السبت 2 يوليو 2022
سياسة

874 حالة رصدتها "الوطن الآن" منذ تعيينه.. استراتيجية الحموشي لتخليق  مرفق الأمن

874 حالة رصدتها "الوطن الآن" منذ تعيينه.. استراتيجية الحموشي لتخليق  مرفق الأمن عبداللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني
قبل تولي عبد اللطيف الحموشي مسؤولية الإدارة العامة للأمن الوطني عام 2015، كان الأمن يعني، في المقام الأول، القدرة على الضبط والتحكم، وإدخال المواطن، بالإكراه، في قالب الامتثال القسري للسلطة، خاصة أن اختبار القوة كان هو المبدأ السائد لترجيح من يتحكم في الفضاء العمومي، مما أدى، حينذاك (وعلى امتداد تاريخ الاستقلال)، إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف الذي تمارسه قوات الشرطة ضد مواطنين، خاصة أثناء المظاهرات الاحتجاجية، أو أثناء فض الاشتباكات بين متنازعين، أو أثناء التدخل لفرض النظام. وبموجب هذا الفهم التحكمي لمهام الشرطة، ظل رجال الأمن يعبرون في كل تدخلاتهم تقريبا، التي تصل حد التسلط والاعتداء، عن الانتماء إلى الطرف الأقوى عضليا، والذي بإمكانه أن يشتغل خارج القانون والمساطر. غير أنه في ماي 2015 ومع تولي عبد اللطيف الحموشي، القادم من مديرية مراقبة التراب الوطني، منصب المدير العام للأمن الوطني، ظهر أن عددا كبيرا من التحديات الأمنية بدأت تفرض نفسها بقوة، مما دفع الرجل إلى تبني استراتيجية أمنية تقطع مع المقاربة الزجرية، ومع اختزال الأمن في الردع.
لقد كان الهاجس الأساس التي تحكم في استراتيجية الحموشي الأمنية، منذ تعيينه، هو تخليق المرفق الأمني، وتوسيع مجالات تدخله، وتطوير أساليبه وآليات الولوج إلى صفوفه، وجعل القانون هو الفيصل بين رجل الشرطة والمتعامل مع المرفق الأمني. وتتكون هذه الاستراتيجية من ثلاثة محاور: أولها تحقيق هدف التخليق، والثاني يهم المشاريع المهيكلة التي ترمي إلى تحسين جودة خدمة الشرطة وإعادة النظر في التكوين وتمكين مرفق الأمن من المعدات والتجهيزات، بينما يهم المحور الثالث تكثيف محاربة الجريمة وتجفيف منابعها.
إن تخليق المرفق الأمني يعني التشطيب، إلى غير رجعة، على وحشية الشرطة، من السجل العدلي للإدارة العامة للأمن الوطني، وإلغاء استخدام القوة المفرطة (غير المشروعة، وغير الضرورية في الكثير من الأحيان) مع المشتبه بهم أو مع المواطنين في الشارع العام.
لقد بذل عبد اللطيف الحموشي جهدا كبير لإنفاذ قانون"اللي فرط يكرط" في صفوف رجاله. فإلى جانب تفعيل آلية المنح والمكافآت وتنفيذ الترقيات في آجالها، تحفيزا لرجال الشرطة وتشجيعا لهم على المجهودات التي يبذلونها، لم يتردد، بعد البحث والتدقيق، في اتخاذ قرارات علنية وصريحة، بل والحرص على إخبار الرأي العام عبر إصدارها على شكل بلاغات موجهة إلى الإعلام، تقضي بمعاقبة مسؤولين أمنيين مهما علت رتبهم، في حال حدوث أي تجاوز أو إخلال مهني أو استعمال للنفوذ أو التدخل من أجل التستر عن أشخاص ضالعين في قضايا إجرامية. وقد مكن هذا الإعلان عن قرارات تأديب في حقّ رجال الشرطة والأمن من تعزيز ثقة المواطنين في نهاية "الشطط في استخدام السلطة"، وأن الجميع، بمن فيهم مسؤولو الشرطة (حراس الأمن والمفتشون والضباط والعمداء والولاة)، يقع تحت طائلة القانون، ولم تعد صورة رجل الشرطة ترتبط بـ"الإفلات من العقاب"، وبأنه "صاحب السلطة الذي يستخدم نفوذه من أجل الهيمنة أو تحقيق مصالحه الخاصة" أو التعسف في تطبيق المساطر والإجراءات الإدارية. 
