ستعرف القاعات السينمائية المغربية ابتداء من الأسبوع القادم عرض فيلم "زنقة مالقا" للمخرجة المغربية مريم التوزاني، الفيلم بعيد جدا عن القالب الذي عُرفت به الكثير من الافلام المغربية، وأيضا بعيد عن النظرة الاستشراقية التي طَبعت بعض الافلام، أو تَطبع بها بعض المخرجين المغاربة، منهم بعض أعمال المخرج نبيل عيوش، زوجها.
''زنقة مالقا'' يعزف هنا على وتر المشاعر والأحاسيس ومدى الإرتباط بالمكان عاطفيا ووجدانيا، حيث يصبح التشبث به شكلا من أشكال التشبث بالحياة نفسها، تلك الحياة البسيطة والسعيدة بكل تفاصيلها الصغيرة، التي تبنتها بصدق ''ماريا''، الشخصية المحورية في الفيلم، والتي أدت دورها ببراعة وامتياز الممثلة الإسبانية الكبيرة "كارمن ماورا".
ماريا بطلة الفيلم تماهت بقوة مع المدينة، مدينة طنجة بكل ما تحمله من جمال طبيعي آسر يخفي داخله هشاشة إنسانية عميقة، وكما تجمع طنجة بين فكرة العبور والإستقرار، تحمل ماريا داخلها هذا التمزق نفسه، فعبورها من هذه المدينة تحول مع توالي الزمن إلى الإستقرار، ليُخططف منها فجأة دون سابق إنذار، بسبب ابنتها، فيطفو إلى السطح التمرد والنضال والمقاومة للتمسك بما تبقى منه، خوفا من الزوال، وهكذا يتحول هذا التماهي إلى فعل وجودي، دفاعا عن الذاكرة، وعن الحق في البقاء والاستقرار، بل دفاعا عن الحياة نفسها.
هذا التواطؤ الوجودي الجميل بين الإنسان والمكان، احتضنته شقة بسيطة في حي شعبي بمدينة طنجة، فصورتها المخرجة مريم التوزاني بحميمية لافتة، جعلت من ضيقها اتساعا إنسانيا ملفتا، ومن تفاصيلها اليومية مادة شعرية نابضة. لم تكتفِ الكاميرا برصد المكان، بل جعلته مرآة عاكسة لعمق هذه التجربة الإنسانية، وقد لعبت الإضاءة دورا فعالا في توصيل هذا الشعور، إذ لم تكن مجرد عنصر تقني، بل لغة بصرية قائمة بذاتها، مشبعة بجمالية ساحرة، فتارة إضاءة متفتحة ناعمة تحيل على لحظات السعادة والرومانسية، وهي الغالبة مادام الفيلم يحتفي بالحياة، وتارة إضاءة خافتة تحيل الى مسحة من التأمل والحزن.
لا شك أن الممثلة "كارمن ماورا" هي التي حملت، وتحملت عبء العمل كله من ناحية التشخيص، وقد توفقت في ذلك، وجعلت بناء الشخصية التي تقمصتها أكثر سلاسة وانفتاحا وتواصلا مع الجمهور بفعل أدائها القوي المبني أساسا على الموهبة وتراكم الخبرة والتجربة، وقوة تشخيصها هذا تطرق إليه كثيرون ممن تناولوا هذا الفيلم بالنقد والتحليل، لكن للأسف لم أصادف كتابات أشارت الى من شاركها عالمها في هذا الفيلم، وهو المخرج المغربي أحمد بولان الذي أدى دور عبد السلام تاجر الأثاث والديكورات القديمة المستعملة.
أحمد بولان أعرفه كمخرج وكممثل في بعض الأدوار الصغيرة، لكن هنا تفاجأتُ بتشخيصه وتماهيه القوي مع البطلة، فلم يكن حضوره مجرد سند درامي لها، بل شريكا فِعليا في بناء عالمها، إذ أضفى على شخصية عبد السلام عمقا إنسانيا هادئا، قائما على البساطة والصدق، وقد نجح في تقديم الشخصية كشخصية ناضجة، مثقلة بالتجارب، منفتحة على الحب والحياة، فبدت علاقته بماريا علاقة متكافئة، قائمة على الإحتواء والتفاهم، وهو ما منح هذه العلاقة طابعا واقعيا مقنعا، وبهذا يمكن القول إن بولان قد نجح بقوة في تقريب شخصية عبد السلام من المتلقي، أداءً وحضورا، دون مبالغة وتصنع.
حتى لا أطيل وباختصار فيلم "زنقة مالقا" يستحق المشاهدة، ومخرجته مريم التوزاني نجحت في تقديم عمل فني بسيط في حبكته، لكنه عميق في أسئلته، وتأملاته، مقدّمة بذلك تجربة إنسانية صادقة تحتفي بالحياة في مرحلة عمرية معينة، وتمنح الشيخوخة نبضا إنسانيا أكثر عمقًا، وتحولها من خريف العمر - كما يسميها الكثيرون - إلى ربيع العمر بكل عنفوانه.





