mercredi 15 avril 2026
كتاب الرأي

محمد حمزة: العلم والديمقراطية: عملية تصحيح مستمرة

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
محمد حمزة: العلم والديمقراطية: عملية تصحيح مستمرة محمد حمزة

العلم عملية تصحيح مستمرة، تمامًا كالديمقراطية. لذا، لا وجود ليقينيات مطلقة في العلم والديمقراطية، وهو ما يحرّرنا من مسلّماتنا المسبقة، وبذلك يغدو كلٌّ من العلم والديمقراطية عملية تحرر من سجون يقينياتنا الكاذبة.

 

فالنظريات العلمية الجديدة تُستبدل بالنظريات القديمة، كما حدث عند الانتقال من نظرية نيوتن إلى نظرية أينشتاين، حيث اعتُبرت الأخيرة أكثر دقة وتفسيرًا. كما تخضع النظريات العلمية لتعديلات مستمرة على ضوء نتائج الاختبارات والتجارب. من هنا، فالعلم عملية تصحيح دائمة.

 

وهذا ما يحدث، بالضبط، في الديمقراطية. ففي النظام الديمقراطي تُستبدل السياسات القديمة بأخرى جديدة، من خلال تداول السلطة واستبدال ممثلي الشعب، كالرؤساء والنواب. وبذلك، تصبح الديمقراطية أيضًا عملية تصحيح مستمرة، على غرار العلم.

 

ففي الأنظمة الديمقراطية، يتم انتخاب ممثلي الشعب بشكل دوري، حتى لا يحتكر السلطة فرد أو جماعة، مما يضمن الحفاظ على الحريات والحقوق الإنسانية. وعلى هذا الأساس، فإن الديمقراطية، بوصفها عملية تصحيح دائمة للسياسات، تسهم في حماية هذه الحقوق عبر الحد من إمكانية احتكار السلطة.

 

وكما تنجح الديمقراطية في مقاومة احتكار السلطة، فإنها تسهم كذلك في منع احتكار الحقيقة والمعرفة. فالنظام الديمقراطي لا يفرض تعريفًا واحدًا للأخلاق أو الحقيقة، بل يترك لكل فرد حرية اختيار معتقداته وسلوكاته، شريطة ألا يعتدي على حقوق الآخرين.

 

من هنا، تُعدّ الديمقراطية نقيضًا لليقينيات المحددة سلفًا، شأنها في ذلك شأن العلم الذي يضمن لكل عالم حرية التفكير وإنتاج النظريات. فاليقين المطلق يُعدّ قاتلًا لكلٍّ من العلم والديمقراطية، لأنه يحوّل الإنسان إلى أسير معتقداته، ويقضي على استمرارية البحث عن معارف جديدة وسياسات اجتماعية واقتصادية أفضل.

 

وبما أن العلم، كالديمقراطية، عملية تصحيح مستمرة لما نعتقد، فإنه يلتقي معها في الجوهر. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن العلم والديمقراطية يشكّلان مجالًا وجوديًا متكاملًا. فلا علم من دون حرية، ولا ديمقراطية من دون وعي علمي.

 

ومن ثم، فإن الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة ديمقراطية تكون أكثر قدرة على إنتاج العلم، كما أن المجتمعات المنتجة للمعرفة العلمية تكون أكثر استعدادًا لبناء أنظمة ديمقراطية. فكلٌّ من العلم والديمقراطية يمثلان مسارًا للتحرر من اليقينيات المسبقة، بما يضمن الحريات والحقوق الإنسانية.

 

فعندما نتحرر من يقينياتنا بفضل العلم والديمقراطية، بوصفهما عمليتين دائمتين لمراجعة المعتقدات، نتحرر من التعصب، ونصبح أكثر قدرة على احترام حقوق الآخرين وحرياتهم.

 

ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يتجه التاريخ الإنساني نحو ترسيخ الديمقراطية وتطوير العلوم. فالعالم، في حركته، يقوم على التنوع والتفاعل، وهو ما يجعل من العقل العلمي والديمقراطي إطارًا لفهمه.

 

ولا وجود لمعنى حقيقي للوجود الإنساني من دون علم وديمقراطية؛ إذ إن وجودًا بلا مضمون معرفي أو حرية سياسية هو وجود ناقص.

 

وأخيرًا، بما أن العلم ليس غربيًا ولا شرقيًا، بل هو إنساني في جوهره، فإنه يشكّل الإطار الذي يمكن أن تلتقي داخله مختلف الثقافات على أساس من الصرامة المنهجية. وفي هذا الإطار، يمكن تعزيز الحوار والتعاون كلما واجهت الإنسانية تحديات مشتركة.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg