mercredi 15 avril 2026
كتاب الرأي

محمد هرار: على حافة الموقف.. سردية الانقسام والتشظي

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
محمد هرار: على حافة الموقف.. سردية الانقسام والتشظي محمد هرار

في زمن تتداخل فيه الخرائط بالهويات، وتتشابك فيه المصالح بالشعارات، لم يعد المشهد السياسي في العالم الإسلامي قابلا للاختزال أو التبسيط. ما يبدو للوهلة الأولى انقساما مذهبيا حادا، هو في حقيقته مرآة لتعقيد أعمق، تعقيد تتصارع فيه القراءات والتجارب والذاكرة الجماعية، أكثر مما تتصارع فيه العقائد.

حين اندلعت التوترات بين قوى كبرى ودول في المنطقة، لم يكن رد الفعل الإسلامي موحدا، كما يتخيله البعض، بل انقسم الوعي قبل أن تنقسم المواقف. فريق نظر إلى الوقائع من زاوية الألم التاريخي، من ذاكرة مثقلة بصور الهيمنة والتدخلات، فرأى في أي مواجهة مع القوى الكبرى نوعا من مقاومة مستحقة، حتى وإن جاءت من دولة مثيرة للجدل. بالنسبة لهؤلاء، لم تكن المسألة تقييما لسلوك دولة بعينها، بقدر ما كانت امتدادا لصراع طويل مع ميزان قوة مختل.

وفي المقابل، وقف فريق آخر أمام المشهد بعين ناقدة لا تقل حساسية، لكنه يرفض أن تُمنح البراءة السياسية لمجرد الانتماء المذهبي. هؤلاء يرون أن الظلم لا يُقاس بهوية الفاعل، وأن الدولة التي تمارس القمع أو تتورط في صراعات إقليمية مؤلمة لا يمكن تبريرها تحت مظلة الانتماء الإسلامي. في نظرهم، العدالة لا تتجزأ، ومن الخطير أن تتحول إلى أداة انتقائية.

وبين هذين التيارين، تتشكل مساحة واسعة من الحيرة، حيث يقف كثيرون عاجزين عن تبني موقف حاسم، لأن الوقائع نفسها لا تمنح يقينا سهلا. فالدول ليست كائنات أخلاقية صافية، بل كيانات تتحرك وفق حسابات معقدة، تختلط فيها المصالح بالأيديولوجيا، والأمن بالهيمنة، والدفاع بالهجوم.

ما يزيد من عمق هذا الانقسام، أن الذاكرة الحديثة لا تزال حاضرة بقوة. أحداث كبرى هزت العالم، ورفعت سقف الأمل ثم تركت وراءها واقعا أكثر تعقيدا، وتحالفات تبدلت بسرعة أربكت المتابعين، كلها ساهمت في تشكيل وعي متشظ، يصعب جمعه تحت رواية واحدة. كل طرف يحمل شواهده، ويستند إلى وقائع يراها كافية لتبرير موقفه، بينما يراها الطرف الآخر دليلا على نقيضه.

لكن ربما تكمن المشكلة الأعمق في الميل إلى البحث عن اصطفاف نهائي، عن إجابة حاسمة تُريح الضمير، في عالم لا يمنح مثل هذه الراحة. فالسياسة، بخلاف ما نحب أن نعتقد، ليست ساحة للأخيار والأشرار بقدر ما هي ميدان لتقاطع القوى والمصالح، حيث يمكن للفاعل نفسه أن يكون ظالما في سياق، ومظلوما في سياق آخر.

إن تنوير الرأي العام لا يبدأ بفرض موقف، بل بفتح أفق للفهم. أن ندرك أن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن النقد لا يعني الاصطفاف مع الخصم، وأن التعاطف لا يعني التبرير. وأن نعيد الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن القيم لا تُختبر حين نتفق، بل حين نختلف.

وفي الختام، لعل التحدي الأكبر ليس في تحديد من نؤيد، بل في كيف نفكر. كيف نوازن بين العاطفة والعقل، بين الانتماء والمبدأ، بين التاريخ والواقع. وكيف نحافظ على إنسانيتنا وسط ضجيج السياسة، دون أن نسمح لها بأن تُختزل في شعار، أو تُستغل في صراع لا يرحم.

 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg