mardi 21 avril 2026
كتاب الرأي

عبد الحكيم العياط: التأخر في إصدار النصوص التنظيمية وأثره على فعالية السياسات العمومية.. قطاع الصحة نموذجا

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عبد الحكيم العياط: التأخر في إصدار النصوص التنظيمية وأثره على فعالية السياسات العمومية.. قطاع الصحة نموذجا عبد الحكيم العياط

في كل تجربة إصلاحية، لا يكفي أن يصدر القانون حتى نعلن بداية التغيير. فالقانون، مهما بلغت دقته، يظل إطار عام يحتاج إلى نصوص تنظيمية تفصّل مقتضياته وتحدد آليات تنزيله. وهنا بالضبط تتولد إحدى أعقد الإشكاليات التي تواجه السياسات العمومية في المغرب: التأخر في إصدار النصوص التنظيمية، بما يحول أحيانا بين الإرادة التشريعية وبين الفعالية العملية.

 

يشكل قطاع الصحة نموذج كاشف لهذه المعضلة فخلال السنوات الأخيرة عرف المغرب دينامية تشريعية مكثفة لإعادة هيكلة المنظومة الصحية، في سياق ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتعزيز أبعاد الدولة الاجتماعية كما كرسها دستور 2011. صدرت قوانين إطار ونصوص مؤطرة لإحداث مؤسسات جديدة وإعادة توزيع الاختصاصات واعتماد حكامة ترابية حديثة. غير أن عددا من هذه القوانين ظل في حاجة إلى مراسيم وقرارات تطبيقية حتى تدخل مقتضياته حيز التنفيذ الفعلي.

 

حيث تبرز المعطيات الرسمية أن وتيرة الإصدار التنظيمي لا تواكب دائما الوتيرة التشريعية. فخلال الولاية الحكومية الحالية تم الإعلان عن عشرات مشاريع القوانين ذات الصلة بإعادة هيكلة المنظومة الصحية، من بينها القانون-الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، والقانون رقم 07.22 المتعلق بالهيئة العليا للصحة، والقانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، والقانون رقم 09.22 المتعلق بالوظيفة الصحية، والقانون رقم 10.22 المتعلق بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والقانون رقم 11.22 المتعلق بإحداث الوكالة المغربية للدم ومشتقاته. غير أن تفعيل عدد من مقتضيات هذه النصوص ظل رهينا بصدور مراسيم تطبيقية تحدد التنظيم الإداري والمالي وأنظمة المستخدمين وكيفيات نقل الاختصاصات. وفي غياب نشر جميع النصوص التنظيمية دفعة واحدة، بقيت بعض المؤسسات الجديدة في مرحلة انتقالية، تعمل بترتيبات مؤقتة أو بمقتضيات عامة في انتظار استكمال البناء التنظيمي.

 

ومن زاوية مالية، خصصت الحكومة ميزانية إجمالية تناهز 42,4 مليار درهم لقطاع الصحة، برسم قانون المالية لسنة 2026، وهو ما يمثل زيادة بحوالي 10 مليارات درهم مقارنة بالسنة الماضية. كما تم إحداث 8.000 منصب مالي جديد لفائدة القطاع، بزيادة 1.500 منصب مقارنة بسنة 2025، في إطار جهود الحكومة لتعزيز الموارد البشرية وضمان جودة الخدمات الصحية لجميع المواطنين. غير أن صرف هذه الاعتمادات وتوجيهها يرتبط عمليا بصدور نصوص تنظيمية تحدد طرق التدبير، وأنماط الحكامة، وهيكلة المؤسسات الجديدة. فحين تتأخر المراسيم المحددة لكيفيات تحويل الموارد أو لتدبير المناصب المالية داخل البنيات المستحدثة، ينعكس ذلك مباشرة على سرعة تنفيذ البرامج وعلى القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، خاصة في ظل الخصاص المعلن في الموارد البشرية الصحية مقارنة بالمعايير الدولية.

 

كما أن التقارير الرقابية، سواء الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات أو المناقشات البرلمانية حول تقييم السياسات العمومية، تشير بانتظام إلى إشكالية تداخل النصوص أو بطء استكمال الترسانة التنظيمية كعامل مؤثر في نجاعة الإصلاحات. ففي سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يستهدف إدماج ملايين المواطنين في أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، تبرز الحاجة إلى انسجام زمني دقيق بين القوانين المؤطرة والقرارات التطبيقية المرتبطة بالتسجيل، وتمويل الاشتراكات، وتبادل المعطيات بين المؤسسات. وأي اختلال في هذا التسلسل الزمني يخلق ضغطاً على البنيات الصحية ويؤخر تحقيق الأثر الاجتماعي المنتظر من الإصلاح.

 

المفارقة أن الفاصل الزمني بين صدور القانون ونشر نصوصه التنظيمية قد يمتد أحياناً لأشهر، بل لسنوات، وهو ما يخلق وضعية قانونية ملتبسة: قانون قائم من الناحية الشكلية، لكنه غير قابل للتطبيق عملياً. في هذه المساحة الرمادية، يتولد ما يمكن تسميته بـ"الفراغ التنظيمي"، حيث تجد الإدارات والمهنيون أنفسهم أمام مقتضيات عامة دون آليات تنفيذ واضحة، فتتسع دائرة التأويل، وتتضخم السلطة التقديرية، ويختل مبدأ الأمن القانوني.

 

في قطاع الصحة، تتخذ هذه الإشكالية بعد أكثر حساسية. فكل تأخر تنظيمي لا يساهم فقط في تعطيل مسطرة إدارية بل قد ينعكس على تدبير الموارد البشرية وتمويل المؤسسات الصحية وتنظيم المسارات العلاجية بل وحتى على ولوج المواطنين إلى الخدمات. وعندما يتعلق الأمر بإصلاحات كبرى مثل إعادة هيكلة العرض الصحي أو إحداث بنيات ترابية جديدة يصبح التأخر عامل مؤثر في إيقاع الإصلاح برمته.

 

الأسباب متعددة ومعقدة فمن جهة تتسم المسطرة الحكومية لإعداد النصوص التنظيمية بتعدد المتدخلين وتعقيد مسارات المصادقة، ما يبطئ عملية الصياغة والنشر. ومن جهة أخرى، قد يؤدي تداخل الاختصاصات بين القطاعات أو تغير الأولويات السياسية إلى إرجاء بعض النصوص. كما أن الطابع التقني لقطاع الصحة يفرض مشاورات موسعة وخبرات دقيقة وهو ما يزيد من زمن الإعداد.

 

غير أن الإشكال لا يقتصر على البعد الإجرائي، بل يمتد إلى البعد المؤسساتي. فالتأخر في إصدار النصوص التنظيمية قد يعكس أحيانا اختلالا في التخطيط التشريعي ذاته حيث لا تُرفق بعض القوانين ببرمجة زمنية واضحة لإصدار مراسيمها وفي غياب آجال ملزمة أو آليات تتبع فعالة يتحول الزمن إلى عنصر غير مضبوط في دورة صنع السياسة العمومية.

 

والأخطر من ذلك أن التأخر التنظيمي قد يُفرغ الإصلاح من زخمه السياسي والاجتماعي. فحين يُعلن عن قانون بوصفه خطوة حاسمة في تحديث المنظومة الصحية ثم يظل تنزيله معلقا تتراجع ثقة الفاعلين وتضعف مصداقية الخطاب الإصلاحي. هنا لا يصبح الأمر تقنيا فحسب بل يرتبط بجودة الحكامة وبالعلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

إن معالجة هذه الإشكالية تقتضي الانتقال من منطق إصدار القوانين إلى منطق "الحكامة الزمنية للتشريع" أي اعتبار الزمن جزءا من جودة السياسة العمومية. ويستدعي ذلك برمجة متكاملة ترافق كل قانون بخارطة طريق تنظيمية واضحة وتحديد آجال معقولة لإصدار النصوص التطبيقية وتعزيز آليات التتبع البرلماني والإداري بل والتفكير في أدوات رقمية تُمكّن من تتبع حالة النصوص التنظيمية بشكل شفاف.

 

في النهاية، يظل القانون وعدا، والنص التنظيمي هو الأداة التي تحول هذا الوعد إلى ممارسة. وفي قطاع حيوي كالصحة، حيث يرتبط الإصلاح مباشرة بحقوق المواطنين وكرامتهم، لا يمكن ترك الزمن التشريعي دون ضبط. ففعالية السياسات العمومية لا تُقاس فقط بجودة النصوص بل أيضا بقدرتها على الدخول حيز التنفيذ في الوقت المناسب. ومن دون ذلك، يبقى الإصلاح مؤجلا ولو كان القانون منشورا في الجريدة الرسمية.

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg