"لم يكن فيكتور أوربان مجرد رئيس وزراء يميني في دولة صغيرة وسط أوروبا، بل كان تجربةً ونموذجًا ودرسًا في كيفية تفريغ الديمقراطية من محتواها دون أن تسقط رسميًا".
في ليلة واحدة، وبعد ستة عشر عامًا قيّد فيها فيكتور أوربان القضاء والإعلام والانتخابات والدستور لخدمة حزبه وبقائه، خرج المجريون إلى صناديق الاقتراع بأعداد لم تشهدها بلادهم منذ رحيل الشيوعية، وأسقطوا نظامًا بنى صاحبه شرعيته على ادّعاء تمثيل الشعب. منح الناخبون حزب "تيسا" بقيادة بيتر ماغيار 138 مقعدًا من أصل 199 بأكثر من نصف الأصوات، فيما تقلّص "فيدس" إلى 55 مقعدًا فحسب وهو سقوط لم يكن أحد يتخيّل حجمه.
لم يكن فيكتور أوربان مجرد رئيس وزراء يميني في دولة صغيرة وسط أوروبا، بل كان تجربةً ونموذجًا ودرسًا في كيفية تفريغ الديمقراطية من محتواها دون أن تسقط رسميًا، وفي كيفية بناء دكتاتورية وسط أضواء الكاميرات وصناديق الاقتراع. كان اليمين المجري أحد أبرز النماذج التي أرست مفهوم "الانقلاب الدستوري"؛ السيطرة على القضاء، وتركيز السلطة في الحزب الحاكم، وخنق الصحافة الحرة، وكل ذلك بقوة القانون لا رغمه. وقد وجد هذا النموذج من يستلهمه عن كثب؛ فنتنياهو الذي ربطته بأوربان صداقة أيديولوجية معلنة قامت على قواسم مشتركة في ملفات الهجرة والأمن ومعاداة "النخب الليبرالية"، زار أوربان إسرائيل في يوليو 2018 في توقيت لم يكن مصادفةً، فمن الجهة الإسرائيلية جاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إقرار قانون القومية العنصري حين كانت إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى غطاء أوروبي، ومن الجهة الهنغارية كانت بودابست ترزح تحت ضغط أوروبي مزدوج بشأن انتهاكات سياسة الهجرة وبشأن "قانون سوروس"، وهو تشريع أقرّه أوربان لتقييد عمل المنظمات المدنية الممولة من الخارج، ولا سيما تلك المرتبطة بالملياردير جورج سوروس، الهنغاري المولد الأميركي الجنسية، الذي يراه أوربان رمزًا للأجندة الليبرالية العالمية التي تستهدف هنغاريا من الخارج.
أمام الكاميرات أعلن أوربان أنهما "زعيمان وطنيان" يخوضان المعركة ذاتها، فيما أوعز لممثليه في الاتحاد الأوروبي بمعارضة أي إدانة أو عقوبة تطال إسرائيل، ما منح نتنياهو حليفًا داخل أوروبا حين ضاقت عليه المواقف الغربية. واليوم، حين يُقدّم نتنياهو قوانين الانقلاب الدستوري، ويُطوّع المؤسسات ويُصوّر المعارضة الهشة أصلًا في إسرائيل خيانةً لا رأيًا، لا يصعب على المراقب أن يرى الظل الهنغاري يمتد خلف كل خطوة، وهو ظل فقده نتنياهو الآن مع سقوط صاحبه.
تولّى أوربان رئاسة الحكومة المجرية بين عامَي 1998 و2002 عن حزب "فيدس"، ثم قضى ثماني سنوات زعيمًا للمعارضة. غير أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 أهدته فرصةً لم يُضيّعها؛ انهار الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم تحت ثقل الركود، فاكتسح "فيدس" انتخابات 2010 بنحو 68% من الأصوات وأغلبية الثلثين في البرلمان. لم يكن هذا انتصارًا انتخابيًا عاديًا، بل كان مفتاحًا لإعادة تشكيل الدولة بأسرها.
سارع أوربان إلى استثمار هذه الأغلبية. وفي ولايته الأولى وحدها، عيّن موالين لحزبه في كل المؤسسات المستقلة؛ المحاكم وهيئات الإشراف الانتخابي ومكتب النائب العام، فحوّلها من سلطات رقابية إلى أذرع حزبية. وأقال المعارضين من الخدمة المدنية، وعرقل نشاط المعارضة بتغيير الإجراءات البرلمانية، وفي عام 2011 أعاد كتابة الدستور وأقرّ آلاف الصفحات من التشريعات الجديدة مدّعيًا أن الانتداب الشعبي يخوّله ذلك. ولإسكات المعارضين، لجأ إلى الغرامات والعقوبات المالية والإقصاء الوظيفي بدلًا من انتهاك الحريات بصورة سافرة، وخفّض سن التقاعد للقضاة لإجبار كبارهم على التنحي، وملأ مناصبهم بالموالين له.
وعلى صعيد الإعلام، سنّ "قانون الإعلام" ونقل ملكية كثير من وسائل الإعلام إلى المقرّبين من السلطة، وأغلق عام 2016 أكبر صحيفة معارضة في خطوة وصفتها منظمة "فريدم هاوس" بأنها "سابقة لا نظير لها في دولة بالاتحاد الأوروبي".
وعلى الجبهة الانتخابية، ألغى الجولة الثانية وأدرج نظام "تعويض الفائزين"، الذي ضاعف انتصارات "فيدس". والنتيجة؛ في انتخابات 2014 حصد "فيدس" 67% من المقاعد بـ45% فحسب من الأصوات، وظلّ يهيمن على البرلمان في 2018 و2022 رغم أن نسبة تصويته لم تتجاوز 54% في أيٍّ منهما. كانت الكلفة باهظة على المجريين؛ ركود اقتصادي، وهجرة جماعية، واستقطاب اجتماعي عميق.
لم يكتفِ أوربان بممارسة السلطة، بل بنى لها منظومة فكرية. ففي خطابه عام 2014، قدّم أوربان لأول مرة مفهوم "الديمقراطية غير الليبرالية" خلال خطابه في توسنادفوردو، رومانيا.
أطلق مفهوم "الديمقراطية غير الليبرالية"، مؤكدًا أن الديمقراطية الليبرالية أخفقت في صون المصالح الوطنية الأوروبية، وأن البديل هو "الديمقراطية المسيحية"، لا بوصفها عقيدةً دينية، بل هويةً ثقافية تحفظ الأسرة والأمة وتنبع من التقاليد المسيحية، وحدّد فيما بعد ثلاثة محاور فارقة تُميّز النموذجين؛ الثقافة، والهجرة والبنية الأسرية.
لفهم أوربان حقًا، لا يكفي رصد ما فعله بل يجب فهم الخطاب الشعبوي الذي نشره. فمنظومة حكمه تقوم على ثلاث ركائز: "الشعب" الذي لا يعني عنده مواطنين بل أمة واحدة بجذورها المسيحية، فتحويل الشعب إلى أمة يُلغي التنوع ويجعل أي معارضة خيانةً.
و"العدو" في الداخل والخارج، من المعارضة الجبانة والإعلام الكاذب إلى سوروس والاتحاد الأوروبي الذين وصفهم في مؤتمر CPAC ببودابست 2023 بـ"فيروس طوّرته المختبرات الليبرالية ليلتهم الأمم".
أما الركيزة الثالثة فهي "القوة"؛ حين استحضر في المؤتمر ذاته استعارة الريكونكيستا، أي استعادة أوروبا المسيحية ليُقدّم نفسه قائدًا لحملة تاريخية لا تنتهي عند حدود المجر.
فلماذا سقط الآن؟ الإجابة القصيرة؛ لأن ماغيار لم يكن معارضة تقليدية، بل كان أوربان آخر يعرف النظام من الداخل. بيتر ماغيار كان عضوًا في "فيدس" نفسه قبل أن ينفصل عنه عام 2024، معلنًا أن فكرة "المجر الوطنية" لم تكن سوى منتج سياسي يُخفي فسادًا منهجيًا، وتركيزًا للثروة في يد المقرّبين. لم يأتِ من اليسار الليبرالي الذي يسهل على أوربان تصويره عدوًا للهوية المجرية، بل جاء من قلب اليمين المحافظ نفسه.
ما أغضب المجريين لم يكن الأيديولوجيا، بل ثلاث سنوات من الركود الاقتصادي وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، فضلًا عن تقارير عن أثرياء مقرّبين من الحكومة يراكمون ثروات طائلة. الزعيم الذي بنى شرعيته على مقارعة النخب الفاسدة، تحوّل إلى رأس النخبة الفاسدة بالذات.
نجح ماغيار في توحيد ناخبين من أقصى اليسار إلى اليمين المتذمّر من أوربان، وهو الفارق الجوهري عن انتخابات 2022 حين فشلت ست أحزاب متباينة في إقناع الناخب المتردّد. أمضى أوربان خمسة عشر عامًا يُذكي المخاوف، ويشنّ حملات ضد من وصفهم بأعداء المجر؛ الليبراليين والصحافة الحرة والمهاجرين والأقليات والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. نجحت هذه الإستراتيجية ستة عشر عامًا حتى يوم الأحد 12 أبريل 2026.
لكن النموذج لا يزال موجودًا.





