الأحد 14 أغسطس 2022
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: مفهوم الانتقال الديموقراطي

عبد السلام المساوي: مفهوم الانتقال الديموقراطي عبد السلام المساوي

يتبين وبالملموس أن الاتحاد الاشتراكي، عندما يرفع شعارا أو ينتج مفهوما أو يطرح برنامجا سياسيا،فليس بغرض التمويه والتغليط، الضجيج والبهرجة، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ....

إن مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول ...من هنا كانت هذه المفاهيم، وفي كل مرة، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود، الاجترار والرتابة ...

وارتباطا بحصيلة حكومة التناوب، أنتج الاتحاد الاشتراكي مفهوما حرك المشهد السياسي ببلادنا، وما زال، إنه مفهوم " المنهجية الديموقراطية "، الذي احتاج الى أكثر من وقفة تأمل حينئذ، والذي كان له حضور قوي في دستور 2011، وحضر في النقاشات السياسية المتعلقة بالمطالبة بتعديل الفصل 47 من الدستور، تفاديا لكل بلوكاج كما حدث مع رئيس الحكومة السابق، المعين والمعفى؛ عبد الإله بنكيران ....

مهما قيل ويقال عن تدبير حزب الاتحاد الاشتراكي لحكومة التناوب التوافقي، إلا أن الاتحاد أنعش الأمل في نفوس المغاربة في أواخر التسعينيات، وأدخل المغرب في مرحلة جديدة لا يمكن إنكار جوانبها الإيجابية.

فالاتحاد الاشتراكي قاد حكومة التناوب بحسناتها وعيوبها بحكمة واقتدار، وكان يطمح إلى متابعة التجربة بعد الانتخابات بشحنة صناديق الاقتراع التي بوأته الصدارة، لكن المنهجية الديموقراطية لم تحترم، وجاء وزير أول ليقود تجربة أخرى ليست تناوبا توافقيا طبعا، لكنه تيقنوقراطي يقود أحزابا ربحت في الانتخابات، وهذا من الناحية الدستورية يعتبر مشروعا وقانونيا، لكنه ساهم في تعطيل الإنتقال الديموقراطي ببلادنا.

ومفهوم "الانتقال الديموقراطي " مفهوم آخر أكسبه الإتحاد الإشتراكي حمولته السياسية المرحلية، ونبه محذرا من المخاطر التي تتهدده ...

ومعلوم في الأدبيات السياسية، أن مفهوم الإنتقال الديموقراطي يستعمل لوصف التحولات الجذرية التي تقع في نظام سياسي يتميز بطبيعته الشمولية، هذه التحولات قد تتخذ أشكالا متعددة، وتتم على مستويات مختلفة، حسب تجارب الانتقال الديموقراطي التي عرفتها بعض المجتمعات في الربع الأخير من القرن الماضي.

ولكن الأساسي فيها هو الانفتاح على المجتمع وعلى القوى الجديدة الفاعلة فيه (الأحزاب، النقابات، تنظيمات المجتمع المدني ...)، وعلى مطالبه الأساسية المتصلة بثلاثة مجالات: الديموقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد، وهذا مقابل تخلي النظام السياسي عن احتكار السلطة ومركزة القرارات في دوائر ضيقة وفق منهجية لا تتأسس على فلسفة النقاش العمومي، والتفاوض والتوافق بحيث يتيح بهذا الشكل للإرادات المختلفة أن تظهر، وللطاقات الفردية والجماعية أن تنطلق وتعبر عن نفسها.

من الناحية التاريخية، راكمت التجربة البشرية عددا من نماذج الإنتقال الديموقراطي الناجحة إلى هذا الحد أو ذاك، أغلبها حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي: اليونان، البرتغال، اسبانيا، أمريكا اللاتينية، أوربا الشرقية، جنوب افريقيا ...إلخ.

إن عمليات الإنتقال الديموقراطي لم تكن تتم وفق مسار أو طريق واحد، كما أنها وهذا أهم ما يميزها، ليست انتقالا سهلا من نظام إلى آخر. إنها بالعكس عملية معقدة وصعبة، كشفت كل التجارب أنها تطلبت تضحيات كثيرة، وتسببت في في مقاومات وصراعات بين القوى القديمة والجديدة، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح ...

وكلنا يتذكر كيف عملت جيوب المقاومة في المغرب على إعادة النسق السياسي الى مرحلة 1994، إذ أن فشل التناوب معناه آنذاك تعطيل الانتقال الديموقراطي، وتبين أن الإرادة الحقيقية لتحقيق الانتقال غير موجودة عند بعض الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي المغربي ...

وتبين للاتحاد الاشتراكي إن الانتقال الديموقراطي كمشروع اجتماعي، يستلزم في التجربة المغربية إصلاحا دستوريا حقيقيا، وتغييرات جذرية على المستوى السياسي والاقتصادي.

فمفهوم الانتقال الديموقراطي مفهوم غامض وملتبس، ولا أقصد هنا الالتباس اللغوي، بل الالتباس الانطولوجي، وكل بلد يمر بمرحلة الانتقال الديموقراطي، فهو إما مؤهل للإنتقال الديموقراطي ببطء أو بسرعة إلى مرحلة أرقى وهي مرحلة الديموقراطية كطريق للتنمية والاستمرار الأمني والعدالة الاجتماعية ...كما حدث في اسبانيا وغيرها من دول أوربا وأمريكا اللاتينية ...وإما مهدد بالانحدار الى مرحلة أسوأ، مرحلة العنف وضعف الدولة ...كما يحدث في الكثير من الدول العربية ...

إن مرحلة الانتقال الديموقراطي، حتى وإن كانت مؤقتة في الزمان والمكان، فإن إنجاحها يتطلب الكثير من الحذر واليقظة، وتدبيرها يحتاج إلى الكثير من الذكاء والإرادة.

حدث في المغرب سنة 2002 من إجهاض للمنهجية الديموقراطية أجل الإنتقال إلى الديموقراطية ...وكان " الربيع " العربي، وكانت حركة 20 فبراير، وكان دستور 2011 الذي دسترة مفهوم " المنهجية الديموقراطية "، الذي يعتبر إبداعا اتحاديا، ولكن الذي استفاد منه في 2007 , وفي 2011 و 2016 , هو حزب الاستقلال قبل الدسترة، وحزب العدالة والتنمية بعد الدسترة ...نحن نزرع وهم يحصدون، لا يهم فالاتحاد الاشتراكي يعمل من أجل الوطن لا من أجل الحزب، ويقوي المؤسسات لا الأشخاص .

والملاحظ أن هناك من وظف مفهوم المنهجية الديموقراطية توظيفا سيئا باستعماله خارج السياق التاريخي الذي أنتجه. فالمفهوم في النسق الاتحادي له حمولة سياسية قوية، نضالية واحتجاجية، إنه المفهوم -الحدث الذي وشم المسار السياسي ببلادنا، بدلالاته وتحذيراته، وهو المفهوم الذي أعفانا من قراءة الكثير من البيانات والمقالات والتحليلات، لقد كان مفهوما دقيقا ودالا، مركزا وعميقا ...وكان له ما بعده ...

إنه،عندما طالب الاتحاد الاشتراكي بضرورة اعتماد المنهجية الديموقراطية، الجميع وقف متفرجا ومنتظرا تعطيلها من مواقع وخلفيات وأهداف متباينة ...وبعدها تم السطو على المفهوم ببرغماتية سياسوية ساذجة...

الاتحاد يظهر في الصباح، يبدع وينتج، وغيره يظهر في المساء ليستفيد...إنهم كالبوم!

 

عبد السلام المساوي، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية