الاثنين 15 أغسطس 2022
منبر أنفاس

مصطفى مروان: في الحاجة الى تقدير الذات المحلية!

مصطفى مروان: في الحاجة الى تقدير الذات المحلية! مصطفى مروان
الكثير من الناس للأسف هم مجرد مستلبين ومستهلكين لثقافة الغير لا غير، فبعد بداية الوعي بضرورة خلق مسافة مع بلدان الشرق الأوسط العربية منها بالخصوص مبنية على روح العقل والنقد البناء، القصد هنا كل ما هو ثقافي، ومنه الدعوة إلى إعادة قراءة الدين الإسلامي -الذي أنزل للعالمين-بمعزل عن ثقافة وعادات العرب، بالاعتماد على القرآن الكريم كمرجع أساس، وما يتوافق معه من السنة.
حتى بدأ استيلاب من نوع آخر، استيلاب "الغرب" الناجح، الاوروبي الذكي، الامريكي الخلاق، البلدان المتقدمة، الخ، في مقابل الافريقي المتخلف، دول العالم الثالث، البلدان السائرة في طريق التنمية وغيرها من التسميات الاستعمارية، فبدأ انسان هذه البلدان الاخيرة يشعر بالدونية، وبأنه أقل من الأخر في الضفة الاخرى المتطور، وبالتالي النزوع إلى تقليده ليبدأ الحلم بأن يصبح كما هو، وبأي وسيلة كانت، ولو على حساب دهس كينونته و طمس ذاته، ما دامت الغاية هي في الأول والأخير كسب المال، أو بصورة أكثر تدقيقا فكر خبزوي أعمى لا يبصر الا الاوراق النقدية ولا يسمع الا صوت القطع النقدية !
وانطلاقا من المثل الشعبي "دوا الطماع الكذاب"، عملت مختبرات العولمة من خلال الشركات العابرة للقارات لترسيخ النموذج التدجيني الاحادي للانسان من خلال مقولة "العالم قرية صغيرة" ، والنتيجة المرجوة: مجرد انسان/آلة مستهلك يأكل، يلبس، ويفكر بنفس الطريقة، انسان قابل لاقناء نفس المنتج في أي رقعة جغرافية على وجه البسيطة، إنسان ينسلخ من جلده ومن ثقافته وتراثه وعاداته وتقاليده و ما ورثه من علم و خبرات الأجداد في علاقتهم بالأرض التي يعيشون عليها، ليعتنقوا نموذج لا يؤمن بالحدود لا الاخلاقية ولا الجغرافية، ايمانه الوحيد خلق الثروة والربح ومزيد من الربح ولو على حساب كينونة وذات الانسان الذي هو مجرد زبون ومستهلك في هذه الحالة.
وهنا تكمن الخطورة ان لم تعي المجتمعات أهمية الثقافة المحلية (التفكير وآلياته، نمط وطرق العيش، الملبس، المأكل، المهارات، الخبرات، الدراية، الخ) كدرع واقي ووقائي أمام زحف غول العولمة والإنسان الممسوخ والمسلوخ من أي نسمة ذاتية تربطه بالوعي الجمعي الثقافي لأرضه وأجداده. فما معنى أن يكون الإنسان بلا ثقافة أصيلة (نابعة من أرضه وهي نتاج ملايين السنين)، وما معنى إنسان لا يؤمن بأي شيء (الدين/الجانب الروحي، على أساس أننا لم نخلق عبثا ولسنا مجرد طفرة، فالكل خلق بميزان والله مسويه)، انسان بلا فرامل و بلا حدود (الحرية الفردية: هذا ملكي أفعل به ما أشاء)، و بلا ضمير جمعي (أنا و من بعدي الطوفان)، و بلا بعد أخلاقي (من سمات العولمة جعل كل ما هو غير أخلاقي طبيعي)..الخ.
هي إذن وصفات صنعت للمعوزين (القصد هنا العوز الفكري/الاستبصاري الذي أنتج العوز المادي/اللحظي الآني)، وللقطيع (الذي يتبع دائما القوي ويأتمر بأمره ولو على حساب ذاته)، وللمرتزقة (الذي يتاجر بآلام و معانات بني جلدته من أجل تحقيق مكاسب ريعية) و اللائحة تطول! أما يدرون أنها ليست سوى نزوات ورغابات صنعت لهم ليطبعوا معها، ثم يبدأوا بجعلها معتقدات ثم مسلمات ثم أسلوب عيش ونمط حياة، وإن كانت في ظاهرها أو جوهرها نقيض الفطرة السليمة (روح الطبيعة)، أو أبعد من ذلك، نقيض ما يوجد في ثقافته وحضارته الأم. هي إذن حرب خفية أسلحتها التسويق الناجح للوصفات الجاهزة ولنموذج "تعلم كيف تكون متحضرا ومتطورا في 5 أيام"، والسبيل لذلك القطيعة مع ما تؤمن به ومع عصارة علاقة الاجداد بالأرض، ولإنجاح ذلك سخرت جيوش وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي وأجهزة السمعي البصري وغيرها، وما العلم والعلماء الا ذلك الحائط القصير الذي تعلق فيه مناشير" حق أريد به باطل".
حشا أن يكون الإنسان الناجح هو من ينسلخ عن بيئته وثقافته، حشا أن يكون الانسان المتقدم والمتطور هو الذي لا يؤمن بأي شيء!