كلما اقتربت محطة شتنبر 2026 (التي لا تفصلنا عنها سوى ستة أشهر)، يتجدد السؤال بالمغرب حول معنى المشاركة السياسية وحدودها، وحول قدرة النظام الحزبي والمؤسساتي على استعادة دينامية الثقة والقطع مع العزوف الانتخابي؛ وهو سؤال كثيف الدلالة، تتقاطع فيها عناصر سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وتتكشف عبرها تحولات عميقة في علاقة المواطن المغربي بالفعل الديمقراطي ومؤسساته، خاصة في ظل تمثلات سلبية عن الفاعلين السياسيين، وفي ظل سياقات «اجتماعية وثقافية» ضاغطة لا يمكن التغاضي عنها.
أن أزمة الثقة في الأحزاب السياسية والحكومة والبرلمان هي المدخل الأكثر «واقعية» لفهم هذا العزوف الكبير، وخاصة في الحواضر المغربية. إذ أن الوعي السياسي يتكون لدى فئات واسعة من خلال احتكاك يومي بخطابات الأحزاب وبرامجها وقيادييها، حيث تتبلور صورة عامة عن جدوى الفعل الحزبي وقدرته على التأثير. غير أن الملاحظ في المشهد العام المغربي أن الوجوه نفسها تتكرر في مواقع القرار الحزبي بل وترحل من هيأة إلى أخرى دون وخز ضمير أو الإحساس بطعن التعاقد مع الناخبين، كما أن الخطاب ذاته يتكرر دون تجديد في أساليب الوساطة، مما يحدث "مسافة سيكولوجية" بين المواطن والبنيات الحزبية التي لم تع بعد أن هذا المواطن يطل عليها من نافذة أوسع، خاصة مع الوسائط الجديدة والفورة الرقمية التي لا تعترف بالحدود، ولا بالجدران. بل إن هذه المسافة تتعمق بسبب الإحساس بمحدودية أثر الانتخابات على السياسات العمومية وعلى غياب أي أثر للانتخابات على جودة عيشه. ومن هنا تتشكل قناعة لدى المواطن بأن التنافس الانتخابي يفضي إلى نتائج لا تأثير لها على حياة المغاربة، وأن الاختيارات الكبرى تظل بعيدة عن تأثير صناديق الاقتراع، وهو ما يفرغ المشاركة من معناها الرمزي والعملي، ويحول العملية الديمقراطية ككل إلى واجهة لصرف الانتباه عن الفاعلين الحقيقيين المشرفين على وضع السياسات العمومية.
إن هذا الإحساس بعدم الجدوى من المشاركة السياسية يزداد رسوخا مع:
1. تواتر انغلاق مسارب الترقي داخل الأحزاب، على مستوى المهام والوظائف والمسؤوليات «التنخيب»؛ إذ تحولت أغلب الأحزاب المغربية إلى بنيات مغلقة، تعيد إنتاج نفسها عبر آليات داخلية تفتقر إلى الشفافية والتنافسية. كما يبرز منطق الكراسي كعامل مهيمن، حيث تتركز الجهود حول الحفاظ على المواقع بدل بناء مشاريع مجتمعية متكاملة.
2. استمرار حالات الترحال الحزبي بصرف النظر عن الانتماء الإيديولوجي.، ومن ثم تتراجع القدرة على إنتاج خطاب سياسي منسجم وقادر على استقطاب الفئات المترددة.
3. بروز ممارسات ترتبط بشراء التزكيات من طرف أصحاب الشكارة والفاسدين وتجار المخدرات؛ حيث تتحول العملية الانتخابية بشكل عام إلى مجال لتبادل الامتيازات بدل التنافس حول البرامج الانتخابية التي لا يقع الالتزام بها من طرف الأغلبية الحكومية، مما يدل على هشاشة البناء الحزبي، وعلى غياب الانسجام الإيديولوجي، وعلى وقوع العمل السياسي في مكان آخر، خارج الأحزاب أو الحكومة أو المعارضة البرلمانية.
في عمق الصورة، تتراجع السياسة إلى الخلف، وتتحول الانتخابات إلى حدث هامشي، أو على الأقل إلى موسم للتراشق الكلامي المكرر بين الأحزاب السياسية، وتبادل الاتهام بالفساد، ومحاولة إقناع المواطنين بأن السياسة مجال للتنافس بين الملائكة والشياطين، وليس بين البرامج والرؤى والمشاريع، في الشغل والسكن والصحة والتعليم والنقل والعالم القروي.. إلخ.
والأدهى من ذلك أن المواطن يشعر بتفاوت الولوج إلى الخدمات والفرص، كما أن سكان بعض المناطق يشعرون بأنهم خارج دوائر الاهتمام العمومي، مما يعمق الإحساس بالتهميش ويضعف الشعور بالانتماء إلى فضاء سياسي مشترك. ومن هنا يمكننا القول إن ارتفاع نسب العزوف في المناطق التي تعاني من نقص في البنيات التحتية والخدمات، دليل آخر على الارتباط القائم بين التنمية المجالية والمشاركة السياسية. وهذا هو ما يفسر التفاوت في نسب الإقبال على التصويت حسب المناطق، حيث تلعب العوامل الاقتصادية والاجتماعية دورا مركزيا.
ففي المدن الكبرى، تتداخل تأثيرات الإعلام والتعليم والحركية الاجتماعية، لخلق ديناميات معقدة. أما في المناطق القروية والهامشية فتتداخل الاعتبارات المحلية والعلاقات الاجتماعية في تحديد السلوك الانتخابي.
ومع ذلك، فإن مفهوم المشاركة السياسية ذاته يتعرض للتحول، حيث لم يعد التصويت أو الانخراط الحزبي الشكل الوحيد للتعبير، ذلك أن التجربة أكدت تنوع أشكال المشاركة لتشمل الفعل الاحتجاجي الشبابي، والعمل الجمعوي، والحملات الرقمية، والمبادرات المحلية، ما يعكس تحولا في طبيعة العلاقة مع السياسة، ويطرح تحديا أمام الأحزاب والمؤسسات، التي تحتاج إلى إعادة التفكير في آليات التواصل والاستقطاب، وفي كيفية استيعاب هذه الأشكال الجديدة.
إجمالا، يمكن الحديث عن المشاركة السياسية في أفق محطة شتنبر 2026، من زوايا مختلفة وصور متعددة، هي كالتالي:
أولا: تمس أزمة المشاركة السياسية صورة الفاعل السياسي ومصداقية المؤسسات المنتخبة. فحين تتواتر أخبار اعتقال منتخبين (بالجماعات الترابية وبالبرلمان على حد سواء)، أو متابعتهم في ملفات ترتبط بالفساد والاتجار في المخدرات والتلاعب في الصفقات، يتشكل وعي جماعي يرى في الحقل الانتخابي فضاء للانتفاع و«التشلهيب»، تتداخل فيه السلطة بالمال والنفوذ بالشبكات غير الرسمية. مما يولد إحساسا عاما بأن الوصول إلى مواقع التمثيل يتم عبر مسارات لا تعكس الكفاءة أو التطوع النبيل لخدمة المجتمع، ولا تعبر عن الإرادة الشعبية في صفائها، وهو ما يضعف الثقة في العملية الانتخابية برمتها. كما أن المنتخب يتحول إلى شخصية مثقلة بالشبهات، بل إن المؤسسات المنتخبة «البرلمان والجماعات الترابية والغرف المهنية»، تتحول إلى فضاءات عاكسة للفساد بدل أن تجسد أفق الإصلاح.
ثانيا: يتعمق هذا الشعور مع انسداد آفاق الترقي الحزبي، حيث تستمر القيادات نفسها في التحكم في مفاصل القرار داخل الأحزاب، وتستقر في مواقعها لسنوات طويلة دون تجديد حقيقي «زعماء الولاية الثالثة والرابعة»، مما يساهم في تشكل بنية تنظيمية مغلقة، تتحكم فيها شبكات الولاء والقرابة السياسية، وتضيق فيها فرص الصعود أمام الكفاءات الشابة. ومن هنا، ينشأ وعي لدى المناضلين بأن العمل الحزبي لا يفتح مسارات واضحة للتطور، وأن المواقع القيادية محجوزة ضمن دوائر ضيقة. وهذا يفضي إلى تراجع جاذبية الانخراط الحزبي، مما يولد حالة من العزوف داخل الأحزاب نفسها، قبل أن تمتد إلى المجتمع، فيتحول الانسحاب إلى سلوك جماعي يعكس أزمة عميقة في بنية الوساطة السياسية.
ثالثا: عودة الأسماء نفسها في كل محطة انتخابية، ترسخ في الوعي العام أن الوعاء الانتخابي جامد، وأن التداول على المسؤوليات يتم داخل دائرة مغلقة. وهنا، تتشكل صورة عن السياسة كفضاء يحتكره عدد محدود من الأفراد، ما يقوض فكرة التمثيلية ويضعف الإحساس بالمشاركة. كما أن ذلك يخلق نوعا من الملل السياسي، حيث يفقد المواطن حماسه لمتابعة الحملات الانتخابية أو المشاركة فيها، مادامت النتائج تبدو محسومة لصالح نفس الوجوه.
رابعا: يتخذ الترحال السياسي بعدا أكثر تعقيدا، حيث ينتقل الفاعلون من حزب إلى آخر وفق حسابات انتهازية، دون ارتباط واضح بمشروع فكري أو إيديولوجي أو انشغال مجتمعي. ومن هنا تتلاشى الحدود بين الأحزاب، ويصبح الانتماء مسألة تكتيكية ترتبط «بالهمزة الانتخابية». كما يتشكل وعي جماعي يرى في هذا السلوك دليلا على غياب القناعة، وعلى سيادة منطق المصلحة النفعية الذميمة. فالأحزاب كلها أصبحت مجرد أوعية مفتوحة تستقبل نفس الأسماء، ما يفقدها هويتها ويضعف قدرتها على التأطير. كما أن المواطن يفقد القدرة على التمييز بين البرامج، ويتراجع الاهتمام بالاختيارات السياسية.
خامسا: حضور المال الانتخابي يعتبر عنصرا حاسما في تشكيل الخريطة السياسية، حيث تراهن الأحزاب على أصحاب الثروة والنفوذ لضمان النتائج. ذلك أن المال الحرام يتغلغل في العملية الانتخابية، ويعيد تشكيل قواعد المنافسة، مما يؤدي إلى تراجع الكفاءة لصالح القدرة المالية. كما يتحول التصويت إلى سلعة، وتصبح الحملات الانتخابية مجالا للاستثمار، ما يقوض مبدأ تكافؤ الفرص.
سادسا: لجوء الأحزاب إلى شبكات النفوذ التقليدية لضمان الأصوات بدل المراهنة على البناء الديمقراطي المؤسساتي، مما يدل على أن البنية التقليدية تعيد إنتاج نفسها داخل الفضاء السياسي الحديث، مما ينعكس على طبيعة المشاركة، حيث تتحول السياسة إلى فعل مرتبط بالانتماءات المحلية «قوة الأعيان/ سلطة القبيلة» أكثر من ارتباطه بالاختيارات الوطنية.
سابعا: تتجلى أزمة التزكيات كأحد مظاهر الخلل البنيوي، حيث تتحول إلى سلعة يتم التفاوض حولها داخل الأحزاب التي تتحول إلى «ميركاتو انتخابي» تحدد فيه الترشيحات وفق معايير ترتبط بالقدرة المالية الكبيرة، مما يجعل المناضلين يفقدون الثقة في آليات الاختيار ويتعمق لديهم الإحساس بالإقصاء لذوى الكفاءات.
ثامنا: تلعب تسويات الظل دورا مركزيا في توجيه النتائج، حيث تتم اتفاقات غير معلنة بين الفاعلين لضمان توزيع معين للمقاعد. كما تتشكل شبكات معقدة من المصالح، تتحكم في مسار العملية الانتخابية، وتحد من عنصر التنافس الحقيقي. وينتج عن ذلك إحساس عام بأن النتائج يتم ترتيبها مسبقا، ما يقوض الثقة في نزاهة الانتخابات.
تاسعا: يتقاطع كل ما سبق ذكره آنفا مع ضعف الثقافة السياسية لدى المواطنين، حيث يغيب الوعي العميق بآليات العمل الديمقراطي وشروط المواطنة، كما تتراجع القدرة على التمييز بين البرامج الحزبية والممارسات الشخصية، وهو ما يتيح توجيه الناخب نحو «التصويت» على المال أو النفوذ، بدل اختيار «البرنامج» الذي يستجيب لتطلعاته.
عاشرا: تتداخل العوامل البنيوية مع التمثلات الاجتماعية، لتشكل بيئة طاردة للفعل الانتخابي، وهو ما يتطلب وضع مقاربة شمولية، تعيد الاعتبار للقيم السياسية، وتعزز الشفافية، وتفتح المجال أمام بناء ثقة جديدة، تقوم على ممارسات ملموسة تعيد للمواطن الإحساس بجدوى صوته.
أمام هذا التشخيص القاتم، يفتح الأفق الاستشرافي عدة سيناريوهات:
1. سيناريو أول يقوم على استمرار الوضع القائم، حيث تظل مستويات المشاركة في حدودها الحالية إن لم نقل أكثر انحدارا، مع بقاء نفس العوامل البنيوية.
2. سيناريو ثان يقوم على تحسن نسبي بفعل إصلاحات سياسية ومؤسساتية، تستهدف تجديد النخب، وتعزيز الشفافية، وردع «البزناسة» و«الشناقة»، وتقوية دور الأحزاب في التأطير. وهذا المسار يتطلب إرادة سياسية قوية، وبرامج واضحة لإعادة بناء الثقة، عبر إشراك المواطنين في صنع القرار، وتقديم نخب جديدة ونماذج ناجحة في التدبير.
3. سيناريو ثالث يقوم على وقوع تحولات مفاجئة ترتبط بسياقات داخلية أو دولية «حركات اجتماعية/ أزمات اقتصادية/ تغيرات في البيئة الإقليمية.. إلخ»، حيث يمكن لهذه التحولات أن تعيد تشكيل المشهد السياسي، وتدفع فئات واسعة إلى الانخراط السياسي.
غير أن العزوف الانتخابي، رغم كل شيء، يترجم في جوهره الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في النموذج السياسي، وفي آليات تمثيل الإرادة الشعبية بالمغرب، خاصة أن الانتخابات تظل في كل الأحوال محطة لاختبار مدى حيوية النسق السياسي، كما أنها لحظة اختبار كثيفة للدولة والأحزاب والمجتمع.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"
رابط العدد هنا
