أصدر الكاتب والباحث سيدني كوركوس Sydney corcos، المزداد بالمغرب، والمنحدر من إحدى العائلات اليهودية البارزة في تاريخ مدينة الصويرة (تجار السلطان)، عملا علميا متميزا يحمل عنوان "كتاب موكادور: القصة المدهشة لجماعة يهودية في المغرب" (Le livre de Mogador : l'histoire d'une communauté juive au Maroc)،
وهو إصدار يعد إضافة نوعية إلى المكتبة التاريخية الوطنية والدولية.
ويأتي هذا العمل في طبعة أنيقة وفاخرة، تشكل في مجموعها مرجعا توثيقيا وأكاديميا بالغ الأهمية، يؤرخ لواحدة من أبرز الجماعات التي أسهمت في صياغة تاريخ المغرب الحديث، وهي الجماعة اليهودية لمدينة الصويرة (موكادور سابقا).
يتكون هذا العمل من أربعة مجلدات ثرية تمتد على 2290 صفحة، توثق لما يقارب 200 سنة من التاريخ، كاشفة عن مسار تاريخي غني ومعقد لجماعة ازدهرت في قلب المغرب، ونسجت علاقات متينة بين الشرق والغرب، في تفاعل حضاري وثقافي واقتصادي فريد.
ويعد هذا المشروع ثمرة 25 عاما من البحث المتواصل، اعتمد خلالها المؤلف على رصيد وثائقي استثنائي يضم آلاف الوثائق غير المنشورة، والشهادات الأصلية، والصور النادرة، والتسجيلات التاريخية، المستقاة من أرشيفات مغربية وأوروبية، ومن مجموعات خاصة، إضافة إلى أدبيات الرحلة.
يتوزع هذا العمل على بنية علمية دقيقة، حيث يضم 43 فصلا موزعة على مجلدين، تعالج قضايا متعددة ومتكاملة، تلامس مختلف أبعاد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية لهذه الجماعة. كما يتضمن دراسة مفصلة لثلاثين عائلة من أبرز عائلات المدينة، كاشفا عن شبكة معقدة من الروابط الأنسابية، ومبرزا العديد من المعطيات الجديدة التي لم يسبق تداولها في الأدبيات التاريخية.
ولا يقتصر هذا الإصدار على السرد التاريخي فحسب، بل يتجاوزه إلى عمل توثيقي شامل، من خلال مجلد إضافي يضم اثني عشر ملحقا، يقدم لأول مرة قاعدة بيانات موسعة لأسماء أفراد الجماعة، مصنفة وفق زوايا متعددة، بما يجعل منه أداة مرجعية للباحثين في مجالات التاريخ والأنثروبولوجيا والدراسات اليهودية، فيما يضم المجلد الرابع عدة مئات من الصفحات، ويتضمن 10 ملاحق، تجمع أسماء أفراد المجتمع من وجهات نظر مختلفة.

ويبرز هذا الكتاب، الدور المحوري الذي اضطلعت به هذه الجماعة في الحياة الاقتصادية والدبلوماسية، حيث ضمت تجارا للسلطان، وقناصل ممثلين لدول أوروبية وللولايات المتحدة، فضلا عن حاخامات وشعراء ومحسنين وزعماء مجتمعيين. كما يسلط الضوء على كيفية تمكن هذه الفئة، المنحدرة من مطرودي إسبانيا ومن السكان المحليين، من بناء منظومة متكاملة حافظت على خصوصيتها الثقافية والدينية، مع تعزيز روابط التعايش والتفاعل الإيجابي مع محيطها المسلم، رغم ما واجهته من أزمات وتحولات.
ومن زاوية أوسع، يتجاوز هذا العمل حدود التأريخ المحلي، ليقدم قراءة معمقة في تاريخ الشتات اليهودي، بوصفه تجربة إنسانية كونية امتدت لقرون، قبل أن تعرف تحولات كبرى في العصر الحديث.
وبهذا المعنى، يشكل كتاب سيدني كوركوس Sydney corcos مساهمة علمية رصينة، تفتح آفاقا جديدة لفهم التاريخ المشترك، وتدعو إلى إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والتعايش والتعدد الثقافي في السياق المغربي والعالمي.
غير أن القيمة المعرفية لهذا العمل لا تنفصل عن خلفيته الإنسانية والشخصية العميقة، كما يكشف ذلك المؤلف نفسه في تقديمه للكتاب، حيث يستحضر أثر والده، المؤرخ ديفيد كوركوس، في تشكيل هذا المشروع العلمي، ففي شهادة مؤثرة، يوضح أن اهتمامه بتاريخ عائلته وتاريخ الجماعة اليهودية بموكادور بدأ يتنامى منذ وفاة والده سنة 1975، ليتحول مع مرور الزمن إلى شغف عميق يكاد يلامس حدود الهوس المعرفي.
ويؤكد المؤلف أن كتابه يروي قصة فضاء تاريخي عاش فيه أجداده عبر أجيال، وهي قصة لا تخص العائلة فحسب، بل تمتد لتشمل الجماعة التي كانوا جزءا فاعلا في بنائها، وأسهموا في تشكيل ملامحها، كما يشير إلى المكانة العلمية التي حظي بها والده، الذي عد مرجعا بارزا في تاريخ اليهود المغاربة.
وفي اعتراف علمي يتسم بالتواضع، يوضح سيدني كوركوس Sydney corcos، أنه انطلق في هذا المشروع من زاوية علم الأنساب، مهتما بتتبع العائلات وبناء شجرات النسب، مستفيدا من الأسس التي وضعها والده في هذا المجال.
وقد أهدى المؤلف هذا العمل إلى ذكرى والديه الراحلين، ديفيد وجورجيت كوركوس، وإلى أجداده الذين كانوا جزءا من تاريخ موكادور.
وقد حظي هذا الإصدار الجديد، بإشادة أكاديمية وازنة، من بينها ما كتبه بين دفتي الكتاب، الباحث دانيال شروتر، أستاذ كرسي بجامعة مينيسوتا الأمريكية ومؤلف كتاب "تجار الصويرة: المجتمع الحضري والإمبريالية في جنوب غرب المغرب 1844-1886" تعريب الأكاديمي خالد بن الصغير، حيث اعتبر أن كتاب الباحث كوركوس، يمثل ثمرة جهد بحثي معمق وعملا نابعا من شغف حقيقي، مؤكدا أنه يكاد لا يوجد عمل آخر بهذا المستوى من التفصيل حول جماعة يهودية مغربية، مشيرا أن الكتاب، يعد بما يحمله من وثائق وصور وتحليل، مرجعا مهما للباحثين ولأبناء الجالية اليهودية المغربية.
وفي إطار التعريف بهذا الإصدار الرفيع، يرتقب أن يحتضن بيت الذاكرة بمدينة الصويرة، حفل تقديم وتوقيع الكتاب، وذلك يوم الأحد 3 ماي 2026، بحضور شخصيات وطنية ودولية وازنة، في مقدمتها أندري أزولاي مستشار جلالة الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور إضافة لطارق محمد عثماني رئيس الجماعة الترابية الصويرة رئيس المكتب التنفيذي لجمعية الصويرة موكادور والكاتبة المتألقة كاتيا برامي أزولاي التي الفت كتبا هامة عن مدينة الصويرة.
ويتضمن برنامج الحفل كلمة بالمناسبة يلقيها المستشار الملكي، تليها مداخلة للمؤلف سيدني كوركوس Sydney corcos يقدم فيها عرضا حول الكتاب ومضامينه ومنهجيته البحثية. كما يشمل البرنامج فاصلا موسيقيا من تأليف كيرين كوركوس، عبارة عن أغنية أُعدت خصيصا لهذه المناسبة، كتب كلماتها جدها الراحل ديفيد كوركوس.
ويتبع ذلك بعرض ثقافي تقدمه مينة المغاري، أستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، تحت عنوان "الحفاظ على تراث الغياب: المواقع اليهودية في موكادور اليوم"، إضافة إلى مداخلة للبروفيسور الفخري حاييم سعدون حول موضوع "اليهود المغاربة خلال العقد الحاسم 1946-1956: المفارقة...".
إن ما يقدمه كتاب سيدني كوركوس Sydney corcos يتجاوز مجرد التأريخ، ليصبح شهادة إنسانية على مدينة صنعتها التجارة، واحتضنتها التعددية، وحفظتها الذاكرة.
وبين الماضي والحاضر، تظل مدينة الصويرة، مثالا حيا على أن صون التاريخ ليس فقط وفاء للماضي، بقدرما هو استثمار في المستقبل، كما تظل مدينة القيم الإنسانية المتمثلة في السلام والإنفتاح والعيش المشترك والحاضنة لمعتنقي مختلف الديانات والثقافات.
يشار، أنه شارك في إنجاز هذا الكتاب التوثيقي الضخم وغير المسبوق، فريق متعدد الاختصاصات، حيث أنجزت الترجمة عن العبرية مؤسسة Helena Translation، وتولت Jane Yaakobi المراجعة الفرنسية، بينما أشرف Avraham Dickman على التصفيف، وقام سيدني كوركوس Sydney corcos نفسه بتصميم الغلاف، والكتاب صادر عن دار الطباعة والنشر Amazon.
محمد طيفور، الصويرة





