازي: الرأسمال الوطني.. ميثاق كرامة أم وقود استنزاف؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
خالد أخازي: الرأسمال الوطني.. ميثاق كرامة أم وقود استنزاف؟ خالد أخازي

رئة الوطن متأهبة لشهيق انتخابي جديد في شتنبر المقبل، وأسئلة كبرى تنتظر الفاعل السياسي لتكون أجوبة تعاقدية مع المستقبل قبل المواطن... تعاقدات ميكرواجتماعية  دقيقة، وأخرى سياسية تتطلب شجاعة وإرادة... فمن هو القادر محاربة الفساد والريع وضمان عدالة اجتماعية وكرامة؟
شتنبر... القادم... محطة سياسية لكن بوعي جديد... المغاربة يريدون تعاقدا...لا خطابا سياسيا يعود إلى رفوف النسيان...
والتحدي السياسي هو القدرة على جواب انتخابي إجرائي لمواجهة  المفارقات للصارخة  التي تضع الشعارات السياسية في مواجهة عارية مع واقع الطبقة العاملة. إن الاستحقاقات القادمة لن تكون حتما مجرد تمرين تقني لفرز النخب،  فوعي جديد تشكل... وانتظارات المغاربة تحولت من منطق التعويم إلى التدقيق؟ ماذا ستقدمون لو.....؟
ستكون  محاكمة علنية لطبيعة الرأسمال الذي يرتدي بدلة "الوطنية" ليمارس أبشع أنواع الاستنزاف. فنحن اليوم أمام مشهد صادم: خطابات تتغنى بالدولة الاجتماعية، وممارسات على الأرض تكرس "الاسترقاق الجديد" عبر وسطاء التشغيل الذين تحولوا إلى تجار بشر في سوق النيولبرالية المتوحشة، مع تدني الخدمات الاجتماعية وظهور مصطلح جديد" فراقشية الريع المتحور".
الرأسمال الوطني، في معناه العميق، من حقه الطبيعي أن يكون كتلة مالية تبحث عن تعظيم الأرباح، هذه سنة الله في الأرض...
لكنه أيضا  تموقع أخلاقي داخل المجتمع... هو اختيار يومي بين أن تكون فاعلا في البناء أو طرفا في الاستنزاف... وفي مغرب ما قبل محطة شتنبر، يصبح السؤال حول طبيعة الرأسمال سؤالا سياسيا وأخلاقيا بامتياز: أي رأسمال نريد؟ رأسمال يصنع الأمل أم رأسمال يراكم الغنائم ويغتال الأمل؟
إن هذه الرؤية النقدية تجد امتدادها وشرعيتها في التوجيهات الملكية التي شددت مرارا على ضرورة إرساء اقتصاد وطني منتج، مندمج، وعادل، يقطع مع اقتصاد الريع والامتيازات غير المشروعة. فقد أكد الملك في عدة خطب أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يختزل في مؤشرات ماكرو-اقتصادية باردة، بل يجب أن ينعكس مباشرة على تحسين ظروف عيش المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص. ومن هنا، يصبح الرأسمال الوطني مدعوا لأن يتحول من مجرد مستفيد من البيئة الاقتصادية إلى شريك في صياغتها، بعيدا عن منطق "الوزيعة" الذي يسيطر على عقول بعض الفاعلين مع اقتراب موسم الصناديق...
الرأسمال البناء هو ذاك الذي يرى في الوطن أكثر من سوق...يرى فيه ذاكرة جماعية، ومصيرا مشتركا، ومسؤولية متقاسمة... هو رأسمال يستثمر في التعليم والتكوين... عادل منصف...  لأنه يدرك أن اليد العاملة ليست مجرد تكلفة يجب سحقها وأكل حقوقها، بل طاقة كامنة يجب تحريرها... وأن الضريبة عقد حضاري وتعاقد مجتمعي وأن المنافسة الشريفة قيمة ليبرالية...
لكن الواقع المر يشي ببروز نموذج مضاد: الرأسمال المتغول. هذا الرأسمال الذي لا يرى في الوطن إلا فرصة ظرفية، ولا في القوانين إلا عقبات يجب الالتفاف عليها. هو رأسمال يراكم الأرباح عبر استغلال الثغرات، وتكريس الاحتكار، وتهميش المنافسة الشريفة، مستغلا صمت "السياسي" أو تواطئه. يشتغل هذا النموذج بمنطق “اربح الآن ودبر لاحقا”، ولو كان الثمن هو إنهاك الموارد، أو تدمير النسيج الاجتماعي، أو إضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات. ومن أبرز مظاهر هذا التغول، نجد اقتصاد الريع، حيث تمنح الامتيازات لفئة محدودة دون استحقاق إنتاجي حقيقي، مما يخلق تشوها في السوق ويقضي على روح المبادرة لدى الشباب. في هذا النموذج، لا تكافأ الكفاءة، بل القرب من مراكز القرار؛ والنتيجة هي اقتصاد مغلق، غير ديناميكي، يعيد إنتاج نفس الفاعلين ونفس الاختلالات التي تفقر العامل وتغني المحتكر.
وعلى أعتاب شتنبر، يبرز التهرب الضريبي والتدليس كنزيف صامت للاقتصاد الوطني، وجريمة سياسية مكتملة الأركان. حين يختار بعض "أعيان" الاقتصاد إخفاء أرباحهم أو تحويلها بطرق ملتوية، فهم لا يتهربون فقط من واجب قانوني، بل يخلون بالعقد الاجتماعي الذي يربطهم بالبسطاء الذين يقتطع من أجورهم المنبع. الضريبة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي تعبير عن التضامن؛ وكل تهرب هو، في جوهره، اقتطاع من حق المواطن في مدرسة عمومية محترمة ومستشفى يصون الكرامة. إن التدليس في التصاريح، وعدم التصريح بالعمال لدى الضمان الاجتماعي، هما الوجه القبيح لرأسمالية "السخرة" التي تريد عاملا بلا حقوق، وشيخوخة بلا كرامة، ومجتمعا بلا حماية.
ولا يقل خطورة عن ذلك، التلاعب بالأسعار والاحتكار الذي يسبق المواعيد الانتخابية، حيث يتم التحكم في السوق بشكل يقصي المنافسة ويرفع الكلفة على المستهلك المنهك أصلا. في هذه الحالة، يتحول الرأسمال من محرك للنمو إلى عائق أمام استقرار الدولة. لأن السوق، حين تفقد شفافيتها، تفقد أيضا قدرتها على توزيع الموارد بشكل عادل. إن هؤلاء "الرأسماليين العابرين للقارات" الذين يخدمون مصالح بلا قيم، هم أنفسهم من يحاولون اليوم ركوب موجة الانتخابات بوعود وردية، بينما ممارساتهم في وحداتهم الإنتاجية تعكس استحقارا تاما للعامل المغربي الذي يعاني من ضعف الأجور وغياب شروط السلامة.
في مقابل هذه السوداوية، يبرز ما يمكن تسميته بالرأسمال المسؤول أو “المواطن”. هذا الرأسمال لا يكتفي باحترام الحد الأدنى من القانون، بل يسعى إلى خلق قيمة مشتركة. هو رأسمال يدمج البعد البيئي والاجتماعي، ويدرك أن الاستدامة ليست رفاهية بل ضرورة وجودية. تجربة جائحة كوفيد-19 كانت لحظة كاشفة، حيث برزت مقاولات اختارت الحفاظ على مناصب الشغل رغم الخسائر، وساهمت في دعم الجهود الوطنية، في حين لجأت أخرى إلى تسريحات جماعية سريعة دون أدنى اعتبار للأثر الاجتماعي. هنا يتجلى الفرق بين رأسمال يرى في الإنسان شريكا، وآخر يراه مجرد رقم في جدول التكاليف.
إن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون لحظة للمحاسبة الأخلاقية قبل السياسية. التوجيهات الملكية واضحة: لا تنمية بدون عدالة، ولا اقتصاد قوي بدون رأسمال وطني مسؤول. لقد دعا الملك إلى تعزيز دور الطبقة الوسطى، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها العمود الفقري لأي اقتصاد متوازن، بعيدا عن تيار الفراقشية والاحتكارات الكبرى. إن المطلوب اليوم هو تخليق الحياة الاقتصادية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووقف مهزلة شركات الوساطة التي تستعبد الشباب تحت مسميات "المرونة" الزائفة.
الرأسمال الوطني أمام مفترق طرق تاريخي في شتنبر. إما أن يختار السياسي الانخراط في الأفق الإصلاحي، فيصبح فاعلا في بناء مغرب أكثر إنصافا، أو أن يستمر في منطق التمركز والتغول، مما سيؤدي حتما إلى انفجار الفجوة بينه وبين المجتمع. التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن أي رأسمال يفقد شرعيته الاجتماعية، يفقد في النهاية استقراره وأمانه. المستقبل لن يكون للأقوى ماليا فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف الأخلاقي مع آمال الشعب. الرأسمال الذي سيصمد هو ذاك الذي يفهم أن الربح ليس نقيض العدالة، بل يمكن أن يكون امتدادا لها....أن السوق ليست غابة، بل فضاء منظما بقواعد تضمن تكافؤ الفرص... وأن الوطن ليس مجرد إطار قانوني لجني الأرباح، بل هو أن تنجح دون أن تترك خلفك ركاما من الفقراء والعمال المسحوقين... وضحايا بلا أمل ولا استقرار...
هكذا، يجب أن ينتصر الرأسمال الوطني الحقيقي الذي يشبه شجرة ضاربة الجذور: تأخذ من الأرض لتمنح الظل والثمر. لا تستعجل القطاف، ولا تستنزف التربة، لأنها تدرك أن الاستمرار هو الربح الأسمى. وفي مغرب يبحث عن توازنه الصعب بين الطموح والعدالة، لا مكان لرأسمال أعمى يرى الأرقام ولا يرى وجوه العمال.... يرى الربح لا غير،  رأسمال يشعر، ويبني لمستقبل لا يقصي أحدا...هو الذي له موقع قدم في برامج واعدة انتخابية ..
فشتنبر هو الامتحان، والعمال هم القضاة، والوطن هو الحكم.

 

خالد أخازي، كاتب وإعلامي 

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg