مقالة بمناسبة يوم 8 ماي 2026 الذي سيجمع في الرباط خبراء دوليين ومغاربة ومن عدة دول عربية، من بينها لبنان
في الثامن من ماي 2026، تتحول الرباط إلى مسرح لنقاش صحي بالغ الأهمية.
يجتمع خبراء مغاربة ودوليون، إلى جانب ممثلين عن عدد من الدول العربية، لبحث قضية تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تمس في العمق جوهر الصحة العمومية على المستوى العالمي: قضية الدهون المتحولة.
لفترة طويلة، ظلت هذه الدهون الصناعية، الناتجة عن عملية الهدرجة، خفية تكاد لا تُرى في أطباقنا، قبل أن تكشف تدريجياً عن حقيقتها.
فخلف قدرتها على إطالة مدة صلاحية المنتجات ومنحها قواماً مثالياً، كانت تختبئ مخاطر جسيمة على صحة القلب.
وخلال سنوات قليلة، تحولت هذه الدهون إلى أحد أبرز رموز انحرافات النظام الغذائي الصناعي الحديث.
في أوروبا، بدأت أولى خطوات المواجهة بمنهجية صارمة تكاد تكون جراحية.
فقد كانت الدنمارك سبّاقة إلى فرض قيود صارمة على هذه الدهون منذ بداية الألفية الثالثة،
في خطوة جريئة سرعان ما أصبحت نموذجاً يُحتذى به.
وتدريجياً، تبنّت باقي دول القارة نهجاً موحداً، وصولاً إلى إقرار إطار تنظيمي منسجم.
واليوم، تكاد الدهون المتحولة الصناعية تختفي من الأسواق في العديد من الدول الأوروبية، مع تسجيل نتائج صحية ملموسة، خاصة في ما يتعلق بتقليص مخاطر أمراض القلب والشرايين.
على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، اختارت الولايات المتحدة مقاربة أكثر حدة.
فمن خلال تصنيف الزيوت المهدرجة جزئياً كمواد غير آمنة، أحدثت السلطات الصحية تحولاً جذرياً داخل الصناعة الغذائية.
وفي غضون سنوات، أُعيدت صياغة الوصفات، وأُعيد التفكير في طرق التصنيع، لتختفي هذه الدهون الضارة من عدد كبير من المنتجات المصنعة.
في آسيا، جاء التحرك بوتيرة أكثر تدرجاً، لكنه لا يقل أهمية.
فقد اعتمدت بعض الدول، مثل سنغافورة وتايلاند، إجراءات صارمة، لتنضم إلى قائمة الدول التي نجحت في الحد الفعلي من هذه الدهون، بينما تواصل دول أخرى التقدم بخطى أبطأ.
أما في إفريقيا والشرق الأوسط، وهو المحور الأساسي لنقاشات هذا اليوم، فما تزال المعركة مفتوحة، بل وفي بعض الأحيان في بداياتها.
ورغم بروز مؤشرات على إرادة سياسية متزايدة في بعض الدول، لا تزال الأطر التنظيمية غير مكتملة أو ضعيفة التطبيق.
ولا تزال المنتجات الغنية بالدهون الصناعية متداولة على نطاق واسع، مدفوعة بتكلفتها المنخفضة وانتشار الأغذية المصنعة.
وتتفاقم التحديات بفعل محدودية أنظمة المراقبة، وتعدد الأولويات الصحية، وضعف وعي المستهلكين.
ورغم ذلك، تظل الرهانات كبيرة.
فهذه المناطق تشهد تحولاً غذائياً سريعاً، يتجلى في الارتفاع المقلق لأمراض القلب والأوعية الدموية.
وهنا تحديداً تتحدد ملامح المرحلة المقبلة من هذه المعركة العالمية.
على المستوى الدولي، تسارعت وتيرة التحرك بدفع من المؤسسات الصحية الكبرى، التي جعلت من القضاء على الدهون المتحولة هدفاً ذا أولوية.
وباتت نسبة متزايدة من سكان العالم تستفيد من قوانين وقائية في هذا المجال.
غير أن يوم 8 ماي 2026 لا يقتصر على تشخيص الوضع، بل يندرج ضمن منطق الفعل.
فالنقاشات المنتظرة بين الخبراء يُفترض أن تُفضي إلى توصيات عملية، تشمل تعزيز الأطر القانونية، وتوحيد المعايير، وتحسين آليات المراقبة، ومواكبة الصناعات الغذائية في إعادة صياغة منتجاتها، إلى جانب تكثيف حملات التوعية لفائدة المواطنين.
ويستند نجاح هذه المعركة إلى معادلة واضحة: تشريع صارم، مراقبة فعالة، وحوار مستمر مع الفاعلين الاقتصاديين.
غير أن هذا التقدم يخفي واقعاً أكثر تعقيداً.
فجزء كبير من سكان العالم لا يزال معرضاً لهذه الدهون الضارة، خاصة في الدول ذات الدخل المحدود أو المتوسط.
ويكمن الخطر في اتساع فجوة صحية جديدة، حيث تجد المنتجات الأكثر خطورة طريقها إلى الأسواق الأقل حماية.
ومن هنا تكتسب محطة الرباط 2026 أهميتها.
فهي تعكس إرادة جماعية لتحويل انتصار جزئي إلى نجاح شامل.
لقد أصبحت مكافحة الدهون المتحولة واحدة من أبرز قصص النجاح في مجال الصحة العمومية الحديثة.
وهي تثبت أن الحد من عوامل الخطر الكبرى ممكن دون إحداث تغيير جذري في العادات الغذائية.
لكنها تذكر أيضاً بأن أي انتصار صحي يظل ناقصاً ما لم يشمل الجميع.
في الرباط، في هذا الثامن من ماي 2026، لم يعد الأمر يتعلق فقط برصد التقدم المحقق، بل بكتابة الفصل المقبل من هذه القصة.
قصة يُفترض أن تختفي فيها هذه الدهون الصناعية من كل مكان، وأن تصبح حماية الصحة حقاً عالمياً مشتركاً.
الدكتور أنور الشرقاوي /خبير في التواصل الطبي والاعلام الصحي




