في البداية، أتقدم بتحياتي للأخ أحمد نور الدين على ملاحظاته الوجيهة والقيّمة والجريئة، التي عبّر عنها في مداخلة له مؤخراً حول موضوع الحكم الذاتي. لقد أشار الأخ أحمد في هذه المداخلة إلى التناقض التالي في ساحتنا السياسية: فمن جهة نحن مقبلون على تطبيق الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية، وهو أسلوب حداثي متقدم جداً في تدبير الشأن الجهوي، ومن جهة أخرى ما تزال توجد عندنا قوانين وممارسات متخلفة جداً لأنها تحدّ من صلاحيات المجالس الجماعية، وتجعل منها مجالس صورية تهتم بتدبير شؤون الموظفين أكثر مما تهتم بالشأن العام المحلي، الذي تستحوذ عليه في الواقع السلطات المحلية والإقليمية. هذه القوانين والممارسات تتناقض تناقضاً صارخاً مع روح ومنطق الحكم الذاتي، الذي أصبح بالنسبة لنا منذ 2007 اختياراً وطنياً استراتيجياً، ومنذ أكتوبر 2025 التزاماً وطنياً.
هناك إذن أخطاء يجب تداركها، ونأمل من البرلمان المقبل أن يُلغي في أقرب وقت ممكن هذه القوانين المتخلفة التي أشار إلى بعضها الأخ أحمد نور الدين، ومن بينها كذلك القانون 83.21 (الذي يتعلق بإحداث الشركات الجهوية متعددة الاختصاصات). ونأمل من هذا البرلمان المقبل أيضاً أن يتجاوب، دون أدنى تردد، مع كل المبادرات الملكية في المجال الحقوقي. ومن غير المقبول أن تستمر الممارسات السلطوية المتخلفة في مغرب جعل من الحكم الذاتي نهجاً لتعزيز وحدته الترابية، واختياراً وطنياً استراتيجياً، والتزاماً دولياً جاداً وصادقاً.
من حق المغاربة أن ينعموا بدولة حداثية مدنية قوية، وبوطن تسود فيه حقوق الإنسان كاملة. صحيح، هناك مشاكل حقيقية لا يمكن الاستهانة بها؛ فبعض التيارات والأحزاب السياسية لا تبالي إطلاقاً بالتوجهات الاستراتيجية للدولة المغربية، ولا بالتحديات التي نواجهها وطنياً ودولياً، ولا بالأخطار التي تحدق بشعوب منطقتنا. وبعض المواطنين الذين سيلتحقون بأرض الوطن متشبعون بإيديولوجية إقصائية، وقد يسيئون استغلال أجواء الانفتاح التي يوفرها الحكم الذاتي، فيسعون إلى إفشال التجربة. ومن ناحية أخرى، فإن توسيع صلاحيات المجالس المحلية قد يحوّل بعض رؤسائها أو أعضاء مكاتبها، في غياب أية رقابة، إلى إقطاعيين يعبثون بالمصلحة العامة. لكن هذه السلبيات وغيرها يمكن تجاوزها بسهولة حينما تكون الدولة جادة في اختياراتها الحداثية، وحينما يكون الوعي العقلاني لدينا مرتفعاً.
في الحقيقة، أنا متفائل بالمستقبل الواعد؛ لأن العقلاء، كما قلت في حلقة سابقة، موجودون في كل مدينة وقرية وواحة، وهم السند القوي لكل مشروع عقلاني طموح. ومسؤولية العقلاء هي مسؤولية تاريخية وحضارية. وأهم ما يجب أن يميز السياسيين العقلانيين، بمختلف اتجاهاتهم، هو قدرتهم على التمييز بين حقهم في الدفاع عن قناعاتهم الإيديولوجية والمذهبية والفلسفية التي يعبرون عنها في منابرهم الحزبية والنقابية والجمعوية وفي مؤلفاتهم الخاصة، وبين مهامهم التواصلية مع المواطنين حول القضايا التي تهم شأنهم المحلي. فهم يتميزون بما يمكن أن أسميه نوعاً من "الحياد السقراطي". إنهم في هذه الحالة الأخيرة لا يسعون إلى الاستقطاب لهذا الاتجاه أو ذاك، ولا يقومون بالدعاية لهذا الحزب أو ذاك؛ فهم، كما كان سقراط في أثينا، لا يبتغون أجراً ولا صوتاً ولا أتباعاً. هدفهم الأساسي هو تنمية الوعي العقلاني المنفتح، وتعويد المواطنين على الاهتمام بالشأن المحلي ومواكبة سير مجالسهم المحلية، وذلك من أجل أن تتمكن الساكنة من تحمل المسؤولية بنفسها. حينئذ، هي التي ستمارس الفعل السياسي المحلي، وهي التي ستختار المرشح، وهي التي ستصوت على من تكون قد اختارته، وهي التي ستحاسب من تكون قد صوتت عليه. وهذه في نظرنا هي الديمقراطية التشاركية الحقيقية.
ويمكن الاستئناس في هذا الصدد بتجربة ساكنة فكيك التي يبدو أنها قد حسمت أمرها، فقررت ألا تترك الساحة فارغة يعبث بها من لا يأخذ الشأن المحلي مأخذ الجد، وألا تترك المنتخبين الجادين يواجهون وحدهم التحديات الصعبة، وألا تترك المنتخبين المرتدين عن التزاماتهم يهربون ويفلتون من محاسبة الرأي العام لهم. هذه التجربة المحلية المحدودة في منطقة نائية تثبت أن عقلنة الفعل السياسي المحلي لا تحتاج إلى نظرية سياسية معقدة، بل إلى تواصل مستمر مع المواطنين. إن المغرب يُعتبر إلى حدود الآن، حسب المعطيات العلمية الأخيرة، أقدم موطن للإنسان الحديث العاقل الذي يسمى "هومو سابينس"(homo sapiens)، لذلك أستطيع أن أختم بالقول: إن العقلانية عندنا قديمة قِدَم الإنسان العاقل. والسلام.
عبدالرحمان بوكيرو
أستاذ متقاعد (مفتش مادة الفلسفة سابقاً)




