lundi 20 avril 2026
كتاب الرأي

عبد الواحد غيات: الجزء الثاني سجن الجغرافيا وعقدة الاستعمار (2/2).. من وحدة الشعارات إلى وحدة المصالح

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عبد الواحد غيات: الجزء الثاني  سجن الجغرافيا وعقدة الاستعمار (2/2)..  من وحدة الشعارات إلى وحدة المصالح عبد الواحد غيات

مقدمة الجزء الثاني

بعد أن فككنا في الجزء الأول الجذور التاريخية والجغرافية والتعليمية التي أسست لحالة الاغتراب بين المشرق والمغرب العربي، نجد أنفسنا اليوم أمام تساؤل أكثر إلحاحاً: لماذا فشلت مؤسساتنا السياسية والاقتصادية في ردم هذه الهوة؟

في هذا الجزء، نغوص في المسكوت عنه من صراع النماذج الاقتصادية وتباعد أولويات الأمن القومي، لنستشرف في الختام آفاقاً بديلة لا تقوم على عاطفة 'وحدة المصير' فحسب، بل على ضرورة 'تكامل المصالح' كسبيل وحيد للنجاة في عالم لا يعترف إلا بالكتل الكبرى.

 

 

71251eb5-f832-4fde-bfe1-3fa8a20caf7e.PNG

 

 

خامساً: مفهوم "الدولة" والارتباط بالعمق القاري

الدولة في المشرق: صراع شرعيات. أنتج الاستعمار في المشرق العربي كيانات سياسية قامت غالباً على أنقاض الدولة العثمانية أو الانتداب البريطاني/الفرنسي. هذا جعل مفهوم "الدولة" هناك يرتبط دائماً بـصراعات الشرعية:

شرعية دينية (خلافة، إمامة)

شرعية قومية (بعث، ناصرية، قومية عربية).

شرعية قبلية أو مذهبية (في حالات مثل لبنان، العراق، اليمن).

هذا يفسر حدة التجاذبات الأيديولوجية في مدن كبغداد، دمشق، بيروت، والقاهرة. المشرق رأى نفسه دائماً كقلب الأمة، المسؤول الأول عن قضاياها الكبرى (فلسطين، القدس، الجولان)، مما أعطى لنشاطه السياسي صبغة "انفعالية" و"توسعية" أحياناً، في محاولة لفرض نموذج معين للوحدة.

الدولة في المغرب: الانكفاء إلى الداخل. أما في المغرب العربي، فقد صاغ الاستعمار الفرنسي مفهوم الدولة بشكل مختلف: نحو "الدولة القومية" ذات التوجه المتوسطي والأفريقي، أكثر منها "دولة قومية عربية" صرفه. بعد الاستقلال، انكفأت دول المغرب العربي على بناء مؤسساتها الداخلية:

مواجهة إرث الاستعمار الثقيل (اللغة، الهوية، التبعية الاقتصادية)

بناء دول حديثة على النموذج الأوروبي (دولة مركزية، إدارة فرانكوفونية، جيش محترف).

التعامل مع تحديات داخلية حادة (الربيع الأمازيغي، الإرهاب المحلي، النزاعات الحدودية).

هذا الانشغال بالداخل وبناء "الاستثناء المغاربي" جعل دول المغرب تبدو للمشرقيين وكأنها "تغرد خارج السرب العربي"، بينما يرى المغاربة أن المشرق "يغرق في صراعات أيديولوجية لا تنتهي" و"يتخلى عن دوره القيادي".

النتيجة: "عزلة سياسية إرادية" من الطرفين، ساهمت في تعميق تشرذم الرؤية المشتركة للمستقبل.

 

سادساً: الاقتصاد المشوّه – صراع الريع والإنتاج

الدولة الريعية في المشرق أحدث الاكتشاف الهائل للنفط في المشرق العربي – وتحديداً في دول الخليج العربية (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، عُمان، البحرين) – زلزالاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق. نشأت "الدولة الريعية": دولة تعتمد بشكل كلي أو شبه كلي على تصدير مورد طبيعي واحد، دون حاجة حقيقية لفرض ضرائب أو بناء قاعدة إنتاجية متنوعة.

