mercredi 25 mars 2026
سياسة

من سينتصر فـي اقتراع شتنبر 2026.. الفوز بالكراسي أم انكسار الثقة؟

من سينتصر فـي اقتراع شتنبر 2026.. الفوز بالكراسي أم انكسار الثقة؟ شتنبر 2026: هل ينهض المواطن المغربي من العزوف السياسي؟

كلما‭ ‬اقتربت‭ ‬محطة‭ ‬شتنبر‭ ‬2026 (التي‭ ‬لا‭ ‬تفصلنا‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬ستة‭ ‬أشهر)،‭ ‬يتجدد‭ ‬السؤال‭ ‬بالمغرب‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬وحدودها،‭ ‬وحول‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬الحزبي‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬دينامية‭ ‬الثقة‭ ‬والقطع‭ ‬مع‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي؛‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬كثيف‭ ‬الدلالة،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وثقافية،‭ ‬وتتكشف‭ ‬عبرها‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المواطن‭ ‬المغربي‭ ‬بالفعل‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ومؤسساته،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تمثلات‭ ‬سلبية‭ ‬عن‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬سياقات‭ ‬«اجتماعية‭ ‬وثقافية»‭ ‬ضاغطة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها‭. ‬

 

‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬والحكومة‭ ‬والبرلمان‭ ‬هي‭ ‬المدخل‭ ‬الأكثر‭ ‬«واقعية»‭ ‬لفهم‭ ‬هذا‭ ‬العزوف‭ ‬الكبير،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الحواضر‭ ‬المغربية‭. ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬يتكون‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬احتكاك‭ ‬يومي‭ ‬بخطابات‭ ‬الأحزاب‭ ‬وبرامجها‭ ‬وقيادييها،‭ ‬حيث‭ ‬تتبلور‭ ‬صورة‭ ‬عامة‭ ‬عن‭ ‬جدوى‭ ‬الفعل‭ ‬الحزبي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الملاحظ‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬المغربي‭ ‬أن‭ ‬الوجوه‭ ‬نفسها‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القرار‭ ‬الحزبي‭ ‬بل‭ ‬وترحل‭ ‬من‭ ‬هيأة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬دون‭ ‬وخز‭ ‬ضمير‭ ‬أو‭ ‬الإحساس‭ ‬بطعن‭ ‬التعاقد‭ ‬مع‭ ‬الناخبين،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬ذاته‭ ‬يتكرر‭ ‬دون‭ ‬تجديد‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬الوساطة،‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬"مسافة‭ ‬سيكولوجية"‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والبنيات‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬يطل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬أوسع،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الوسائط‭ ‬الجديدة‭ ‬والفورة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بالحدود،‭ ‬ولا‭ ‬بالجدران‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬تتعمق‭ ‬بسبب‭ ‬الإحساس‭ ‬بمحدودية‭ ‬أثر‭ ‬الانتخابات‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬وعلى‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬للانتخابات‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬عيشه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتشكل‭ ‬قناعة‭ ‬لدى‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬التنافس‭ ‬الانتخابي‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬لا‭ ‬تأثير‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المغاربة،‭ ‬وأن‭ ‬الاختيارات‭ ‬الكبرى‭ ‬تظل‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرغ‭ ‬المشاركة‭ ‬من‭ ‬معناها‭ ‬الرمزي‭ ‬والعملي،‭ ‬ويحول‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ككل‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬لصرف‭ ‬الانتباه‭ ‬عن‭ ‬الفاعلين‭ ‬الحقيقيين‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭.‬

 

إن‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬بعدم‭ ‬الجدوى‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬يزداد‭ ‬رسوخا‭ ‬مع:

1‭. ‬تواتر‭ ‬انغلاق‭ ‬مسارب‭ ‬الترقي‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المهام‭ ‬والوظائف‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬«التنخيب»؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬أغلب‭ ‬الأحزاب‭ ‬المغربية‭ ‬إلى‭ ‬بنيات‭ ‬مغلقة،‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬داخلية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الشفافية‭ ‬والتنافسية‭. ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬منطق‭ ‬الكراسي‭ ‬كعامل‭ ‬مهيمن،‭ ‬حيث‭ ‬تتركز‭ ‬الجهود‭ ‬حول‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬بدل‭ ‬بناء‭ ‬مشاريع‭ ‬مجتمعية‭ ‬متكاملة‭.‬

‭ ‬2‭. ‬استمرار‭ ‬حالات‭ ‬الترحال‭ ‬الحزبي‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬الإيديولوجي‭.‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي‭ ‬منسجم‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الفئات‭ ‬المترددة‭.‬

3‭. ‬بروز‭ ‬ممارسات‭ ‬ترتبط‭ ‬بشراء‭ ‬التزكيات‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أصحاب‭ ‬الشكارة‭ ‬والفاسدين‭ ‬وتجار‭ ‬المخدرات؛‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬لتبادل‭ ‬الامتيازات‭ ‬بدل‭ ‬التنافس‭ ‬حول‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬الالتزام‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الأغلبية‭ ‬الحكومية،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬البناء‭ ‬الحزبي،‭ ‬وعلى‭ ‬غياب‭ ‬الانسجام‭ ‬الإيديولوجي،‭ ‬وعلى‭ ‬وقوع‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬خارج‭ ‬الأحزاب‭ ‬أو‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬المعارضة‭ ‬البرلمانية‭. ‬

 

في‭ ‬عمق‭ ‬الصورة،‭ ‬تتراجع‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف،‭ ‬وتتحول‭ ‬الانتخابات‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬هامشي،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إلى‭ ‬موسم‭ ‬للتراشق‭ ‬الكلامي‭ ‬المكرر‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬وتبادل‭ ‬الاتهام‭ ‬بالفساد،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إقناع‭ ‬المواطنين‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬مجال‭ ‬للتنافس‭ ‬بين‭ ‬الملائكة‭ ‬والشياطين،‭ ‬وليس‭ ‬بين‭ ‬البرامج‭ ‬والرؤى‭ ‬والمشاريع،‭ ‬في‭ ‬الشغل‭ ‬والسكن‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والنقل‭ ‬والعالم‭ ‬القروي‭.. ‬إلخ‭.‬

 

‭ ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬يشعر‭ ‬بتفاوت‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬والفرص،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنهم‭ ‬خارج‭ ‬دوائر‭ ‬الاهتمام‭ ‬العمومي،‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬الإحساس‭ ‬بالتهميش‭ ‬ويضعف‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬سياسي‭ ‬مشترك‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬العزوف‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات،‭ ‬دليل‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬الارتباط‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬المجالية‭ ‬والمشاركة‭ ‬السياسية‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬التصويت‭ ‬حسب‭ ‬المناطق،‭ ‬حيث‭ ‬تلعب‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا‭.‬
‭ ‬
 

ففي‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬تتداخل‭ ‬تأثيرات‭ ‬الإعلام‭ ‬والتعليم‭ ‬والحركية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لخلق‭ ‬ديناميات‭ ‬معقدة‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬القروية‭ ‬والهامشية‭ ‬فتتداخل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المحلية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬السلوك‭ ‬الانتخابي‭.‬

 

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬ذاته‭ ‬يتعرض‭ ‬للتحول،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التصويت‭ ‬أو‭ ‬الانخراط‭ ‬الحزبي‭ ‬الشكل‭ ‬الوحيد‭ ‬للتعبير،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬أكدت‭ ‬تنوع‭ ‬أشكال‭ ‬المشاركة‭ ‬لتشمل‭ ‬الفعل‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬الشبابي،‭ ‬والعمل‭ ‬الجمعوي،‭ ‬والحملات‭ ‬الرقمية،‭ ‬والمبادرات‭ ‬المحلية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬السياسة،‭ ‬ويطرح‭ ‬تحديا‭ ‬أمام‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬التواصل‭ ‬والاستقطاب،‭ ‬وفي‭ ‬كيفية‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬الجديدة‭.‬

 

إجمالا،‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬محطة‭ ‬شتنبر‭ ‬2026،‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬مختلفة‭ ‬وصور‭ ‬متعددة،‭ ‬هي‭ ‬كالتالي:‭  ‬

أولا‭:‬‭ ‬تمس‭ ‬أزمة‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬صورة‭ ‬الفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬ومصداقية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭. ‬فحين‭ ‬تتواتر‭ ‬أخبار‭ ‬اعتقال‭ ‬منتخبين‭ ‬(بالجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬وبالبرلمان‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء)،‭ ‬أو‭ ‬متابعتهم‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬ترتبط‭ ‬بالفساد‭ ‬والاتجار‭ ‬في‭ ‬المخدرات‭ ‬والتلاعب‭ ‬في‭ ‬الصفقات،‭ ‬يتشكل‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الانتخابي‭ ‬فضاء‭ ‬للانتفاع‭ ‬و«التشلهيب»،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬السلطة‭ ‬بالمال‭ ‬والنفوذ‭ ‬بالشبكات‭ ‬غير‭ ‬الرسمية‭. ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬إحساسا‭ ‬عاما‭ ‬بأن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التمثيل‭ ‬يتم‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الكفاءة‭ ‬أو‭ ‬التطوع‭ ‬النبيل‭ ‬لخدمة‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬صفائها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬برمتها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المنتخب‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬مثقلة‭ ‬بالشبهات،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬«البرلمان‭ ‬والجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬والغرف‭ ‬المهنية»،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬عاكسة‭ ‬للفساد‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تجسد‭ ‬أفق‭ ‬الإصلاح‭. ‬

ثانيا‭:‬‭ ‬يتعمق‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬مع‭ ‬انسداد‭ ‬آفاق‭ ‬الترقي‭ ‬الحزبي،‭ ‬حيث‭ ‬تستمر‭ ‬القيادات‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وتستقر‭ ‬في‭ ‬مواقعها‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬دون‭ ‬تجديد‭ ‬حقيقي‭ ‬«زعماء‭ ‬الولاية‭ ‬الثالثة‭ ‬والرابعة»،‭ ‬مما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تشكل‭ ‬بنية‭ ‬تنظيمية‭ ‬مغلقة،‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬شبكات‭ ‬الولاء‭ ‬والقرابة‭ ‬السياسية،‭ ‬وتضيق‭ ‬فيها‭ ‬فرص‭ ‬الصعود‭ ‬أمام‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ينشأ‭ ‬وعي‭ ‬لدى‭ ‬المناضلين‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬مسارات‭ ‬واضحة‭ ‬للتطور،‭ ‬وأن‭ ‬المواقع‭ ‬القيادية‭ ‬محجوزة‭ ‬ضمن‭ ‬دوائر‭ ‬ضيقة‭. ‬وهذا‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬جاذبية‭ ‬الانخراط‭ ‬الحزبي،‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬العزوف‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬نفسها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع،‭ ‬فيتحول‭ ‬الانسحاب‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬جماعي‭ ‬يعكس‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الوساطة‭ ‬السياسية‭.‬

ثالثا‭:‬‭ ‬عودة‭ ‬الأسماء‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬انتخابية،‭ ‬ترسخ‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬الوعاء‭ ‬الانتخابي‭ ‬جامد،‭ ‬وأن‭ ‬التداول‭ ‬على‭ ‬المسؤوليات‭ ‬يتم‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭. ‬وهنا،‭ ‬تتشكل‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬كفضاء‭ ‬يحتكره‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأفراد،‭ ‬ما‭ ‬يقوض‭ ‬فكرة‭ ‬التمثيلية‭ ‬ويضعف‭ ‬الإحساس‭ ‬بالمشاركة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يخلق‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الملل‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬يفقد‭ ‬المواطن‭ ‬حماسه‭ ‬لمتابعة‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها،‭ ‬مادامت‭ ‬النتائج‭ ‬تبدو‭ ‬محسومة‭ ‬لصالح‭ ‬نفس‭ ‬الوجوه‭. ‬

رابعا‭:‬‭ ‬يتخذ‭ ‬الترحال‭ ‬السياسي‭ ‬بعدا‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬حيث‭ ‬ينتقل‭ ‬الفاعلون‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬وفق‭ ‬حسابات‭ ‬انتهازية،‭ ‬دون‭ ‬ارتباط‭ ‬واضح‭ ‬بمشروع‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬إيديولوجي‭ ‬أو‭ ‬انشغال‭ ‬مجتمعي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتلاشى‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب،‭ ‬ويصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬مسألة‭ ‬تكتيكية‭ ‬ترتبط‭ ‬«بالهمزة‭ ‬الانتخابية»‭. ‬كما‭ ‬يتشكل‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬القناعة،‭ ‬وعلى‭ ‬سيادة‭ ‬منطق‭ ‬المصلحة‭ ‬النفعية‭ ‬الذميمة‭. ‬فالأحزاب‭ ‬كلها‭ ‬أصبحت‭ ‬مجرد‭ ‬أوعية‭ ‬مفتوحة‭ ‬تستقبل‭ ‬نفس‭ ‬الأسماء،‭ ‬ما‭ ‬يفقدها‭ ‬هويتها‭ ‬ويضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأطير‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬يفقد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬البرامج،‭ ‬ويتراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالاختيارات‭ ‬السياسية‭. ‬

خامسا‭:‬‭ ‬حضور‭ ‬المال‭ ‬الانتخابي‭ ‬يعتبر‭ ‬عنصرا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬السياسية،‭ ‬حيث‭ ‬تراهن‭ ‬الأحزاب‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬الثروة‭ ‬والنفوذ‭ ‬لضمان‭ ‬النتائج‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬الحرام‭ ‬يتغلغل‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬ويعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الكفاءة‭ ‬لصالح‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭. ‬كما‭ ‬يتحول‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬سلعة،‭ ‬وتصبح‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬مجالا‭ ‬للاستثمار،‭ ‬ما‭ ‬يقوض‭ ‬مبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭. ‬

سادسا‭:‬‭ ‬لجوء‭ ‬الأحزاب‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬النفوذ‭ ‬التقليدية‭ ‬لضمان‭ ‬الأصوات‭ ‬بدل‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬الديمقراطي‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬التقليدية‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬السياسي‭ ‬الحديث،‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬المشاركة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مرتبط‭ ‬بالانتماءات‭ ‬المحلية‭ ‬«قوة‭ ‬الأعيان/‭ ‬سلطة‭ ‬القبيلة»‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالاختيارات‭ ‬الوطنية‭. ‬

سابعا‭:‬‭ ‬تتجلى‭ ‬أزمة‭ ‬التزكيات‭ ‬كأحد‭ ‬مظاهر‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬يتم‭ ‬التفاوض‭ ‬حولها‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬«ميركاتو‭ ‬انتخابي»‭ ‬تحدد‭ ‬فيه‭ ‬الترشيحات‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬ترتبط‭ ‬بالقدرة‭ ‬المالية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬المناضلين‭ ‬يفقدون‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬الاختيار‭ ‬ويتعمق‭ ‬لديهم‭ ‬الإحساس‭ ‬بالإقصاء‭ ‬لذوى‭ ‬الكفاءات‭. ‬

ثامنا‭:‬‭ ‬تلعب‭ ‬تسويات‭ ‬الظل‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النتائج،‭ ‬حيث‭ ‬تتم‭ ‬اتفاقات‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬لضمان‭ ‬توزيع‭ ‬معين‭ ‬للمقاعد‭. ‬كما‭ ‬تتشكل‭ ‬شبكات‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬المصالح،‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬عنصر‭ ‬التنافس‭ ‬الحقيقي‭. ‬وينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إحساس‭ ‬عام‭ ‬بأن‭ ‬النتائج‭ ‬يتم‭ ‬ترتيبها‭ ‬مسبقا،‭ ‬ما‭ ‬يقوض‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات‭. ‬

تاسعا‭:‬‭ ‬يتقاطع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره‭ ‬آنفا‭ ‬مع‭ ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين،‭ ‬حيث‭ ‬يغيب‭ ‬الوعي‭ ‬العميق‭ ‬بآليات‭ ‬العمل‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وشروط‭ ‬المواطنة،‭ ‬كما‭ ‬تتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬البرامج‭ ‬الحزبية‭ ‬والممارسات‭ ‬الشخصية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬توجيه‭ ‬الناخب‭ ‬نحو‭ ‬«التصويت»‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬النفوذ،‭ ‬بدل‭ ‬اختيار‭ ‬«البرنامج»‭ ‬الذي‭ ‬يستجيب‭ ‬لتطلعاته‭. ‬

عاشرا‭:‬‭ ‬تتداخل‭ ‬العوامل‭ ‬البنيوية‭ ‬مع‭ ‬التمثلات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لتشكل‭ ‬بيئة‭ ‬طاردة‭ ‬للفعل‭ ‬الانتخابي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬وضع‭ ‬مقاربة‭ ‬شمولية،‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للقيم‭ ‬السياسية،‭ ‬وتعزز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وتفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬جديدة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ممارسات‭ ‬ملموسة‭ ‬تعيد‭ ‬للمواطن‭ ‬الإحساس‭ ‬بجدوى‭ ‬صوته‭. ‬
 

أمام‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص‭ ‬القاتم،‭ ‬يفتح‭ ‬الأفق‭ ‬الاستشرافي‭ ‬عدة‭ ‬سيناريوهات:

1‭. ‬سيناريو‭ ‬أول‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬القائم،‭ ‬حيث‭ ‬تظل‭ ‬مستويات‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الحالية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬أكثر‭ ‬انحدارا،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬نفس‭ ‬العوامل‭ ‬البنيوية‭. ‬

2‭. ‬سيناريو‭ ‬ثان‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬نسبي‭ ‬بفعل‭ ‬إصلاحات‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤسساتية،‭ ‬تستهدف‭ ‬تجديد‭ ‬النخب،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وردع‭ ‬«البزناسة»‭ ‬و«الشناقة»،‭ ‬وتقوية‭ ‬دور‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬التأطير‭. ‬وهذا‭ ‬المسار‭ ‬يتطلب‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬قوية،‭ ‬وبرامج‭ ‬واضحة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة،‭ ‬عبر‭ ‬إشراك‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬وتقديم‭ ‬نخب‭ ‬جديدة‭ ‬ونماذج‭ ‬ناجحة‭ ‬في‭ ‬التدبير‭. ‬

3‭. ‬سيناريو‭ ‬ثالث‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬وقوع‭ ‬تحولات‭ ‬مفاجئة‭ ‬ترتبط‭ ‬بسياقات‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬دولية‭ ‬«حركات‭ ‬اجتماعية/‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية/‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الإقليمية‭.. ‬إلخ»،‭  ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬التحولات‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬وتدفع‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬السياسي‭.‬

 

غير‭ ‬أن‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬يترجم‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬السياسي،‭ ‬وفي‭ ‬آليات‭ ‬تمثيل‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬محطة‭ ‬لاختبار‭ ‬مدى‭ ‬حيوية‭ ‬النسق‭ ‬السياسي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لحظة‭ ‬اختبار‭ ‬كثيفة‭ ‬للدولة‭ ‬والأحزاب‭ ‬والمجتمع‭.‬

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن" 

رابط العدد هنا

https://anfaspress.com/alwatan/voir/431-2026-03-24-05-24-54