لا يُعد التخييم التربوي في المغرب مجرد نشاط موسمي ترفيهي عابر أو نزهة صيفية، بل هو مختبر لصناعة المواطنة وآلية استراتيجية لتفعيل الحق الدستوري للطفل في الترفيه والتنشئة السليمة. غير أن مجموع المستفيدين محدود (بالرغم من كل الحسابات وأشكالها) نظرا لخريطة التخييم الحالية التي تكشف عن مفارقة بنيوية صارخة: فبينما يختنق الشريط الساحلي بمراكز التخييم (الرسمية) تظل سلاسل الأطلس والريف والواحات والمناطق القروية مناطق بيضاء تربويًا محرومة من هذه الخدمة الحيوية، وبالرغم من تحرك القطاع الخاص في الموضوع (مع كل المآخذ)، مما يبرز سؤال العدالة المجالية كسؤال سياسي محوري بامتياز، يهدف إلى تحويل التخييم من خدمة عمومية ممركزة إلى رافعة حقيقية للتنمية الترابية.
1. أرقام تسائل الضمير التربوي
تكشف المؤشرات الحالية عن اختلال مجالي ومالي واضح، فبالرغم من طموح البرنامج الوطني عطلة للجميع لأن يصل عدد المستفيدين الى 250000 طفل وطفلة (من سن 7 إلى أقل من 15 سنة) فإن الاختلال المقصود يتجلى في ثلاثة مستويات رئيسية:
· من جهة يتركز أكثر من 70% من الطاقة الاستيعابية للمخيمات في السواحل، مما يكرس نظرة بحرية ضيقة للنشاط التربوي ويقصي التنوع الطبيعي الغني الذي تزخر به البلاد من جبال وغابات وواحات وسهول داخلية.
· ومن جهة أخرى تلتهم تكاليف النقل أكثر من 40% من ميزانيات الجمعيات ومساهمات الأسر، وهي موارد تُستنزف في اللوجستيك بدلاً من استثمارها في تجويد المحتوى البيداغوجي والتربوي.
· ويتم هذا على مستوى محدود من الجماعات الترابية فبالرغم من وجود أكثر من 1500 جماعة ترابية في المغرب فأقل من 5% منها هي التي تتوفر من على مرافق تخييم قارة (التي لا تتجاوز ال 50 مركزا)، مما يجعل التدخل المحلي هامشيًا وغير هيكلي، ويفرغ مفهوم الجهوية المتقدمة من مضمونه التنموي.
2. العدالة المجالية للأطفال: المفهوم والرهانات
قبل المضي في تحليل واقع قطاع التخييم، لا بد من استحضار المفهوم الأوسع الذي يندرج فيه هذا النقاش. فالعدالة المجالية للأطفال تعني توفير حقوق وحماية متكافئة للأطفال في جميع المناطق مع تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر على جودة حياتهم ونموهم، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببرامج وطنية لحماية الطفولة، مثل البرنامج الوطني المندمج وخطة العمل الوطنية (2015-2025)، التي تسعى إلى تحسين ظروف الأطفال وضمان حقوقهم في مختلف المجالات.
إن تحقيق العدالة المجالية للأطفال يتطلب سياسات عمومية مندمجة تراعي التفاوتات المجالية والاجتماعية، وتوفير تمويلات عادلة، وتعزيز دور المجتمع المدني، بالإضافة إلى إشراك الأطفال أنفسهم في اتخاذ القرارات التي تهمهم عبر آليات مثل مجالس الطفل والجمعيات المهتمة كليا بالموضوع وهذا ما يفتقده قطاع التخييم بشكل لافت.
المرجعية الدستورية والحقوقية: تفعيل الحق في الترفيه كحق دستوري فالفصل 33 من الدستور ينص على تيسير ولوج الشباب للثقافة والفن والرياضة والترفيه.، وتقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان (2025-2026) حول الإنصاف المجالي.
والمرجعية القانونية: استثمار القوانين التنظيمية للجماعات الترابية 113.14 المتعلق بالجماعات و111.14 المتعلق بالجهات لتعزيز الاختصاصات الذاتية والمشتركة في مجالات الطفولة والشباب.
وعليه يجب إعادة هندسة الأدوار من الدولة المركزية إلى التكاملية حيث يتطلب الانتقال إلى نموذج التخييم الترابي قطيعة واضحة مع منطق التدبير العمودي وإعادة توزيع الأدوار بين المتدخلين في الموضوع واعتماد مقاربة تشاركية تحدد مسؤوليات كل طرف بدقة:
الدولة المركزية: من المُدبّر إلى المُقنّن والضامن بان تنتقل الوزارة الوصية من دور المحتكر للتنظيم إلى دور المايسترو والقائد المنظم، وذلك عبر:
· صياغة المعايير الوطنية للجودة والسلامة وتأطير دفاتر التحملات.
· تفعيل أدوار المراقبة والتقييم لضمان تكافؤ الفرص بين جميع الجهات.
· توجيه الدعم المالي نحو المشاريع الاستراتيجية والمناطق ذات الخصاص.
الجماعات الترابية: من الدعم الظرفي أو الانتخابي إلى الفعل الاستراتيجي فاستنادًا إلى القوانين التنظيمية يتعين على المجالس المنتخبة الارتقاء إلى مستوى الشريك التنموي الفاعل من خلال:
· مأسسة البنيات: إدراج بناء وتجهيز مراكز التخييم ضمن برامج العمل الجماعية (PAC) وبرامج التنمية الجهوية (PDR).