هذا النمط الاقتصادي خلق فجوة طبقية ومادية هائلة بين:

مشرق غني (دول الخليج) يمتلك فوائض مالية ضخمة، وقدرة على التأثير في القرار العالمي عبر صناديق السيادة، والاستثمارات الضخمة.

بقية الدول العربية (مصر، سوريا، الأردن، لبنان، السودان، اليمن، فلسطين، والعراق رغم ثروته بسبب الحروب) التي تكافح لتوفير الاحتياجات الأساسية، وتعاني من الديون والبطالة والفقر.

هذه الفجوة لم تكن مالية فحسب، بل تحولت إلى "فجوة استعلائية" أحياناً. فالمشرق النفطي رأى في نفسه "مركز القرار الجديد"، وعبر عن ذلك سياسياً (التحالفات الخليجية، الحرب على اليمن، دعم الجيوش في مصر والأردن) وأحياناً ثقافياً (الاستثمار في الإعلام والرياضة والعمران).

اقتصاديات المغرب المتوسطية في المقابل، اتجهت دول المغرب العربي (خاصة تونس والمغرب، وأقل من ذلك الجزائر رغم ثروتها النفطية) نحو محاولة بناء اقتصاديات أكثر تنوعاً

صناعة خفيفة ومتوسطة (نسيج، إلكترونيات، تجميع سيارات)

سياحة ضخمة (شواطئ، آثار، سياحة صحراوية)

زراعة موجهة للتصدير (زيتون، حبوب، فواكه، خضروات)

تحويلات الجاليات المغاربية في أوروبا (مصدر رئيسي للعملة الصعبة).

هذا التوجه جعل الدورة الاقتصادية للمغرب العربي تدور في فلك "الشراكة الأورومتوسطية" أكثر من "التكامل العربي المشترك". فالمواطن والمستثمر في المغرب يرى مصالحه الحيوية مرتبطة بباريس ومدريد وبرلين، بينما يراها المشرقي مرتبطة بالبورصات العالمية (نيويورك، لندن، طوكيو) ومسارات الطاقة (بكين، مومباي).

هذا التباين البنيوي جعل فكرة "السوق العربية المشتركة" (التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي) مجرد شعار سياسي يفتقر إلى الواقعية الاقتصادية.

 

تنافس محموم بدلاً من تكامل بدلاً من أن تعمل الدول العربية ككتلة اقتصادية واحدة (سوق مشتركة، اتحاد جمركي، عملة موحدة)، تتكامل فيها الموارد البشرية المشرقية مع الرساميل المالية الخليجية والموارد الطبيعية المغاربية، دخلت دول المشرق والمغرب في حالة من "التنافس المحموم" على جذب الاستثمارات الخارجية والشركات العالمية.

 

أصبح كل قطر يسعى لتقديم نفسه كوجهة وحيدة ومثالية للاستثمار، مما أدى إلى:

نشوء مشاريع ضخمة متشابهة (مطارات ضخمة، مدن سياحية، مصافٍ نفطية، موانئ عملاقة) تتنافس فيما بينها بدلاً من أن يكمل بعضها بعضاً.

إضعاف القوة التفاوضية للعرب ككتلة أمام التكتلات العالمية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، أو الصين، أو الهند.

هدر موارد هائلة على مشاريع "مكانة" و"فخر وطني" بدلاً من مشاريع تكاملية عابرة للحدود.

السياسة بالمال علاوة على ذلك، أدى اختلاف الأولويات التنموية إلى تشرذم المواقف السياسية:

الدول التي تعاني من أزمات مديونية وبطالة (مثل تونس، لبنان، الأردن، مصر قبل الإصلاحات) أصبحت رهينة للمساعدات والقروض الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي)، مما جعل قرارها السيادي عرضة للضغوط الخارجية

الدول ذات الفوائض المالية (دول الخليج) باتت تستخدم استثماراتها كأدوات "قوة ناعمة" – وأحياناً صلبة – للتدخل في شؤون جيرانها، أو لفرض رؤى سياسية معينة، أو "شراء" ولاءات.

هذا الاستخدام السياسي للمال زاد من حالة عدم الثقة بين الجناحين. فبدلاً من أن يكون "التعاون الاقتصادي" وسيلة للوحدة، تحول إلى أداة للسيطرة أو الابتزاز السياسي، مما عمق التشرذم القائم.

 

سابعاً: الأمن القومي – تباين الأولويات وتعدد "الأعداء"

تعريف مختلف للخطر يعاني العالم العربي من انقسام حاد في تعريف "العدو" أو "المصدر الأساسي للتهديد" الذي يواجه الأمن القومي.

المشرق العربي يرزح تحت وطأة صراعات وجودية مباشرة:

القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل (احتلال، استيطان، قدس).

التمدد الإيراني في العراق، سوريا، لبنان، اليمن.

التدخل التركي في العراق وسوريا.

تغلغل الجماعات المسلحة (داعش، القاعدة، هيئة تحرير الشام) في دول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا (المشرق الممتد).

هذا الواقع جعل العقل السياسي والعسكري المشرقي "عسكرياً وأمنياً بامتياز"، تتركز طاقاته حول توازنات القوى العسكرية والتحالفات الدفاعية الكبرى. قضايا التنمية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، كثيراً ما تتراجع أمام هاجس البقاء والأمن القومي المباشر.

في المقابل، يرى المغرب العربي مهدداته الأمنية من منظور مختلف تماماً:

الهجرة غير الشرعية (آلاف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء يعبرون الصحراء والبحر المتوسط سنوياً).

الجريمة المنظمة عبر الصحراء (تهريب مخدرات، أسلحة، بشر).

النزاعات الحدودية البينية (النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء، النزاع الليبي الداخلي الممت

الإرهاب المحلي (تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى، الجماعات المتطرفة في جبال تونس والجزائر).

هذا الاختلاف في "طبيعة الخطر" خلق نوعاً من البرود العاطفي والمؤسسي في التضامن العسكري والأمني بين الجناحين:

المشرقي قد يرى في قضايا المغرب العربي "نزاعات إقليمية محدودة" أو "مشاكل عابرة" مقارنة بصراعه الوجودي مع إسرائيل وإيران.

المغربي قد يرى في صراعات المشرق "دوامة من العنف لا تنتهي" و"حروب وكالة دولية" قد تجر منطقته إلى كوارث لا ناقة له فيها ولا جمل.

النتيجة المحزنة: غياب "عقيدة أمنية عربية موحدة"، وترك كل جناح يواجه مصيره منفرداً أو ضمن تحالفات دولية غريبة عن النسيج العربي (مثل تحالف عربي ضد الحوثيين بقيادة السعودية، أو تحالف مغاربي-أوروبي لمكافحة الهجرة).

الأمن الحيوي المشترك: أفق جديد ومع ذلك، فإن مفهوم الأمن القومي اليوم لم يعد محصوراً في فوهات المدافع والحدود السياسية. لقد انتقل إلى "الأمن الحيوي المشترك" الذي لا يعترف بالحدود القديمة.

فالتغير المناخي (جفاف، فيضانات، ارتفاع حرارة البحر المتوسط)، وندرة المياه (حوض النيل، دجلة والفرات، طبقات المياه الجوفية الصحراوية)، والأوبئة العابرة للحدود (كوفيد-19، إنفلونزا الطيور، أمراض معدية جديدة) – كلها أعداء صامتون لا يفرقون بين مشرق ومغرب.

هذا المصير البيئي والوجودي المشترك يفرض على الجناحين تجاوز الخلافات السياسية والثقافية نحو "تكامل وظيفي إجباري" يضمن البقاء للجميع. إما أن نتعاون على إدارة ندرة المياه والتصحر والهجرة المناخية، أو سنهلك جميعاً، كل في جزيرته.

التدخلات الخارجية واستراتيجية "فرق تسد" الدولية لم يكتفِ العالم العربي بتشرذمه الداخلي، بل أصبح ساحة مفتوحة لتجريب الاستراتيجيات الدولية التي تعتمد على تعميق الفجوة بين المشرق والمغرب لضمان عدم قيام كتلة عربية وازنة قادرة على فرض إرادتها.

القوى العظمى (الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والصين) تتعامل مع العالم العربي كـ"ملفات منفصلة" لا رابط بينها:

المشرق هو ملف: الطاقة (نفط وغاز)، أمن إسرائيل، مكافحة الإرهاب، التوازن مع إيران وتركيا.

المغرب هو ملف: الهجرة، الطاقة البديلة (هيدروجين أخضر، شمس)، الشراكة المتوسطية، مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للصحراء.

هذا التقسيم الوظيفي الذي فرضه الخارج، تبنته الأنظمة العربية بوعي أو بدون وعي. فأصبح التنسيق بين الرباط وبغداد، أو تونس والرياض، أو الجزائر والقاهرة، يمر غالباً عبر قنوات دولية وعواصم غربية (واشنطن، باريس، جنيف، روما) بدلاً من أن يكون حواراً عربياً مباشراً ومستقلاً.

بل وأكثر من ذلك: أدى ارتهان القرار السياسي لجهات خارجية إلى تحويل الدول العربية إلى "وكلاء" لصراعات دولية لا تخدم المصلحة العربية العليا.

بعض دول المشرق قد تتبنى مواقف سياسية تضر بمصالح دول المغرب العربي لإرضاء حليف دولي (مثل التقارب مع إيران على حساب المصالح المغربية، أو الانحياز لروسيا في أوكرانيا مما يزعج أوروبا الشريك الأول للمغرب).

وبعض دول المغرب قد تتخذ مواقف تضرب عمق المشرق (مثل التطبيع مع إسرائيل دون حل القضية الفلسطينية، أو التعامل مع أوروبا كشريك أول على حساب التضامن العربي).

هذا حول "جامعة الدول العربية" – التي كان المفترض أن تكون منصة للتنسيق والتكامل – إلى هيكل صوري يجمع المتناقضات بدلاً من أن يوحد الإرادات. وخلق حالة من "الريبة المتبادلة" بين القادة والشعوب: كل طرف يتهم الآخر بالارتهان للخارج، أو بالتقصير في القضايا القومية، أو بـ"التآمر" ضد مصالح الأمة.

ثامناً: نحو استشراف واقعي – كيف نخرج من المأزق؟

بعد هذا التشخيص الموجع للتشرذم، يبقى السؤال الأهم: هل ثمّة أمل؟ هل يمكن للمشرق والمغرب أن يتجاوزا هذه الجذور العميقة للانفصال؟ أعتقد أن الأمل موجود، لكنه يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة التفكير، وليس مجرد شعارات جديدة.

أولاً: الانتقال من "وحدة الشعارات" إلى "وحدة المصالح" إن الاستشراف الواقعي يقتضي الكف عن المناداة بـ "وحدة عاطفية اندماجية" أثبتت التجارب (وحدة مصر وسوريا، الوحدة العربية في ستينيات القرن الماضي) فشلها الذريع. بدلاً من ذلك، يجب التحول نحو "نموذج التكامل الوظيفي" التدريجي.

ماذا يعني هذا؟ البدء بمشاريع اقتصادية ملموسة عابرة للحدود، تلامس حياة المواطن العادي

ربط سكك حديدية من المحيط الأطلسي (المغرب، موريتانيا) إلى الخليج العربي (سلطنة عُمان، الإمارات) مروراً بمصر والأردن. خط حديدي واحد ينقل بضائع وأشخاص.

شبكة طاقة متجددة مشتركة: شمس المغرب، رياح مصر، غاز الجزائر، هيدروجين موريتانيا، طاقة شمس الخليج – كلها تتدفق في شبكة واحدة

الأمن الغذائي المشترك: أراضي السودان والعراق ومصر الزراعية، بمياه وتمويل واستثمارات خليجية ومغاربية، تنتج غذاء للجميع.

