يشكّل الحديث النبوي الشريف: "لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسنَ الناسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا" قاعدة أخلاقية وفكرية من أعمق ما أُسس في بناء الإنسان الواعي في التصور الإسلامي. فهو لا يخاطب السلوك الظاهر فحسب، بل يتوجه إلى البنية الداخلية للإنسان، إلى منطقه في التفكير، وطريقته في الحكم، ومصدر قراراته. ومن هذا المنطلق، يصبح هذا الحديث معياراً نقدياً يمكن من خلاله قراءة كثير من الظواهر في الواقع الإسلامي المعاصر، وعلى رأسها ظاهرة “صناعة القطيع” داخل أغلب الجماعات الإسلامية المعاصرة .
فالإنسان في الرؤية الإسلامية ليس مجرد تابع يُستنسخ من غيره، بل هو كائن مكرّم بالعقل، مؤتمن على اختياراته، مسؤول عن أفعاله. والعقل في هذا السياق ليس أداة معرفة فقط، بل هو ميزان أخلاقي يزن به الإنسان مواقفه، ويميّز به بين الحق والباطل. غير أن هذا العقل قد يدخل في حالة تعطيل شبه كامل حين يخضع الفرد لمنظومة جماعية مغلقة، تفرض عليه أن يرى بعينها، وأن يفكر بمنطقها، وأن يحكم وفق قوالبها الجاهزة. وهنا تبدأ ملامح “الإمَّعية” التي حذر منها الحديث، حيث يتحول الإنسان إلى صدى لجماعته، لا إلى صوت مستقل يعبر عن قناعته .
إن بعض التيارات الإسلامية المعاصرة – مع اختلاف درجاتها – وقعت في هذا الإشكال، حين جعلت الانتماء التنظيمي أو الفكري مقدّماً على الاستقلال العقلي، فصار الفرد فيها يُربّى على الطاعة قبل الفهم، وعلى الامتثال قبل النقد، وعلى الاصطفاف قبل التمييز. وبهذا التحول، لم تعد الجماعة إطاراً مساعداً على الوعي، بل تحولت في بعض الحالات إلى بنية ضاغطة تعيد تشكيل الفرد وفق منطق القطيع، حيث يُكافأ المطيع ويُقصى المختلف، ويُمدح المقلد ويُتهم المفكر .
وحين تترسخ هذه النفسية، فإنها تؤدي إلى تعطيل آليات التفكير النقدي، فيغيب السؤال، ويُستبعد الشك المنهجي، ويُنظر إلى الاختلاف باعتباره انحرافاً لا إثراءً. وفي هذه الأجواء، لا يعود العقل معياراً للحقيقة، بل تصبح الحقيقة هي ما تقوله الجماعة، أو ما يتبناه الخطاب السائد داخلها. وهنا يفقد الإنسان حريته الداخلية، حتى وإن بدا ظاهرياً ملتزماً أو منضبطاً .
وإذا تأملنا هذه الظاهرة بعمق نجد أنها تتقاطع تماماً مع ما يمكن تسميته بـ”نفسية القطيع”، تلك الحالة التي يتعطل فيها العقل، ويتلاشى المنطق، وتُمحى الفوارق بين العاقل والجاهل . ففي ظل هذه النفسية، قد نجد العالِم يسير خلف العامي، والمفكر ينقاد وراء الدهماء، لا لضعف في قدراته، بل لقوة الضغط الجماعي الذي يفرض عليه الانسجام مع التيار، مهما كان اتجاهه . وهكذا، يصبح العلم بلا أثر، والفكر بلا وظيفة، لأن صاحبه اختار – أو اضطر – إلى التنازل عن استقلاله .
ولا تقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى بنية المجتمع ككل، حيث يُعاد ترتيب سلم القيم بطريقة مقلوبة: يتقدم الجاهل لأنه أكثر انسجاماً مع الخطاب السائد، ويتراجع العاقل لأنه أكثر قدرة على النقد، ويُقصى الحكيم لأنه يرفض التبسيط، بينما يُحتفى بالسوقي لأنه يجيد مخاطبة العاطفة الجماعية. وفي هذه الحالة، لا يعود الانتماء قائماً على الكفاءة أو الصدق، بل على درجة الولاء والانقياد .