· الاستثمار العقاري: توظيف العقار الجماعي لإنشاء فضاءات استقبال وتنشيط الأطفال بالشراكة مع القطاعات المعنية.
المجتمع المدني: من اللوجستيك إلى الابتكار التربوي حيث لا بد من تحرير الجمعيات من عبء التدبير المادي المرهق لتمكينها من العودة إلى جوهر رسالتها النبيلة:
· تطوير برامج بيداغوجية تواكب التحولات الرقمية والقيمية للناشئة.
· المساهمة في صياغة السياسات العمومية للطفولة كقوة اقتراحية مؤثرة.
· إرساء قيم التربية الشعبية والمواطنة النشطة والتنشيط التربوي الهادف.
3. مخيمات أخرى
إن المخرج الحقيقي من أزمة التكدس الساحلي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر انشاء مخيمات في كل الجهات ونهج مخطط لإنشاء مخيمات في الجماعات المحلية وابتكار مخيمات القرب الحقيقية بالمبيت وبدونه تُحدث قطيعة مع النموذج الحالي، بتحويل الفضاءات التابعة للجماعات (مدارس، دور شباب، مراكز سوسيو-رياضية) إلى مراكز تخييم حضرية لتخفيف الضغط على المخيمات الوطنية. إن الحل يكمن في هندسة شراكات جديدة تجعل من الجهة ضامنة للعدالة بين أقاليمها والجماعات متكاملة بينها. فبتوطين المراكز في الجبال والواحات والمناطق الداخلية لا يساهم فقط في تحقيق العدالة المجالية المنشودة، بل يحقق جملة من المنافع الإضافية حيث ينعش الاقتصاد المحلي ويساهم في تنشيط السياحة الداخلية وتخفيف الضغط على السواحل، ويضمن لكل طفل مغربي حقه في التخييم بجوار موطنه الأصلي دون معاناة التنقل الطويل ويقلص التكلفة المادية على الأسر والجمعيات، ويُعزز قيمة التنوع الطبيعي والثقافي الذي يزخر به المغرب.
إن من فلسفة نشاط التخييم أن تنبني أصلاً على هذا التنوع حيث أطفال المناطق الداخلية يتوجهون إلى مخيمات الشاطئ، والعكس صحيح، وفي ذلك منافع جمة، أهمها أن أطفال الساحل محتاجون إلى الاستفادة من القيمة الصحية للمناطق الجبلية والقارية لتزويدهم بالأوكسجين النقي، بينما يحتاج أطفال الداخل إلى حصتهم من اليود الذي توفره المناطق الشاطئية. وهذا التكامل الطبيعي يجب أن ينعكس على خريطة مراكز التخييم.
وعليه يمكن تصور محاور الإصلاح أو خارطة طريق لعدالة حقيقية لتحقيق إنصاف مجالي حقيقي:
بتشخيص الواقع الجغرافي لرصد المناطق البيضاء وتحليل التوزيع الحالي لإنهاء تهميش الجبال والواحات.
وهندسة شراكات مبتكرة بتفعيل عقد البرنامج بين الجهات والوزارة الوصية لإحداث مراكز تخييم جديدة.
وتطوير الآليات القانونية من أجل تفعيل اتفاقيات الشراكة لبناء وتجهيز فضاءات تخييم محلية واستغلال برامج العمل الجماعية (PAC) وبرامج التنمية الجهوية (PDR) لدمج قطاع التخييم كأولوية تنموية. وتفعيل الاختصاصات الواردة في القوانين التنظيمية: القانون التنظيمي 111.14 (الجهات) الذي يمنح الجهة دوراً ريادياً في إعداد برنامج التنمية الجهوية الذي يمكن أن يتضمن إحداث مراكز تخييم جديدة، والقانون التنظيمي 113.14 (الجماعات)الذي يخول للمجالس الجماعية إحداث وتدبير المرافق العمومية المحلية، ومن ضمنها فضاءات الطفولة والشباب، عبر برنامج عمل الجماعة.
4. هل تنهي الجهوية المتقدمة التهميش التربوي
إن العدالة المجالية في قطاع التخييم ليست ترفًا نظريًا، بل هي المحك الحقيقي لنجاح ورش الجهوية المتقدمة الذي تراهن عليه بلادنا. فهل يمتلك صُنّاع القرار على المستوى المركزي والترابي الشجاعة الكافية للاستثمار في رأسمالنا البشري الصغير، وتحويل التخييم من أداة للترفيه الموسمي إلى رافعة دائمة للتنمية والإنصاف المجالي؟ الجواب يتوقف على مدى استعدادنا جميعًا - دولة، جماعات، ومجتمعًا مدنيًا - لتجاوز منطق المركزية والارتجال، نحو عقد جديد يضع الطفل وكرامته وحقه في الفرص المتكافئة في صلب كل سياسة عمومية.
إن الانتقال من العدالة المجالية كشعار إلى واقع يتطلب اعتبار المخيم مرفقاً عمومياً محلياً وليس فقط برنامجاً موسمياً مركزياً.
وعليه تعتبر العدالة المجالية في قطاع المخيمات التربوية مدخلاً أساسياً لتحقيق تكافؤ الفرص بين أطفال المغرب، خاصة في ظل التفاوتات الملحوظة بين الأقاليم في الولوج إلى هذه البنى.
إن الانتقال نحو التخييم الترابي هو المدخل الأساسي لتحقيق تكافؤ الفرص بين أطفال المغرب، فهل تنجح الجماعات الترابية في التقاط الإشارة وتحويل التخييم من نشاط موسمي مركزي إلى حق محلي مستدام؟





