الأربعاء 5 أكتوبر 2022
فن وثقافة

أحميدة الباهيري: الظاهرة الغيوانية تعرضت للتهميش والحصار منذ النشأة إلى اليوم

أحميدة الباهيري: الظاهرة الغيوانية تعرضت للتهميش والحصار منذ النشأة إلى اليوم الفنان أحميدة الباهيري رفقة بنات الغيوان
سجل مراقبون أن القائمين على الشأن الموسيقي والغنائي في المغرب لا يهتمون في زمننا هذا إلا بلون موسيقي ولون غنائي واحد يرتبط بالموسيقى الشبابية، التي تسيطر على المشهد الفني، أما باقي الأنماط فهي مطموسة ومسجونة في دائرة المنسي.
من هذا المنطلق ينتصب سؤال حارق: هل رحم المغرب عقيم إلى هذه الدرجة، ولم نعد قادرين على ضمان استمرارية إنتاج ألوان موسيقية وغنائية رافقت الناس في حياتهم منذ عقود؟
من الأنماط الموسيقية والغنائية المغربية المطموسة والمسجونة في دائرة المنسي الأغاني العصرية، فضلا عن طمس الظاهرة الغيوانية إلى جانب تراث فن العيطة، حيث نجد أن نفس الأغاني التي أداها الرّواد يتم تكرارها ويتم إعادة تقديمها بطريقة "عشوائية" تشوّه كلماتها بعيدا عن ضوابط الميزان والإيقاع واحترام أذن المتلقي باستثناء بعض الإشراقات. ونفس الشيء ينطلي على فن الملحون وطرب الآلة الأندلسية بحيث أن إنتاجات الرّواد هي التي تتكرر ويعاد بثها عبر برامج إذاعية وقنوات تلفزيونية.
طبعا نحن لسنا ضد الموسيقى الشبابية، ولكن لابد من طرح السؤال: هل هناك إرادة رسمية من طرف مؤسسات الدولة تتجه نحو إقبار الأنماط التي ذكرنا مقابل إعلاء شأن الأغنية الشبابية (سعد لمجرد ومن على شاكلته) على حساب الموروث الموسيقي والغنائي المغربي (الأغنية العصرية وأغاني فن العيطة والملحون وطرب الآلة، وأنماط الأغاني الشعبية) التي شكلت مرجعا تراثيا وكنوزا ثمينة يفتخر بها كل المغاربة؟.
إن دليلنا في هذا الاتهام هو أن بعض القنوات التلفزيونية، والإذاعات (مركزية وخاصة) لا تذيع ولا تبث إلا لون الموسيقى الشبابية، ومن حين لآخر تتكرم على الشعب المغربي بأغاني عصرية أصيلة وأغاني من الموروث الشعبي في أوقات متأخرة من هزيع الليل، وكأنها تقدم منتوجا لا يصلح إلا لفئة عمرية ومحضور عن فئات أخرى.
السؤال الأكثر غرابة هو لماذا أن أغلب المهرجانات تسير في نفس المنحى الذي ينتصر لنمط الموسيقى الشبابية على حساب الموروث الثقافي والتراث الشعبي، فين حين أن المغرب يزخر بأنماط الموسيقى التقليدية ومن واجب الدولة المغربية أن تنصف وتضمن حق جميع المواطنين في التمتع والاستمتاع بكل الألوان التي تعتبر موروثا لكل المغاربة. ولا حق لأي مسؤول أن يفضل هذا اللون عن الآخر؟.
في هذا السياق وجهنا أسئلتنا للفنان المبدع مؤسس مجموعة بنات الغيوان احميدة الباهيري حيث عبر عن موقفه من خلال هذه الورقة التي تتقاسمها جريدة "أنفاس بريس" مع القراء.
 
حسب وجهة نظري المتواضعة فإن الأغنية المغربية بصفة عامة (الأغنية العصرية والأغاني التراثية الشعبية والغيوانية.....) لم تعد تحظى بالإهتمام الذي كانت تحاط به أيام الزمن الجميل، والسبب راجع إلى المسؤولين القائمين في زمننا هذا على شأن الثقافة والفن والإبداع بصفة عامة.
في الزمن الجميل كانت كل الألوان والأنماط الغنائية محط اهتمام من طرف الكفاءات الوطنية والرّواد الذين كانوا يقدرونها ويدافعون عنها بكل الطرق والوسائل المتاحة. للأسف تلك الوجوه النيرة ذات الأيادي البيضاء رحلت عن عالمنا رحمة الله عليهم، و حلّ مكانهم أناس لا علاقة لهم لا بالفن ولا بالتراث والموروث الثقافي عامة، بل أنهم لا يفقهون في ذلك ولا تربطهم بالمجال لا من قريب ولا من بعيد أية صلة، وهمهم الوحيد هو الاسترزاق من حقل الثقافة والفن والإبداع، وابتزاز الفنانين المغلوبين على أمرهم زيادة على ذلك فهم يسعون إلى طمس الهوية المغربية وإقبارها.
الخطير في الأمر أنه لم تعد لنا نظرة مستقبلية للأغنية المغربية وأصبحنا نعيش اليوم تحت رحمة شعار الجمهور "عَايَزْ كِدَةْ"، والتهافت على البوز في زمن الرقمنة، والدليل أن هناك عينة من أصحاب الأغنية الشبابية مثلا ، هؤلاء بعيدون كل البعد عن البحث وعن الإبداع ومنصبون على السوق الإستهلاكية، وأغانيهم التجارية ظرفية لا تتعدى الشهر ثم تتلاشى وتموت ولا يبقى لها وجود .
 أما بخصوص الحديث عن تطوير الموروث الثقافي (الفن و الموسيقى والأغنية المغربية)، فالجاثمون على صدر الوطن همهم الوحيد هو تطوير الأغنية المغربية من خلال تقليد نماذج موسيقية غربية ويحاولون المزج بين ما هو مغربي وما هو غربي دون أفق بحثي وعلمي يحترم المشترك الإنساني وذكاء المتلقي.
 
هناك صنف آخر من شباب الجيل الحالي الذي ظل ملتصقا وعاشقا للتراث ومتشبث بالأغنية المغربية الأصيلة، حيث يرددها ويعيد أدائها في كل المناسبات، جيل عاشق ومعجب بهذا النمط ولا يريد أن يتخلى عنه رغم كل ما يعانيه من إقصاء ، وهؤلاء يشكلون فئة قليلة وظلت دائما مهمشة ومسجونة داخل دائرة الإقصاء.
الحديث عن المجموعات الغنائية أو ما نسميه بالظاهرة الغيوانية فهذا النوع من الغناء فقد ظل محاربا منذ نشأته في سبعينيات القرن الماضي من طرف مسؤولين كبار كانت لهم اليد الطويلة على الشأن الثقافي والفني، حيث تصدوا له بكل الطرق وأقبروه في المهد، لأنهم كانوا يعتقدون أن هذا اللون الغنائي يشكل عليهم خطرا وهميا، نظرا للتجاوب الكبير والسريع مع كل الجماهير الشعبية التي وجدت فيه المدافع عن همومها والمعبر عن حالاتها ولكنها لم تفلح في ذلك وبقيت تلك الجهات المسؤولة تحارب وتحارب بكل الطرق وفي الخفاء حتى نجحت في إقبار هذا النوع الغنائي الرائع تدريجيا.