وهذا ما يجعل الحديث النبوي في غاية الأهمية، لأنه يعيد تأسيس العلاقة بين الفرد والجماعة على أساس متوازن. فهو لا يدعو إلى الانعزال أو التمرد، بل إلى الوعي. لا يطلب من الإنسان أن يكون ضد الناس دائماً، بل أن لا يكون معهم على حساب الحق. فالمعيار ليس في موافقة الجماعة أو مخالفتها، بل في موافقة الحق نفسه. ولذلك، جاء التوجيه واضحاً: إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا. أي أن الفعل الأخلاقي يجب أن يكون نابعاً من مبدأ، لا من رد فعل.
وهذا المعنى يحمل بعداً فلسفياً عميقاً، إذ يؤكد أن الأخلاق لا تُبنى على المحاكاة، بل على القناعة. فالإنسان الذي يُحسن لأنه يرى غيره يُحسن، قد يتوقف عن الإحسان حين يتوقف غيره. أما الذي يُحسن لأنه يؤمن بالإحسان، فإنه يظل ثابتاً، حتى في بيئة تشجّع على الإساءة. وهذا هو جوهر الاستقلال الأخلاقي الذي يسعى الحديث إلى ترسيخه .
وفي هذا الإطار، يمكن فهم “صناعة القطيع” داخل بعض التيارات الإسلامية بوصفها انحرافاً عن هذا المبدأ، حيث يتم استبدال القناعة بالتلقين، والاستقلال بالتبعية، والحوار بالإملاء. ويُصبح الهدف هو إنتاج أفراد متشابهين في التفكير والسلوك، لا أفراد قادرين على الاجتهاد والإبداع. وهذا النموذج، وإن بدا ناجحاً في تحقيق الانضباط التنظيمي، إلا أنه يضعف القدرة على التجديد، ويجعل الجماعة عاجزة عن التفاعل مع الواقع المتغير.
ومما يزيد من تعقيد هذه الظاهرة في العصر الحديث، أن وسائل التأثير لم تعد محصورة في الإطار المباشر، بل توسعت عبر الإعلام وشبكات التواصل، حيث يمكن لخطاب معين أن ينتشر بسرعة هائلة، ويُعيد تشكيل الوعي الجمعي في زمن قياسي. وفي مثل هذا السياق، تصبح “الإمَّعية” أكثر خطورة، لأنها لا تقوم فقط على الطاعة التنظيمية، بل على التأثر غير الواعي بالمحتوى المتداول، مما يجعل الإنسان يظن أنه يفكر، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج ما يتلقاه.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة إحياء روح الحديث النبوي في التربية الإسلامية المعاصرة، ليس بوصفه نصاً وعظياً، بل باعتباره مشروعاً لبناء الإنسان الحر المسؤول. وهذا يقتضي إعادة الاعتبار للعقل، وتشجيع السؤال، وفتح المجال للاختلاف، وتربية الأفراد على أن يكونوا أصحاب مواقف، لا مجرد أتباع.
كما يتطلب ذلك إعادة النظر في بعض الممارسات داخل التيارات الإسلامية، التي قد تساهم – بقصد أو بغير قصد – في تكريس “نفسية القطيع”، مثل تضييق مساحة النقاش، أو تقديس القيادات، أو ربط الحق بالأشخاص لا بالمبادئ. فهذه الممارسات، وإن كانت تهدف إلى الحفاظ على وحدة الصف، إلا أنها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث تُنتج أفراداً عاجزين عن التفكير المستقل، وغير قادرين على مواجهة التحديات الفكرية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفكر الإسلامي اليوم، ليس فقط في مواجهة الخارج، بل في مراجعة الداخل، وفي تحرير الإنسان من القيود التي تعيق وعيه. والحديث “لا تكونوا إمَّعة” يمثل مفتاحاً أساسياً في هذه المراجعة، لأنه يعيد توجيه البوصلة نحو بناء الإنسان قبل بناء التنظيم، ونحو ترسيخ القيم قبل فرض الانضباط.
وفي الختام، يمكن القول إن الصراع الحقيقي ليس بين تيار وآخر، بل بين نمطين من الوعي: وعي مستقل يفكر ويختار، ووعي تابع يكرر وينقاد. والحديث النبوي يقف بوضوح إلى جانب النمط الأول، لأنه وحده القادر على تحقيق الاستخلاف الحقيقي، وبناء مجتمع يقوم على العدل والحرية والمسؤولية. أما “القطيع”، مهما بدا متماسكاً، فإنه يظل هشاً من الداخل، لأنه يفتقد إلى العنصر الأهم: الإنسان الحر الواعي .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية





