في قلب المشهد التشكيلي بمدينة الصويرة، تبرز تجربة الفنانة فرانسين فلاتار Francine Flattard كواحدة من التجارب التي تنجح في مد جسور خلاقة بين التراث والحداثة، من خلال اشتغالها على حروف تيفيناغ الأمازيغية، ليس باعتبارها مجرد نظام كتابي، وإنما باعتبارها كيان بصري قادر على التحول إلى لغة تشكيلية قائمة الذات.
تعتمد الفنانة فلاتار في أعمالها على تحويل الحرف الأمازيغي من بعده اللغوي إلى بعد معماري، حيث تغدو حروف تيفيناغ كتلا ثلاثية الأبعاد، أشبه بأعمدة أو منشآت قائمة داخل فضاء تجريدي منظم. هذا الاشتغال يمنح الحرف حياة جديدة، ويحرره من وظيفته التقليدية كوسيلة للتواصل، ليصبح عنصرًا بصريا نابضا بالدلالة.
في إحدى لوحاتها (الصورة)، تتجاور هذه الحروف في تكوين هندسي دقيق، يشي بوجود مدينة رمزية مشيدة من الأبجدية الأمازيغية. تتكرر الأشكال في انسجام إيقاعي، فيما تضفي الظلال واللمسات اللونية الدافئة، خاصة اللون البرتقالي، إحساسا بالضوء والحيوية، وكأن هذه “المدينة الحرفية” تنبض بالحياة.
ولا يقف العمل عند حدود الجمال الشكلي، بل ينفتح على أبعاد ثقافية عميقة، حيث تستحضر الفنانة الذاكرة الأمازيغية وتعيد تقديمها في قالب معاصر، فالنقوش الدقيقة داخل الكتل تذكر بالكتابات القديمة، بينما يوحي البناء العام بروح المعمار التقليدي، مما يخلق توازنا فريدا بين الأصالة والتجريب.
إن تجربة Francine Flattard تندرج ضمن مسار فني يسعى إلى إعادة التفكير في الحرف، ليس كأداة كتابة فحسب، وإنما كعنصر قادر على تشكيل الفضاء وإنتاج المعنى. وبهذا، تتحول تيفيناغ في أعمالها إلى لغة بصرية كونية، تتجاوز حدود الجغرافيا، وتخاطب المتلقي بلغة الفن.
وليس غريبا أن يحتضن الفضاء الإجتماعي والثقافي دار الصويري، مثل هذه التجارب، فمدينة الصويرة اعتادت على مدى السنوات أن تكون قبلة للفنانين والمبدعين، إذ تحتضن سنويا معارض تشكيلية محلية ووطنية ودولية، تجعل منها ورشة مفتوحة للفن والحوار الثقافي. وكيف لا، وهي المدينة التي صنفتها اليونيسكو ضمن المدن المبدعة، اعترافا بدورها الريادي في احتضان الفنون وصون الذاكرة الثقافية.
وتكمن أهمية هذه التجربة الفنية للفنانة فلاتار، في كونها تساهم في إعادة الاعتبار للكتابة الأمازيغية كرافد أساسي من روافد الهوية المغربية، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمامها للاندماج في التيارات الفنية الحديثة، فالأعمال المعروضة لا تقدّم كقطع جمالية فقط، بل تقدم كمساحات للتفكير والتأمل في علاقة الإنسان بلغته، وبتاريخه، وبذاكرته الجماعية.
إن هذا المعرض، الذي تنظمه جمعية الصويرة موكادور، يشكل دعوة مفتوحة للجمهور لاكتشاف أبعاد جديدة للحرف الأمازيغي، والانخراط في تجربة حسية وفكرية تعيد طرح سؤال الهوية في سياق فني معاصر.
وبين جدران دار الصويري، تتجسد هذه الأعمال كجسر يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي هو ذلك القادر على إحياء التراث ومنحه نفسا جديدا.