لقد لقيت السياسة الأمنية التي انتهجها الحموشي إشادة كبيرة في الداخل والخارج عل حدّ سواء، لأنه تمكن من تحقيق "المصالحة الصعبة للمواطن المغربي مع جهاز الأمن"، فضلا عن إضافة عناصر أخرى إلى مفهوم الأمن الذي لم يعد محصورا في قوة الردع وإحلال النظام، بل يعني أساسا القدرة على تقديم إجابات أمنية على مشاكل هي، في أصلها، اجتماعية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية، وأيضا إلكترونية (الجريمة الإلكترونية والأمن السيبرنتيكي). وبطبيعة الحال لا يمكن إنجاح هذا التحول دون كسر الحلقة المفرغة التي كانت تحكم علاقة رجل الأمن بالمواطن، وعلاقة المواطن برجل الأمن، أي تلك العلاقة التي تربط الغالب والمغلوب. ذلك أن الاهتمام ينبغي أن ينصب، كما تبين ذلك استراتيجية الحموشي، على مكافحة الجريمة، وليس على قهر المواطن والإفراط في الإساءة إليه والاعتداء على حقوقه التي يضمنها له القانون، وعلى رأسها الحق في الحياة والسلامة الجسدية، فضلا عن الحق في التظاهر والإضراب والاحتجاج، والحق في الوصول إلى الفضاء العام والمشاركة فيه وفق ما ينص عليه القانون.
لقد وضعت استراتيجية الحموشي، في قلب ركائزها، تمكين رجال الشرطة من تعزيز ثقافة حقوق الإنسان والعلاقات مع المواطن، للمساهمة معا في محاربة الجريمة. وهو عمل بيداغوجي مفيد، أولا، لـ "إصلاح القطاع الأمني" الذي أصبح تنافسيّا في سياقنا الحالي، محليا ودوليا؛ وثانيا للدفع بالاستثمار في العنصر البشري إلى أقصاه  بغاية الوصول إلى إجابة مقنعة على التحديات الشاقّة والمعقدة الحالية (الجرائم الإلكترونية، الجرائم المالية، الجريمة العابر للقارات)؛ وثالثا، من أجل  مواكبة التطوّرات الحقوقية والسياسية التي يعرفها المجتمع المغربي، فضلا عن التحولات الجوهرية العميقة التي يعرفها قطاع الشرطة على مستوى العالم.
رجل الأمن، مهما كانت رتبته، سيعرف أن انتماءه الوظيفي ليس امتيازا ولن يعفيه من المحاسبة، بل سيطوقه "شرف الانتماء" إلى مهنة من أنبل المهن بمسؤولية أكبر، ألا وهي مسؤولية حماية أمن الوطن و المواطنين، والحموشي منذ قدومه على رأس مديرية الأمن الوطني، جاء ليكرس عكس المثل المتداول "حاميها حراميها". بدليل أن العشرات من رجال القوات العمومية خلف القضبان، لم تنفعهم رتبهم الأمنية في خرق ما هو أسمى من القانون.

«الوطن الآن»، ترصد في هذا الغلاف شريط تخليق المرفق الأمني منذ تعيين الحموشي على رأس إدارة الأمن في ماي 2015 إلى متم 2021. وهو الجرد الذي أنجزناه من خلال ما نشر في الصحافة الوطنية.
وكشف عن وجود 874 حالة تأديب في هذا القطاع أي ما يمثل 145 قرار تأديبي تقريبا كل عام في حق رجال الأمن المخالفين للمساطر القانونية.
 
                                تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"