عندما ترتبط لقمة عيش المواطن في الرباط باستقرار الاستثمار في بغداد، وتعتمد مصانع المشرق على كفاءات ومواد أولية من المغرب، سيتحول الحديث عن "الوحدة" من خطاب عاطفي إلى حاجة يومية ملموسة.

هذا النموذج سيخلق، على المدى البعيد، "كتلة حرجة" قادرة على التفاوض مع القوى الدولية (الاتحاد الأوروبي، الصين، أمريكا، الهند) ككيان واحد، مما يقلل من حدة التبعية ويفرض احترام المصالح العربية المشتركة في المحافل الدولية.

ومن يملك المفتاح لتحقيق ذلك؟ ليس بالضرورة الحكومات – فكثير منها أسير المحاور الدولية – بل الكتلة الشبابية الرقمية.

هذا الجيل الذي يواجه تحديات البطالة والتحول التقني وتغير المناخ بآمال مشتركة، يمتلك القدرة على فرض "دبلوماسية شعبية" من الأسفل إلى الأعلى. شبكات التواصل، المبادرات الأهلية، المشاريع المشتركة عبر الحدود، الضغط الإعلامي الرقمي – كلها أدوات يمكنها أن تضغط نحو مأسسة التكامل العربي، وتحويل الجامعة العربية من كيان سياسي صوري إلى منظمة تدير ملفات تقنية ومعرفية ملموسة.

ثانياً: إعادة بناء الهوية على قاعدة "التنوع الثقافي الخلّاق" بدلاً من النظر إلى التباين الثقافي واللغوي بين المشرق والمغرب (اللهجات المختلفة، المدارس الفكرية المختلفة، المرجعيات المختلفة) كعامل فرقة، يجب استثماره كـ"ثراء حضاري" وقوة وليس ضعفاً.

الرؤية المستقبلية تتطلب نهضة تعليمية وثقافية تعيد تعريف "العروبة" ليس ككيان عرقي أو لغوي صرف، بل كفضاء حضاري واسع يستوعب الروافد

الأمازيغية (في المغرب العربي).

الأفريقية (في موريتانيا، السودان، مصر)

المتوسطية (في تونس، لبنان، سوريا

 الآسيوية (في الخليج، العراق، اليمن).

هذا يتطلب:

إنتاج معرفي وإعلامي مشترك (مسلسلات، أفلام، برامج حوارية، صحف إلكترونية) يكسر الصور النمطية المتبادلة. كم مرة شاهدنا صورة "المغربي المتخلف" في إعلام المشرق، أو صورة "المشرقي المتعالي" في إعلام المغرب؟

تبادل طلابي وأكاديمي واسع، ليس مجرد زيارات شكلية، بل برامج دراسية كاملة في جامعات الطرف الآخر.

احتفاء بالتنوع في المناهج الدراسية: تدريس تاريخ المغرب العربي في مدارس المشرق، وتدريس تاريخ المشرق في مدارس المغرب، كجزء لا يتجزأ من التاريخ الوطني لكل دولة.

هذا الجهد هو الكفيل بتذويب "الحدود النفسية" التي أقسى من الصحاري، وبناء جيل جديد يشعر أن "العروبة" تعني الانتماء إلى فضاء متنوع غني، وليس إلى نموذج واحد متجانس.

ثالثاً: تشكيل "منظومة أمن قومي" مرنة ومتعددة المستويات تستشرف الرؤية ضرورة صياغة "ميثاق أمن عربي جديد" لا يقوم على التدخل العسكري المباشر (الذي غالباً ما يكون مصدر أزمات)، بل على "الأمن التعاوني" في المجالات الحيوية الجديدة.

هذا الميثاق يشمل:

التنسيق في مكافحة الإرهاب: تبادل معلومات استخباراتي، تدريب مشترك، مراقبة الحدود الصحراوية والجبلية والبحرية.

مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود: تهريب مخدرات، أسلحة، بشر، آثار – كلها قضايا مشتركة بين المشرق والمغرب.

الأمن المائي: إدارة مشتركة لحوض النيل، دجلة والفرات، طبقات المياه الجوفية الصحراوية. الماء قد يكون سبب حرب، وقد يكون سبب سلام – والقرار عربي جماعي.

الأمن السيبراني: في عصر الحروب الإلكترونية، التهديد لأمن دولة عربية هو تهديد للجميع. بنية تحتية سيبرانية عربية مشتركة ضرورة لا رفاهية.

يجب أن يدرك المشرق والمغرب أن زعزعة الاستقرار في أي طرف هي "عدوى" ستصل للطرف الآخر مهما بعدت المسافات. أزمة ليبيا أثرت على تونس والجزائر ومصر والسودان (كلها جسور بين المشرق والمغرب). أزمة سوريا أثرت على الأردن ولبنان والعراق وتركيا وأوروبا (التي تهم المغرب أيضاً).

هذه المنظومة الأمنية يجب أن تكون مستقلة قدر الإمكان عن المحاور الدولية، لتعمل كـ"قوة توازن" تحمي السيادة العربية وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة لحروب بالوكالة. منظمة دفاع عربية مشتركة (شبه الناتو العربي)، بقيادة عربية وقرار عربي، تمنح صانع القرار العربي مساحة أكبر للمناورة وتحقيق الاستقرار المستدام.

 

الخاتمة

التشرذم بين المشرق والمغرب العربي ليس قدراً محتوماً، ولا هو "طبيعة أبدية" للعرب كما يحلو لبعض المتشائمين أن يرددوا. إنه حالة طارئة – وإن كانت طويلة الأمد – في تاريخ أمة صهرتها القرون الطويلة من الحضارة الواحدة، والتجارة المشتركة، والحج المتواصل، والعلم المتنقل بين فاس وبغداد والقيروان وقرطبة والقاهرة ودمشق.

 

الجغرافيا التي فرقتنا يوماً، حين كانت الصحاري بحاراً رملية تعزل وتفصل، يمكن – بتقنيات اليوم وإرادات الغد – أن تتحول إلى جسور وطرق سريعة تربط المحيط بالخليج. والاستعمار الذي زرع فينا الحدود النفسية واللغوية، يمكن – بإعادة قراءة ذكية لتعددنا – أن تتحول إلى رصيد استراتيجي يمنحنا لغة حوار مع العالم كله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه.

 

إن الاستشراف الحقيقي يبدأ من الإرادة. إرادة النخب والشعوب معاً على تجاوز منطق "أنا القُطرية" الضيق، إلى منطق "نحن الحضارية" الرحب. إرادة على تحويل التحديات (التغير المناخي، ندرة الموارد، الإرهاب، البطالة) إلى فرص للتعاون، بدلاً من أسباب للمزيد من الانغلاق.

 

عندها فقط، وعندما تلتقي مصالح المواطن في مراكش بمصالح المواطن في مسقط، وعندما يشعر شاب في تونس بقضية شاب في الموصل وكأنها قضيته، وعندما تصبح الجامعة العربية منصة لإدارة الحياة اليومية المشتركة وليس منبراً للخطب الباردة – عندها نكون قد بدأنا فعلاً في بناء "عروبة جديدة": ليست عروبة الشعارات والرموز، بل عروبة الطرق والسكك الحديدية، عروبة الكهرباء والمياه والإنترنت، عروبة الثقافة المتنوعة والهوية الجامعة.

 

عندها فقط، تتحول الجغرافيا التي كانت يوماً عامل تباعد إلى منطلق لنهضة جديدة، وتستعيد دلالتها العميقة لا كحدّ يفصل بل كأفقٍ يربط ويجمع.

 

(لقراءة الجزء الأول في نفس الموقع: سجن الجغرافيا وعقدة الميراث)

 

 

د. عبد الواحد غيات/  باحث في العلوم السياسية

 

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg