بعد شهر من اندلاع حرب إيران 2026، التي بدأت بضربات أمريكية-إسرائيلية على طهران في 28 فبراير، ثم رد إيراني بصواريخ على دول الخليج وإسرائيل، يتساءل الزميل عبد الحميد اجماهيري عن غياب الدينامية الاحتجاجية في الشارع المغربي، خلافاً لحرب غزة 2023. يفسر ذلك باتفاقيات المغرب الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل (22 دجنبر 2020) ودول الخليج، حيث أدان الرسمي الهجوم الإيراني وأعلن تضامنا مع الخليج دون ذكر الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي.
وحسب الزميل اجماهري يبرز ذلك وعيا شعبيا متزايدا بأولوية المصلحة الوطنية والقضية الترابية، مع تمزق عاطفي تجاه فلسطين، محذرا من مخاطر اختلال التوازن الإقليمي..
مرّ شهر على اندلاع حرب الشرق الأوسط الجديدة، ولم يعرف الشارع المغربي ما عرفه من دينامية احتجاجية أو تضامنية، كما حدث في الحرب الوحشية ضدّ غزّة الجريحة. ومع أن المغاربة يستحضرون دوماً الفقه المالكي في الابتعاد عن أي مقارنة مع وجود الفارق ("لا مقارنة مع وجود الفارق")، فإنّ بعض سياقاتٍ قد تغري بطرح السؤال: لِمَ لم تندلع الشرارة التضامنية التي حاولت بعض الأطراف نقلها إلى الشارع، اللهم إلا محاولة يتيمة ومحدودة جدّاً في بعض مدن الشمال، عكس ما عرفه الشارع إبّان حرب غزّة في 7 أكتوبر 2023 وما تلاه؟ ومردّ هذا السؤال وجود أحد أطراف الحرب الحالية، التوأم الإسرائيلي - الأميركي، في المعادلة التي تهزّ اليوم جغرافيا المشرق العربي.
يمكن طرح عدّة فكَرٍ وتمظهرات عاطفية. فمن بين أطراف الصراع التي شملتها الحرب (إيران من جهة، والدول العربية في الخليج من جهة ثانية، والتوأم المهاجم من جهة ثالثة)، هناك طرفان واضحان، للمغرب معهما علاقة استراتيجية، وتربطه بهما مواثيق ذات عمق كبير بالنسبة إلى تموقعه الجيوسياسي، وللقضية الترابية التي جعلها قاعدة للحكم على صداقاته الدولية. وهذان الطرفان هما، أولاً إسرائيل والولايات المتحدة، ويربط المغرب بهما اتفاق ثلاثي مُوقّع في 22 دجنبر 2020، وضعه المغرب تحت عنوان كبير، بعد الاعتراف بمغربية الصحراء، باعتباره "أداة ثمينة قادرة على المساعدة في المضي قدماً بعملية السلام في المنطقة، وتحسين الأمن وفتح فرص جديدة للجميع". وثانياً دول الخليج العربي، التي تربطه بها اتفاقات استراتيجية تجعل من الأمن المشترك أمناً متبادلاً. وبالتالي، فإنّ الأطراف المذكورة أعلاه "شملتها الحرب، وبالتالي شمل المغرب تبعاتها".
بالنسبة إلى هذه الدول، لم تكن في أصل الحرب، بل صارت نتيجة لها بقرار إيراني رأى أنّ في ضربها عنصر قوة أمام الهجوم المزدوج الكاسح. زجُّ طهران الجغرافيا الخليجية في مدار النار حدّد موقع المغرب، وحتى بعض معارضي الاتفاق، إلى جانب الدول العربية بشكل حاسم. ولعلّ أوّل تفسير للموقف البارد للشارع المغربي، الواعي مقابل استعمال الجبهات الافتراضية، يجد تفسيره في الهجوم الإيراني على دول الخليج، فهي في التقدير الشعبي والرسمي التكتّل الجيوإقليمي الكبير إلى جانب المغرب في قضيته الوطنية، حتى داخل جامعة الدول العربية. بعض القوى الرسمية والعاملة في الحقل الشرعي أدانت الهجوم الأميركي، ولم تجد بدّاً من إدانة الدولة التي تضامنت معها (أي إيران)، في رياضة دبلوماسية فريدة، كان ضرورياً بموجبها إدانة المتضامن معه، نوع من "توازن المبدأ" بين المهاجَم الأوّل والمهاجَم الثاني الذي تصرّف مهاجِماً. في المقابل، نجد أنّ المغرب الرسمي في هذا الباب كان واضحاً وضوحاً استراتيجياً في الانحياز إلى الدول العربية، وإعلان استعداده صراحة للتضامن الفعلي، وتفعيل آليات الدفاع المشترك "بالوسائل المشروعة" مع دول الخليج. في حين لم يشر بلاغ وزارة الخارجية ولا بلاغات الديوان الملكي، الصادرة عقب المكالمات الهاتفية التي أجراها العاهل المغربي مع قادة دول الخليج التي تعرّضت للهجوم، إلى أي دعم أو تفهّم أو إشارة إلى الهجوم الإسرائيلي - الأميركي. ولعلّ من المنطقي أن نستنتج من هذا أنّ المغرب أبدى ميلاً إلى الشعور الخليجي نفسه، الذي يبدو أنّه تضرّر من قرار حربي لم يشارك فيه مجلس التعاون الخليجي.
وخارج ما تمثّله القضية الفلسطينية في الضمير الجماعي، الرسمي والشعبي معاً، التي تتساوى فيها المشاعر والتحليل والوعي الموضوعي بين القضيتَين الكونية والقومية، فإنّ المواقف لدى جزء كبير من المغاربة صارت تتأسّس على مسعى واضح في الإعلام وفي الوسائط الاجتماعية للحكم على المواقف من خلال المصلحة الوطنية الخالصة، وهي محاولة لتحرير النقاش حول الشراكات الاستراتيجية والاتفاقات من ضغط المشاعر، فردية كانت أم جماعية، وتحديد المواقف في ضوء الخيارات المتاحة للدولة في تدبير تموقعها بما يخدم وجودها. والنقاش الاستراتيجي، الذي يكون دوماً عرضة لتوتّرات خطابية بين الثوابت القومية والعقدية من جهة، وبين تدبير مصلحة الدولة الوطنية من جهة ثانية، لم يعد يُغفل أهمية العنصر الوطني في تحديد المواقع، عن وعي متقدّم بضرورة تحصين الكيان الوطني لتحصين مواقفه الأخلاقية العالمية. أو بعبارة أوضح، فإنّ الشعب الذي لا يعيش داخل تراب موحّد ومحصّن في شروط استقرار سياسي ومجتمعي، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتضامن مع أي شعب آخر تضامناً فعلياً ناجعاً.
هناك وعي متزايد كذلك، تحقّق من خلال الحوار في الفضاء العمومي (بمفهوم هابرماس)، واقتنعت به الدولة كما النُّخب الوطنية، أن ليس كل من يعارض الاتفاق الثلاثي هو بالضرورة قريب من إيران أو من محاورها في المنطقة. فلا علاقة للمغاربة بأي موقع أيديولوجي جيوسياسي يرون في الاتفاق اختباراً قاسياً لهم، وعنصرَ قلق وتشويش عاطفي ووجودي عميق على فهمهم لهُويّتهم الإنسانية ثم الوطنية. هؤلاء موجودون، والنقاش معهم يتم بطرق مختلفة، مع التمييز بينهم وبين مَن لا يكتفون بمعارضة الحرب، ككلّ شعوب العالم وحتى داخل أميركا، وبين مناصرة إيران التي تُعتبر في وعي كثيرين من المغاربة طرفاً معادياً في القضية الوطنية، وفي استهداف الاستقرار الوطني، وفي تدمير التوازنات في منطقة شمال أفريقيا على حساب المغرب. ولا يُخفي محلّلون كثيرون أنّ خروج إيران ضعيفة من الحرب أو من أي اتفاقية سلام، هو في الشروط الحالية للقضية الترابية للمغرب نقطة إيجابية، من دون المساهمة في الحرب التدميرية ("لم أطلبها ولم تسئني").
وبالعودة إلى لحظة الاتفاق وتداعياته، لا بدّ من القول إنّه ربّما أثار من التمزّقات الفردية والجماعية أكثر من أي اتفاق آخر في التاريخ المعاصر للمغرب، على الأقلّ من زاوية هذا العبد الفقير لحكمة ربّه. لهذا سيكون من غير العقلاني إغفال هذا البعد في التعامل معه. ولقد شعرت بما شعر به المتنبي في زمن قديم: "ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى/ عدوّاً له ما من صداقته بدّ". وقد كان الذي قاده إليه شقيق له، ما من عداوته بدّ.
يمكن أن نخمّن، نحن الذين رأينا المواقف الداعمة، أنّ هذا التمزّق الشكسبيري بين الإرادة والرغبة، بين العقل والقلب، قد مسّ الدولة نفسها في ممثّلها الإنساني. والتنازع بين العقل الاستراتيجي والعاطفة الوجدانية مع شعب فلسطين يأخذ حجماً أكبر عند من يتّخذ القرار، وأكثر ممَّن يناقشه وهو بعيد عن تحمّل المسؤولية. ولعلّ الوعي به كان حاضراً من خلال التعامل الرزين والديمقراطي مع رفض المغاربة الحرب على غزّة سنتَين، وكذلك رفض الدولة المغربية التعالي عنه أو منع التعبير عنه، حتى صرنا الدولة الوحيدة، ربّما، التي عرفت أعلى درجات الزخم العاطفي في طول الخريطة العربية الإسلامية.
التعامل مع ظروف غزّة، بإدانة الاعتداء الغاشم عليها من جيش الاحتلال، بلغة بيان الخارجية المغربية في وقته، وما قبلها (نستحضر استقبال الملك محمّد السادس وزير خارجية أميركا كولن باول، الذي قاد حرب الخليج الأولى وهو يضع شارة "كلّنا فلسطين") زاد من الثقة في البلاد وقيادتها، وهناك إرث عاطفي نفسي وشعوري لا يخلو من حدّة، خصوصاً عندما تتجاوز إرادة القوة عند الإسرائيليين كلّ الحدود المتعارف عليها أخلاقياً بين الدول، حدّ الإبادة. ولعلّ الضرورة هنا تفرض النقاش و"الكتارسيس" السياسي الشامل، كما تفرض أن نرجّح المواقف بعقلانية. وهناك لحظة لا تخلو من تراجيديا (من منطلق إغريقي) محورها التمزّق بين الرغبة في فسح المجال للمشاعر التضامنية، والواقعية الجيوستراتيجية المبنية على المصلحة الوطنية، إذ يُطرح الاتفاق الثلاثي للنقاش مع الحرب الإيرانية الحالية والقضية الترابية للمغرب في الأمتار الأخيرة، وهي بين يدي أميركا، الطرف الحاسم في القضية وحاملة القلم فيها وراعية المحادثات حول الحكم الذاتي إلى جانب الأمم المتحدة. ونطرح الأسئلة بوضوح جارح: هل يمكن للمغرب أن يغامر بقطيعة مع الثنائي الأميركي - الإسرائيلي، وهو على بعد أسابيع من تاريخ حاسم هو إبريل المقبل؟ هناك من اختار التدبير الأخلاقي للاتفاق لكي يعفي نفسَه من هذا السؤال، ومن السؤال المتفرّع منه بالضرورة: هل نكتفي بترديد الموقف الأخلاقي المبدئي، أم نطرح بدائل لما اختارته الدولة؟
بمعنى: هل يمكن للفاعل السياسي المعارض رسم خريطة أخرى للتقدّم في مسار الدفاع وتقوية الموقف المغربي، أم يكتفي بالتنديد من دون اكتراث بنتيجة القطيعة؟ في المقابل، لم تقم إيران بأي خطوة تفيد بأنها تراجع موقفها من المغرب، ولا قدّمت للمناصرين لها ورقة تفاوض مع الشارع المغربي الواسع، السياسي والجماهيري، وهو موجود بخصوص القضية الترابية.
خلاصة القول إنّ المغرب اختار بدقّة توازناً صعباً للغاية، ولكنّه الموقف الذي يعبّر عن عقيدته الدبلوماسية القائمة على المسؤولية في احترام العقيدة السلمية في تدبير الصراعات والوحدة الترابية للدول، والاحترام الدقيق والمخلص للشراكات مع الحلفاء، والحقّ في التعبير الشعبي المبدئي لا التجييش. مقابل ذلك، هناك وعي بوجود إرادتَين أو "توازن التوسّع" بين طهران وتل أبيب، وهو ما قد يعصف بمصالح المنطقة، وضمنها المغرب، إذا ما اختل لفائدة من يريد تركيع الإقليم برمّته، جدلية المطرقة والسندان في حالتنا هذه، التي تجعل أطرافاً تهدّد المغرب من زاوية صحرائه، وتهدّد دول الخليج من زاوية وجودها وثرواتها، كما قال محمّد السادس في إبريل 2016 لقادة المنطقة، وهو ما بدأت عموم المكوّنات السياسية والمدنية، أو في غالبيتها الساحقة، تستحضره في كلّ تعبير يحرّك الشارع.
عن "العربي الجديد"


