لا شك أن المغرب، منذ إقرار دستور 2011، قد دخل مرحلة مفصلية في إعادة تشكيل بنيته الترابية، حيث لم يعد التنظيم الإداري مجرد آلية تدبيرية تقليدية، وإنما تحول إلى خيار استراتيجي يعكس وعيًا عميقًا بضرورة إعادة توزيع السلطة، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والمجال… علاقة قوامها التوازن، والتكامل، والتدبير القائم على القرب والنجاعة.
ومن ثم، فإن تبني الجهوية المتقدمة لم يكن قرارًا معزولًا أو إجراءً تقنيًا محدود الأثر، بل جاء في سياق تحولات سياسية ودستورية عميقة، كرّستها الوثيقة الدستورية باعتبارها إطارًا مرجعيًا يؤسس لنمط جديد من الحكامة الترابية، حيث إن الفصل الأول من الدستور حسم بشكل واضح في جعل الجهوية المتقدمة ركيزة أساسية لتنظيم الدولة… وهو ما يعكس إرادة صريحة في تجاوز اختلالات المركزية الإدارية التي أبانت، عبر مراحل متعددة، عن محدوديتها في تحقيق تنمية متوازنة.
وعلاوة على ذلك، فقد تم تدعيم هذا التوجه من خلال تخصيص باب دستوري كامل للجماعات الترابية، مع إقرار مبدأ صدارة الجهة، بما يجعلها الفاعل المحوري في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية الترابية… وبالتالي، انتقل المغرب من تصور تقليدي للجماعات المحلية إلى نموذج أكثر تقدمًا يقوم على التمكين، والتفويض، وتحمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، جاء اعتماد التقسيم الجهوي الجديد، الذي خفّض عدد الجهات إلى اثنتي عشرة جهة، ليشكل لحظة تنظيمية حاسمة أعادت رسم الخريطة الترابية للمملكة، ليس فقط من زاوية التقطيع، وإنما من حيث الوظيفة والأدوار… إذ أصبح المجال الجهوي وحدة للتخطيط الاستراتيجي، ومنصة لتجميع الموارد، وفضاءً لتنسيق السياسات العمومية.
غير أن هذا التحول، رغم عمقه الدستوري، يطرح سؤالًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه: إلى أي حد استطاع هذا الورش ترجمة مضامينه النظرية إلى واقع ملموس؟ وهل تمكنت الجهوية المتقدمة من تحقيق التفاعل المنشود بين المؤسسات الترابية والمجتمع، أم أنها ما تزال حبيسة النصوص والتصورات؟
لا شك أن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي العودة إلى الإطار السياسي والقانوني المؤطر لهذا الورش، حيث تتجلى، في المقام الأول، مركزية الإرادة الملكية باعتبارها المحرك الأساسي لهذا التحول… فمن المؤكد أن الخطابات الملكية، وعلى رأسها خطاب 6 نونبر 2008، قد وضعت الأسس النظرية والعملية للجهوية المتقدمة، من خلال التأكيد على مبادئ الوحدة، والتوازن، والتضامن، والتدبير الديمقراطي للشأن المحلي.
وبالتالي، فإن الجهوية المتقدمة لم تُبنَ في فراغ، وإنما تأسست على رؤية استراتيجية متكاملة، عززتها توجيهات محمد السادس، والتي أكدت على ضرورة إرساء نموذج جهوي قائم على الفعالية، والتناسق، والقدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين… وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو ديمقراطية ترابية أكثر نضجًا وعمقًا.
كما أن إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية شكل محطة مفصلية في بلورة هذا المشروع، حيث ساهمت في صياغة تصور متكامل يستند إلى مرتكزات واضحة، من قبيل التناسق في توزيع الاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز التضامن بين الجهات… وهي كلها عناصر تؤكد أن الجهوية المتقدمة ليست مجرد توزيع إداري، وإنما إعادة هندسة شاملة لوظائف الدولة.
ومن جهة أخرى، فإن القانون التنظيمي 111.14 جاء ليترجم هذه المبادئ إلى مقتضيات قانونية دقيقة، محددًا اختصاصات الجهات، وآليات اشتغالها، وطرق تدبيرها لمواردها… كما أرسى قواعد جديدة تقوم على التدبير الحر، والمراقبة البعدية، والتعاقد بين الدولة والجهات، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في تصور العلاقة بين المركز والمجال.
غير أن تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع يكشف عن تحديات متعددة، تتعلق أساسًا بمدى توفر الجهات على الموارد المالية والبشرية الكافية، وكذا بقدرتها على ممارسة اختصاصاتها بكفاءة وفعالية… إذ إن نقل الاختصاصات دون توفير الإمكانيات يفرغ مبدأ الاستقلالية من مضمونه، ويحول الجهوية إلى إطار شكلي يفتقد إلى الفاعلية.
وفي هذا السياق، يبرز النموذج التنموي الجديد كمرجعية أساسية لإعادة توجيه ورش الجهوية المتقدمة، حيث دعا إلى تسريع وتيرة تنزيلها، وتعزيز الاستقلال المالي للجهات، وربط التنمية بالخصوصيات الترابية… وبالتالي، فإن هذا النموذج لا يكتفي بتشخيص الاختلالات، بل يقترح مسارات عملية لتجاوزها.
ومن المؤكد أن نجاح هذا الورش يظل رهينًا بمدى تحقيق التكامل بين اللامركزية واللاتمركز، حيث إن توزيع السلطة الترابية يتطلب، في المقابل، إعادة تنظيم حضور الدولة على المستوى المحلي… وهو ما يجعل من اللاتمركز الإداري شرطًا ضروريًا لضمان فعالية الجهوية.
كما أن التحولات الرقمية والتكنولوجية تفرض نفسها كعامل حاسم في تعزيز نجاعة التدبير الترابي، إذ إن رقمنة الخدمات، واعتماد نظم معلومات متقدمة، من شأنه أن يرفع من جودة الأداء، ويعزز الشفافية، ويقرب الإدارة من المواطن… وهو ما يتقاطع مع رهانات الحكامة الحديثة.
وعلى مستوى النتائج الأولية، يمكن القول إن الجهوية المتقدمة قد أفرزت دينامية جديدة على مستوى التفكير التنموي، حيث أصبح المجال الجهوي يحظى باهتمام متزايد باعتباره وحدة للتحليل والتخطيط… غير أن هذه الدينامية ما تزال في طور التبلور، وتحتاج إلى دعم مؤسساتي ومالي أقوى لضمان استمراريتها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في صياغة النصوص أو إعلان المبادئ، وإنما في القدرة على تفعيلها، وترجمتها إلى سياسات عمومية ملموسة، تستجيب لتطلعات المواطنين، وتحقق العدالة المجالية… وهي غاية تقتضي إرادة سياسية مستمرة، وتنسيقًا مؤسساتيًا محكمًا، وانخراطًا فعليًا لمختلف الفاعلين.
وفي المحصلة، يتضح أن الجهوية المتقدمة تمثل مشروعًا استراتيجيًا طموحًا، يحمل في طياته إمكانيات كبيرة لإعادة تشكيل المجال الترابي بالمغرب… غير أن نجاحه يظل رهينًا بمدى القدرة على تجاوز الإكراهات البنيوية، وتحقيق التوازن بين النص والممارسة، بين الطموح والواقع… وبين الرؤية والتنزيل.





