mardi 21 avril 2026
كتاب الرأي

جلال كندالي: سوق التزكيات

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
جلال كندالي: سوق التزكيات جلال كندالي

في كتب الدين، التزكية رحلة شاقة تبدأ من الداخل وتنتهي عند صفاء القلب. هي معركة ضد الكبر والحسد والبخل، وجهاد يومي ضد النفس الأمارة بالسوء. ميزانها ثقيل، لا يرجح إلا بالإخلاص والعمل الصالح.
لكن في موسم الانتخابات عندنا، يبدو أن "الكلمة " خضعت لتحديث عجيب. فصارت التزكية لا تعني تهذيب النفس، وإنما تعبيد الطريق نحو الكرسي، ولو على حساب كل شيء.
بمجرد أن تلوح في الأفق رائحة الاستحقاقات، تعلن حالة استنفار قصوى، لا في المساجد ولا في حلقات الذكر، وإنما في كواليس الكثير من الأحزاب. هناك لا حديث إلا عن التزكيات بمنطق الغنيمة. وليس هناك فرصة أكثر مواتاة من هذا الاستحقاق الذي يراه البعض مناسبة "كتعمر فيه الأسواق ويكثر فيه البراحة والأبواق وطبعا بزاف ديال النفاق"، بعيدا عن منطق الحساب بين المسؤولين والمواطنين. يستبدل هذا المنطق الدستوري بمنطق الحسابات البنكية، وحتى مفهوم "التزكية الحزبية" يختلف من حزب لآخر حسب الأهداف الشخصية، وليس حسب الأهداف التي يمكن تسجيلها في مجلس النواب عبر صناديق الاقتراع.
سنعيش حربا ضروسا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، تفوق ضراوتها الحرب الدائرة من أجل فتح مضيق هرمز. ستستعمل فيها أسلحة ثقيلة وخفيفة، وذخيرة لا تنفد. والهدف واضح، من يحظى بورقة التزكية فقد فاز بنصف المعركة، أما النصف الآخر فيحسم لاحقا بطرق يعرفها الجميع، ويتقنها البعض، ويتظاهر الآخرون بعدم رؤيتها مستعملين "عين ميكة".
المفارقة الساخرة أن هذه التزكيات تمنح أحيانا لمن يحتاج أولا إلى تزكية سلوكه قبل تزكية ترشيحه. تجد من لم يزك لغته بعد، فيتهجى الحروف داخل قبة البرلمان كما لو أنه يخوض امتحانا ابتدائيا متأخرا. ومن لم يزك حضوره، فلا يرى إلا في لقطات التصويت السريع، وكأن مهمته التشريعية تنحصر في رفع اليد وخفضها بإيقاع "التفرقيش".
أما التواصل، فحدث ولا حرج. من عجز عن الرد على رسائل ارتفاع الأسعار وغيرها من القضايا التي تقض مضجع المواطن، هل ينتظر منه أن يدافع عن قضايا الوطن في المحافل الدولية؟ ومن لم يستطع مخاطبة ناخبيه عن قرب، هل يفترض فيه أن يقنع الآخرين عن بعد؟ إنها معجزة سياسية جديدة، ربما تحتاج إلى بحث علمي مستقل غير متحزب.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فبعض "المزكين" سابقا أنفسهم متابعون قضائيا، أو داخل أسوار السجون. وهو أمر لم يعد يثير الاستياء والامتعاض، ولا حتى الخجل. لقد أصبح التطبيع مع هذا الوضع طبيعيا، تزكيه أيضا سلطة الطابع الحزبي.
لكن السؤال، بعيدا عن لغة النضال، لماذا كل هذه الحرب من أجل التزكيات إذا كان المآل معروفا سلفا؟ لماذا كل هذا الصراع إذا كانت النتيجة في كثير من الأحيان مؤسسات بلا روح، ونواب بلا أثر، وتشريع بلا نقاش؟
الجواب بسيط ومعقد في آن واحد، لأن التزكية لم تعد بوابة للتمثيل فحسب، وإنما تحولت عند البعض إلى استثمار مربح ومريح، وسوق مفتوحة، وعملة نادرة يتحكم فيها من يملك مفاتيح الدخول. وحين يدخل المال على الخط، تتغير قواعد اللعبة، وتصبح الأخلاق تفاصيل جانبية لا تعيق سير "المشروع".
ومن أجل الحصول على التزكية أيضا، ستنشط سوق الانتقالات كما هي العادة في كل موسم الانتخابات، حيث ستغزو الأخبار إعلامنا بالكثير من البرلمانيين الذين تأكدوا من كونهم لن يحظوا بهذه التزكية من مؤسساتهم الحزبية، أو بالأحرى الألوان التي ترشحوا بها، ليقدموا استقالاتهم من البرلمان ومن الأحزاب في الوقت القانوني كما حدده قانون الأحزاب، بحثا عن تزكيات بألوان أخرى. وهناك من يختار هذه الهجرة بحثا عن الحزب "الفافوري" الذي يرى أنه سينضم إلى الحكومة، دفاعا عن مصالحه، لأنه يعتقد أن الانتماء إلى المعارضة في المغرب غير مدر للأرباح. وعوض أن يتمسح للزعيم قصد قضاء مصالحه لدى الحكومة، يريد اختصار الطريق، فينضم من قبل إلى صفوف الحكومة المفترضة.
وهنا، لا يعود الأمر متعلقا بمرشح أو حزب فقط، بل بمن يمنح التزكيات، وبمن يقبلها، وبمن يصوت في النهاية. إنها دائرة مغلقة، كل طرف فيها يزكي الآخر بشكل أو بآخر، حتى صرنا أمام منظومة متكاملة من "التزكيات المتبادلة"، حيث يزكي المال السياسة، وتزكي السياسة الرداءة، ويزكي الصمت استمرار الوضع.
أمام هذا الوضع المختل، قد لا تنفع قرارات فوقية ولا تدخلات طارئة، حتى لو استدعينا مجلس الأمن بكل فصوله. لأن المعركة لم تعد فقط في الصناديق، وإنما في القيم نفسها. وحين تفرغ التزكية من معناها الأصلي، وتتحول من تطهير للنفس إلى تبييض للمواقع، يصبح السؤال الحقيقي، من يزكي من؟
إلى أن نجد الجواب، ستظل حرب التزكيات مشتعلة، لا لشيء إلا لأنها ببساطة أكثر ربحا من تزكية النفس، وحرب إعلامية مسعورة قوامها التشهير وتبييض السمعة، ولو كانت ملطخة بعوائد تبييض الأموال.

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg